الأمانةُ العظمى في الدّفاعِ عن تُراثِ وتاريخ الأُمَم: المُحَقّق علي عبد الرضا عوض أنموذجاً


 

(1) المَهْدُ والشّجرة
كان العراقُ العظيمُ ولَمْ يزلِ المهدَ الذي فيه ترعرعتِ الحضاراتُ، والأرضَ التي بمائها العطر عُجن صلصال الكنوز والأسرار، والشجرةَ التي منها تبرعمتْ حروف الأنبياء والرجال الأشراف الأبرار، فكان لا بدّ أن تتوجهَ إليه أنظارُ الناس من كلّ الأقطار والأمصار، بعضُهم من أهل المحبّة والدّرس والتحصيل، وبعضُهُم الآخر منْ أهل القرصنة والقلوب الممتلئة بالحقد والضغينة، وهؤلاء فاقوا في عددهم أهل المحبّة، لأنهم دخلوا هذه الأرض الزكيّة لصوصا، يشعلون نيرانَ الحروب في كل شبر من العراق، عيونهم على الزرع والضرع، وبأياديهم وقنابلهم وسياراتهم المفخخة وأفكارهم المسمومة يقتلعون أرواح الناس الأبرياء، وكأنّ حروبهم أتتْ خصيصا من أجل إيقافِ نبض القلب العراقي حتّى لا يعود من جديد إلى بناء حضارة قد تكونُ أقوى وأبهى من سابقاتها، لذا تجدُ هؤلاء لا يدّخرون جهدا في تدمير البنى التحتية، وسرقة كنوز التاريخ من المتاحف والبيوت والشوارع بل من صدور الخلائق أيضا! لكن، هل نجحوا في ذلك؟ أم تراهم وجدوا من يُدافع عن هذا التاريخ بالغالي والنفيس، مالاً كان، أو جهدا أو حتى عُمرا وحياة، ويجعلُ العراقَ كله أمانة عظمى في عنقه لأنه يعرف جيّداً أنّ في الحفاظ على هذا البلد وعلى تاريخه وتراثه حفظٌ وصونٌ لتراث الإنسانية كلّها!
نعم، والحال هذه كان لا بدّ منْ أن يظهر في العراق رجالٌ مؤمنون صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ووهبوا حياتَهم للحفاظ على ما بقي في هذا البلد وصونِه من الضياع ومحاذاته بحرفِ العلم والبحث والدراسة والتنقيب، وهؤلاء الرجال خُدّام الحرف كُثر في العراق، إلا أنّي سأركّز في نصّ هذه الدراسة على اسم معين منهم وذلك للأسباب التالية:
1) عملهُ كمُحقّقٍ يهتمُّ بجزء خاصّ من تاريخ العراق ومخطوطاته؛
2) اهتمامه بأنشطة النشر داخل دارٍ تكرس معظم إصداراتها لتراث الإنسانية جمعاء مع التركيز بشكل خاصّ على تراث العراق، وبشكل أخصّ على تراث مدينة الحلّة وماجاورها، وأعني بها دار الفرات للثقافة والإعلام، ومقرها بابل / الحلّة؛
3) كونه سليلُ أسرة عريقة كرّست كلّ حياتها لخدمة الثقافة والتراث العراقييْن، وهي أسرة آل عوض الحلّي المزيدي الأسدي، ناهيك عن كونه ابن المؤرخ الدكتور عبد الرضا عوض، وعمّه هو الشيخ المُحَقّق عبد الحليم عوض الحلي؛
4) كونُه على صلة بمعظم ما يجِدُّ في عالم النشر التراثي بما في ذلك المجلات كمجلة (أوراق فراتية) التي يعملُ فيها وكذا (رد الشمس) وهي مجلة تُعنى بالتراث الحلّي وتَصدرُ عن العتبة العبّاسية المقدّسة (قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية) وغيرهما من المجلات الأخرى والمواقع الإلكترونية الخاصة بمكتبات حفظ التراث العالمية والوطنية؛
5) إضافة لهذا فهو أمين مكتبة تراث الحلّة التابعة للعتبة العبّاسية المقدّسة، وصدرت له عن دار الفرات للثقافة والإعلام مؤلفات تهتمُّ بالتراث وقضاياه أذكر منها:
*أعلام المترجمين في بابل (2016)؛
*موسوعة مؤلّفات الحلّيّين المطبوعة (2016)؛
*الرسالة الفخرية في معرفة النّية لصاحبها فخر المُحَقّقين محمد بن الحسن بن المطهّر الحلّي (تحقيق) / (2016)؛
*رسالة إلى أهل الجزائر لصاحبها أحمد بن محمد بن فهد الحلّي (دراسة وتحقيق) / (2015)؛
*مكتبة آل طاووس (2015)؛
*معجم المُحَقّقين في الحلّة (2015)؛
*أرجوزة المحبّة والوفاء في تراجم الحلّة الفيحاء، شعر الأستاذ الدكتور أسعد محمد علي النجار، (تعليق وكتابة هوامش) / (2014)؛
*ثمّ همسات في كتاب الحوزة العلمية في الحلّة للدكتور عبد الرضا عوض، (جمع وتقديم) / 2014.

(2) علي عبد الرّضا عوض مُحَقِّقاً
13624786_633439950155883_441959813_n

علي عبد الرضا عوض هو المؤرّخُ المعني بالأمر، وتجربتُه في مجال التحقيق التأريخي هي عيِّنة وأنموذج دراستنا، وللوقوف على هذا الجانب العلمي من شخصيته يجبُ أولا تحديد كتبه التي ستكون أرضية الانطلاق لدعم ما ذهبتُ إليه من وصفي لهُ بالمُحَقّق، وأقصدُ بها كلّ ما ألّفه ونشرهُ من كتب خلال السنوات الثلاث الأخيرة (2014/2105/2016)، والتي باطّلاعي على فحواها وقراءتها لأكثر من مرّة، أصبح لزاما عليّ تسجيلَ بعض الملاحظات من خلال التساؤل عن الضوابط التي اعتمد عليها الباحث في تحقيق كتبه وتأليفها، وكذا عن السّبب الذي جعله يختار مدينة الحلّة كميدان لدراساته وكتاباته المتنوعة في مجال التحقيق التأريخي.
إنّ طرحي لهذه الأسئلة لمْ يأت من فراغ، ذلك أنني ومن خلال تتبعي لحركة التأليف التأريخي سواء عبر ما تُصْدره المكتبات العربية وكذا الإيطالية، لاحظتُ أنّ القارئ في كلا الحالتين لا يتناولُ بشكل أكثر عمقا وجدّية الكتبَ التي تتناول قضايا تحقيق وتدقيق المؤلّفات أو المخطوطات الأخرى التي سبق لها أن صدرت في نسخ قديمة أو حتّى جديدة، والأدهى من ذلك، تعاملُه السطحي مع عملِ المُحَقِّق نفسه، إذ غالبا ما تجده يتجاوز المقدمةَ التي يكتبُها هذا الأخير وشروحاته ويقفزُ عليهما لينطلق مباشرة في قراءة متن الكتاب دون الاعتناء بهوامشه وحواشيه معتبراً إيّاها كلاماً زائداً لا فائدة منه ترجى!
إنّه شيء أشبه بعملية التقزيم التي تطالُ كذلكَ عملَ المُترجم، إذ في كثيرٍ من الأحيان وإن كان يشبهُ عملَ المُحَقّق التأريخي من حيثُ كدِّهِما معاً في تقصّي المعاني وكيفية ولادتها، وتشريح الكلمة للوصول إلى أدقّ مكنوناتها من أجل إيصالها للقارئ في صورة قد تكون أكثر دقّةً وانسجاماً وحبكة من نصّ أو مخطوط الانطلاق نفسه (1)، فإنهما معاً لا ينالهُما إلّا التّجاهل، ولا يتمّ التركيز إلّا على عمل صاحب المخطوط المُحَقَّقِ أو الكتاب المُتَرْجَم. والمُحَقِّقُ كما المترجمُ لا يُعانيانِ معاً من سطحية القارئ والمتلقي فقط، بل ينالهُما من استخفافِ دور النشر كذلك نصيب، فترى هذه تنشُر الكتابَ بعنوانه الأصليّ مكتوباً بالحجم المطبعيّ العريض، وباِسْمِ المُحَقِّقِ أو المُتَرجِمِ في أسفل الصفحة بخط يحتاج إلى عدسة مُكبّرة من أجل قراءته (2)، وإنني أعتقدُ أنَّه قد حان الأوانُ لإماطة اللثام عن ما في هذه الإشكالية من مُلابسات، وإعلاء كلمة حقٍّ عادلة بشأنِ المُحَقِّقِينَ وعملهم الجبّار من خلال الحديثِ عن تجربة علي عبد الرضا عوض عبر محاولة الإجابة عن الأسئلة المطروحة أعلاه الواحدة تلو الأخرى:

(1) ـ ما هي الضوابط التي اعتمدَ عليها علي عبد الرضا عوض في تحقيق كتبه وتأليفها؟
1) حرص الباحثُ على ذكر أهمّ التفاصيل في الواجهة الأمامية لكلّ كتاب حقّقَه أو ألّفَهُ مباشرة، وأقصدُ بها الغلافَ وما يحويه من عتبات نصّية، بدءاً من العنوان الرئيس وصولاً إلى العناوين الفرعية، مع ذكر اسم المؤلف ثم المُحَقِّق بخطّ مطبعي واضح دون إغفال سنة الطبع واسم دار النشر ورقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد، وذلك لعلمه التامّ بأنّ من هذه التفاصيل والجزئيات التي قد تبدو في أعين الآخرين غير ذات أهمية يُولد ما يسمّى بالقيمة العلميّة المُوثِّقَةِ لكل مخطوط كيفما كان نوعه؛

2) وأنا بصدد الاطّلاع على كتابات علي عبد الرضا عوض بعين التمحيص والتحقيق أثارتْ انتباهي بشكل خاصّ طبيعة الآيات التي افتتح بها كتبَه المُحَقَّقَة، ذلك أنّني اكتشفتُ أنّه تمّ اختيارها بعناية فائقة حتّى تعكسَ فكرَ المُحَقِّق نفسه وموقفَه الخاصّ من علوم التحقيق والتأريخ التراثيَيْنِ (3) إذ من خلالها أرادَ أنْ يُظْهِر للقارئ بعضاً من الخصال التي يجبُ أن يتحلّى بها كلّ مُحقِّقٍ، وكذا الأهداف التي يروم الوصول إليها وهو يقدّم للقارئ كنوز العالم المخبوءة وراء حجاب النسيان تارة والإهمال تارات أخرى. أمّا عن الخصال فأهمّها التواضع والتحلّي بالصّبر وطول النفَس، وتواضع علي عبد الرضا عوض بادٍ للعيان ولا تغطّي شمسه المناخِل، فهو لا يتحدثُ عن نفسه أبدا، ولا يُفسِحُ لها المجال إلا عبر مساحةٍ ضئيلة جدّاً قد لا تتجاوزُ صفحة أو صفحتين، يُقدّم من خلالهما العملَ المُحَقَّقَ ويتحدّثُ بإيجاز شديد عن منهجيته وطريقةِ تحقيقه للمخطوط، ثم يختمُ مُوَقِّعاً باسمِهِ وصفتِهِ، وفي كثير من الأحيان يَعِدُ القارئ بطبعات جديدة لأعماله تكونُ أكثرَ شموليةً وتنقيحاً من سابقاتها، ويعتذرُ لهُ إذا ما سقطت بعضُ أسماء العلماء والمُحَقّقين والمترجمين من لائحة الشخصيات المدروسة بسبب عدم التوصل لمعلومات كافية عنهم(4). وأمّا عن التحلّي بالصّبر وطول النفس، فهذا يظهر من خلال بعض الإشارات التي يفيدُ منها القارئ أنّ الباحثَ علي عبد الرضا عوض من أجلِ تقديم عملٍ جيّد فإنّه يتكلّفُ أيضا عناء شدّ الرحال إلى بلدان أخرى غير العراق كإيران مثلا(5) بحثاً عن المخطوطات النادرة من أجل تحقيقها أو مقارنتها مع ما سبق وحُقِّقَ من قِبَل بحّاثة آخرين. والصّبرُ على العلم وأهله يقتضي أيضاً الحرصَ والحذر والأناة والتريثَ أثناء العمل التحقيقي، وذلك لكثرة المارقين والمُندسّين في هذا المجال من الدراسات ممَّنْ يُزَوّرُون الحقائق ويُتْلِفون المخطوطات وما إليها، وما من فراغ جاء استفتاحه لموسوعة مؤلفات الحليين المطبوعة بالآية الكريمة: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» (البقرة/79).
ما منْ شكّ في أنّ تحقيقَ المخطوطات أمانة عظمى في عنق كلّ باحث، لذا فإنّه يوازي من حيثُ أهميته العبادة والصلاة، ذلك أنّ الاهتمام بالعلم والعلماء وتأريخ الأمم هو قبل كلّ شيء صلاة من نوع خاص، وهو المفهوم الذي أكّدَهُ علي عبد الرضا عوض من خلال افتتاحه للرسالة الفخرية في معرفة النية لصاحبها فخر المُحَقّقين محمد بن الحسن بن المطهّر الحلّي، بالآية التالية: «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ، أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ» (البقرة /43-45)
3) من أهمّ الصفات التي عاينتُها في طريقة تحقيق الباحث علي عبد الرضا عوض عَدَمُ إسرافه في التعليقات والحواشي، فهُوَ بَعْدَ أنْ يُتَبِّثَ النصّ ويتأكّد من عنوانه وصاحبه ويرسُمَهُ وفقا لقواعد التحقيق المُعاصر بما في ذلك من رموز وأقواس وخطوط وإشارات وألفاظ مختصرة مع التّشكيل من حين لآخر لبعض الأشعار التي قد تصعبُ قراءتها (6) فإنه ينتقلُ مباشرة إلى الحواشي التي هي لبّ العمل العلمي والنّقدي والذي عادة ما تظهرُ فيه مهارةُ الباحثِ وحِرفِيَتُهُ في صنعته كمحقّق، مُدَعِّماً النصَّ ببعض الشروحات مع التذييل بعناوين قيّمة لمصادرَ ومراجع لها علاقة بالمخطوط مَحطّ الدّرس، دون نسيان إدراج نبذة وجيزة عن أسماء العلماء التي ترِدُ من حين لآخر في المتن، مع تفادي الحشو والإطناب في كل الأحوال والمقامات.
4) من التفاصيل التي لمْ تغب عنْ ذهن الباحث علي عبد الرضا عوض، اعتناؤه الشديد بالنُّسَخِ الجديدة التي لمْ تُدْرَسْ بعدُ، إذ يذكُرُ اسمَ الناسخ وتاريخ ومكان العثور على النسخة، ومدى جودتها أو رداءتها، ووضوح حروفها أم لا، ثم مدى أو عدم موافقتها للنُّسَخ السابقة، ثم يقوم بتصويرها وإدراجها مع متن الكتاب المُحَقّق؛
5) عادةً ما يبدأ علي عبد الرضا عوض مؤلفاته بالبسملة ثم يقفُ شيئا ما عند المقدمة، وبعد ذلك يجتهدُ في البحث عن أخبار المؤلف إمّا من خلال كتب التراجم والتاريخ أو من خلال الكتاب الذي هو بصدد العمل عليه، وغالبا ما يدورُ الحديث حول اسم المؤلف ونسبه وأسرته وعلاقته بعلماء عصره وشيوخه وتلاميذه والمدارس التي كان يدرسُ بها وما إلى ذلك من تفاصيل أخرى؛
6) بقيت قضية الفهارس، وهي ليست بالأمر الثانوي أو التكميلي عند علي عبد الرضا عوض، بل على العكس من ذلك فهي ضرورية للغاية مادامتْ تساعدُ القارئَ على التوصُّلِ إلى أدق تفاصيل الكتاب المعني بالأمر، وهي لهذا تُعْتَبَرُ معياراً مُهِمّاً لكشف بعض الأخطاء التي قد يقعُ فيها المُحَقِّق بشكل عامّ.
(2) ما السبب الذي جعله يختار مدينة الحلّة كميدان لدراساته وكتاباته المتنوعة في مجال التحقيق التأريخي؟
كلّ شيء عند الباحث عَلِيّ يدور حول الحلّة، فهي كعبته التي تحج إليها حروفه، وهي الشمس التي تمدّه بطاقة البحث والإبداع، وهي مدينة المَحبّة والقبول، تحتفي بالغريبِ وتحتضنُه كيفما كان دينُه ومعتقدُه، لأنّها مدينة التسامح والتعايش وفيها يتجسّد العراق بكلّ زخمه وتنوعه الحضاري والبشري. وعلي عبد الرضا عوض مسكونٌ بها وبقضاياها وتاريخها، ليس فقط لأنه حلّيّ المولد والنشأة، ولكن لأنّ هذه المدينة فيها من عبق وعطر التاريخ ما تعجزُ كلّ الكُتُبِ عن وصف سحره، وهو عطرٌ نفّاذ ينبعُ من سيرة علمائها العظام أصحاب السِّيَرِ الحافلة بالعطاءات العلمية المتنوعة في كلّ المجالات بدءا من علوم الفقه والشريعة وصولا إلى الآداب وعلوم الطبّ والكيمياء والترجمة والقانون وما إليها. وهي لأجل هذا تستحقُّ أن تتحوّل على يد أبنائها البحاثة والمُحَقِّقِين من مجرّد أثرٍ تاريخي إلى وثائقَ مكتوبة تحكي بعين التدقيق والتحقيق تاريخ العلم والعلماء وأصول العائلات والأنساب الشريفة فيها. ولأجلِ هذا فإنّ عمل الباحث علي عبد الرضا عوض على حداثته فإنّي أرى فيه طموحاً علميا يهدفُ إلى فتح ميادين جديدة من أجل استقصاء معالم المدينة منطلقا من أرضية إبيستمولوجية وسوسيولوجية شديدة التعقيد والتنوع، ومتّبِعاً في ذلك نهج تجميع المعلومات الحثيث من مصادرها الأمّ على الرغم من الصعوبات التي يواجهها في هذا المجال وذلك إمّا لشحّ هذه المصادر وإمّا لعُسْر عملية إعادة بناء صرح معرفي تاريخي جديد تكون الحلّة هي أرضه وسقفه.
(3) النّبع ذو الماء النّمير
الآن وقد شارفتْ رحلتي بين مؤلفات الباحث علي عبد الرضا عوض على الانتهاء، ولمْ يبقَ لي سوى أنْ أسدل ستار القراءة والتحليل، أرى سؤالاً يبرق في سماء الحرف كأنه عنقاء قادمة من بلاد بعيدة تخفق بجناحيها وتقول: ماذا لو حاول علي عبد الرضا عوض أن يكتبَ أو يهتمّ بمدينة أخرى غير الحلّة، هل سينجح في ذلك يا ترى؟ ولأنّي أعرفُ جيّدا منْ تكونُ الحلّة بين نظيراتها من المدن فإني أجيبُ الطائر النائري وأقول: لربما توجد مدن أخرى في العالم ذات جمال وثراء، لكن وحدها الحلّة تبقى سيّدة المدائن لأنّ ترابها معجون بماء نمير لا يوجدُ نبعه إلا في قلوب علمائها الطاهرين البررة، نبعٌ هو عين العلوم القديمة والحديثة على السواء، لذا وجبَ الاعتناء والاهتمام بها وبأبنائها أكثر فأكثر، مع الحرص على تجديد قنوات البحث الأكاديمي والتحقيقي فيها عبر ضخِّها بأسماء جديدة من الباحثين إناثا وذكورا لا فرق بينهما إلّا بالتقوى، دون التفريط أبدا في تجاربِ الأساتذة المؤرخين والمُحَقّقين الأكبر سنّا والأكثر خبرة أمثال الأستاذ الدكتور صباح المرزوك (رحمه الله) وكذا الباحث والكاتب جواد عبد الكاظم محسن والدكتور سعد محمّد الحداد وغيرهم كثيرون (7)، مع التسلّح بحبّ العلم وأهله والتأدّب معهُم، لأنهُ لا يعرفُ قيمتهم الحقة إلا من يشتغل بالعلم ويكابد عذابه ومشاقّه الكبرى، لذا فعلى كلّ باحثٍ مُحقّقٍ أن يغفر أخطاء زملائه ومواضع السهو عندهم، وإذا كان لا بدّ من التعليق عليها أنْ يكونَ ذلك بأدب جمّ وخلق رفيع، غير هذا فلا خير فيه ولا في كتبه وإن كانَ يُغْرِقُ المكتباتِ بِها في كلّ أرجاء المعمورة.
وقد يكونُ الأستاذ الباحث علي عبد الرضا عوض، غطّى أجزاء مهمّة من البحث العلمي في شؤون الحلة التاريخية وعلمائها ومترجميها ومُحقّقيها، إلا أننا نرجو منه في السّنوات المقبلة بإذن الحيّ القيوم المزيدَ من البحث والتقصّي والحفر في حقول عذراء لم يكتشفها أحد قبله، ليروي لنا حكاية الحلّة، هذه العروس الفاتنة البهاء والكاملة الأوصاف تاريخا وأرضا وشعبا، مُتسلّحا بما جدَّ ويجدُّ في عالم التقنيات المعلوماتية، والمكتبات الرقمية العالمية ومُجَدِّداً في مجال التحقيق التراثي مع التخصّص أكثر فأكثر في مجالات معينة تعنى مثلا بطبيعة المدينة وجبالها ومحمياتها وأنهارها وأضرحتها وإثنياتها المختلفة وكذا أسماء أبنائها من العلماء المقيمين خارج الوطن والمهتمين بشتى مجالات الإبداع الأدبي والعلمي على حد سواء.
تمّ بحمد الله وحفظه في إيطاليا بيومه

الهوامش
(1) يُرجى الاطّلاع على ما قاله الشّيخ المُحَقّق عبد الحليم عوض الحلّي في تقديمه لكتاب (معجم المُحَقّقين في الحلّة): «… ولا يخفى عليك أنّ هذا الفنّ يساوق فنّ التأليف بل قد يكون أشدّ صعوبة منه، فإنّ الفرق واضح بين أن تشيّد بناءً على أرض خالية، وأنت حرّ الاختيار في رسم الخريطة، وفي استعمال نوعية الموادّ الانشائية، وفي استعمال ما تحتاج إليه من إنارة أو تغليف خارجي أو داخلي، وبين أن تعيد إصلاح بيت قديم مع الحفاظ على خارطته، والمحافظة على معالمه القديمة وعلى الدقائق التي كانت موجودة فيه». علي عبد الرضا عوض، معجم المُحَقّقين في الحلة، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، 2015، ص 5.
(2) انظر في هذا الصدد: فواز حدّاد، المترجم الخائن (رواية)، دار رياض الريس للكتب والنشر، لبنان، 2008.
(3) – البقرة /43 -45؛
– يس / 12؛
– آل عمران / 78؛
– البيّنة / 1-4؛
– البقرة / 79؛
– الكهف / 1.
(4) انظر على سبيل المثال لا الحصر الصفحة السابعة من كتابه الجديد، أعلام المترجمين في بابل الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق (الحلة)، 2016.
(5) انظر الرسالة الفخرية في معرفة النية لصاحبها فخر المُحَقّقين محمد بن الحسن بن المطهّر الحلّي (تحقيق) / (2016)، ص 17.
(6) يرجى الاطلاع على:
ـ أرجوزة المحبّة والوفاء في تراجم الحلّة الفيحاء، شعر الأستاذ الدكتور أسعد محمد علي النجار، (تعليق وكتابة هوامش) / (2014)؛
ـ ثمّ همسات في كتاب الحوزة العلمية في الحلّة للدكتور عبد الرضا عوض، (جمع وتقديم) / 2014.
(7) انظر، علي عبد الرضا عوض، معجم المُحَقّقين في الحلة، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق (بابل)، 2015.

لا تعليقات

اترك رد