بين الأسف و الإعتذار، هل وصل العراق لمرحلة الإحتضار ..؟؟

 
بين الأسف و الإعتذار، هل وصل العراق لمرحلة الإحتضار ..؟؟

إنشغل العالم الغربي و العربي، و أهلنا في العراق، خلال الأيام الماضية بإعلان جون تشيلكوت، رئيس اللجنة البريطانية المكلفة بالتحقيق في ظروف و ملابسات التدخل البريطاني في حرب العراق و إحتلاله عام 2003 في عهد رئيس الوزراء السابق توني بلير الذي ترأس الحكومة البريطانية بين عامي 1997 – 2007 ، إعلانه لنتائج التحقيقات و خلاصة أعمال اللجنة التي إستمرت أعمالها لحوالي سبع سنوات، و كلفت الموازنة البريطانية الملايين ..

لجنة تشيلكوت، و يطلق عليها أحيانا ” تحقيق تشيلكوت CHILCOT INQUIRY “، أما الأسم الرسمي لها فهو ” تحقيق العراق THE IRAQ INQUIRY “، و هي عبارة عن لجنة تحقيق بريطانية مستقلة مختصة بالتحقيق حول مشاركة بريطانيا في حرب العراق، و قد شكلت هذه اللجنة في 15/7/2009 من قبل رئيس الوزراء الريطاني في حينها جوردن براون، و باشرت عملها رسميا في 30/7/2009، و يغطي التحقيق كما أعلن رئيس اللجنة الفترة الواقعة بين صيف عام2001 و حتى نهاية يوليو / تموز من عام 2009 ..

و تتكون هذه اللجنة من رئيس و أربعة أعضاء تم إختيارهم من قبل رئيس الوزراء البريطاني السابق براون، و يمكن تلخيص ما توصلت إليه اللجنة بعد7 سنوات من العمل، و ملايين الجنيهات من التكاليف، أن نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين لم يكن يشكل خطرا على المصالح البريطانية، و أن أسلحة الدمار الشامل قد زعم زورا أن العراق يمتلكها في ذلك الوقت لتبرير لعبة الحرب هذه، و أن الحرب التي شنتها بريطانيا و أميركا على العراق عام 2003 لم تكن ضرورية ..

و تشير التقارير إلى أن هذه اللجنة قد إطلعت و درست و فحصت آلاف من الوثائق، و أجرت العديد من التحقيقات و المقابلات و الإجتماعات مع الأشخاص و الجهات المعنية، و إنه كان من المقرر أن تصدر تقريرها عام 2011، لكن الحاجة لمزيد من المعلومات و الوثائق، و الطبيعة عالية السرية لهذه المعلومات و الوثائق خاصة تلك المتعلقة بالنقاش و الحوار و الإتصالات و المراسلات بين بلير و بوش، و مستوى الأشخاص المتهمين الرئيسيين في هذا التقرير، و هم بلير، و وزير خارجيته جاك سترو، و رئيس جهاز الإستخبارات البريطانية الخارجية في حينها السير ريتشارد ديرلوف، كلها تسببت في هذا التأخير ..

و المتابع لتصريحات و نتائج أعمال اللجنة، و ما تبعها من تصريحات لبلير المسؤول الاول لدخول بريطانيا لهذه الحرب و إحتلال العراق عام 2003، و المشجع الأول و الموسوس الأكبر للرئيس الأمريكي المجنون بوش في حينها، يلاحظ إنها صيغت بلغة مهنية قانونية رسمية عالية المستوى و بدقة متناهية، لتلافي الوقوع في المزالق، و بعيدا عن المشاعر و الأحاسيس، بل تعاملوا مع الموضوع على أنه قرار أتخذ، و درسوا و قاسوا مدى صحة القرار، و حجم الخطأ، و تأثير ذلك الخطأ ” الجسيم ” على السياسة و الحكومة و الجيش و الشعب البريطاني، و الهدف من العملية كلها هو إمكانية إستبعاد إحتمالية الوقوع في هذا النوع و من هذا المستوى و الحجم من الأخطاء في المستقبل، علما أن هناك حوالي 45000 جندي بريطاني قد شارك في الأعمال العسكرية في العراق، بشكل رئيسي خلال الفترة بين عامي 2003 – 2009٢٠٠٩، و لقي 179 منهم حتفهم، فقط لا غير ..

و يمكن تلخيص أهم الفقرات التي جاء بها التقرير النهائي المتكون من 6000 صفحة و حوالي 2,6 مليون كلمة، و الذي أعلن للملأ يوم الأربعاء السابق المصادف السادس من شهر تموز 2016، و الذي يعتبره البعض من أشد و أقسى التقارير بشأن الحكومة و السياسة البريطانية في التاريخ الحديث، كما يأتي :

= أن توني بلير قد ضخم مشكلة العراق و ضلل الرأي العام البريطاني و إختلق الأحداث للإقناع بالدخول في هذه الحرب
= لم يكن هناك أي خطر أو تهديد جدي و لا مباشر من وجود و بقاء الرئيس صدام حسين في السلطة
= أن أجهزة المخابرات البريطانية وفرت و قدمت بيانات و معلومات إستخبارية غير دقيقة و مضخمة بشأن العراق، إجتزأ بلير بعضها ليروج لموضوع الحرب و الإحتلال
= الرئيس الأمريكي بوش أهمل أي نصيحة أو إستشارة من بريطانية بشأن التخطيط للأوضاع في العراق ما بعد الحرب عليه و إحتلاله
= الجيش البريطاني لم يكن جاهزا و متكاملا من حيث التجهيز و العدة لهذه الحرب
= أن العلاقات البريطانية الأمريكية لم تكن ستتأثر كثيرا لو بقيت بريطانيا خارج هذه الحرب

إذن لابد من الإعتراف و الإقرار و التأكيد إنه لم يكن من أجل عيون العراقيين، و لا من إجل الإعتذار للعراق و العراقيين عن ما حل بهم نتيجة أعمال و أفعال الأرعنين بوش و بلير، و هذه النتائج و المآسي التي يعاني منها الشعب العراقي و بعدها شعوب المنطقة العربية كلها، لا زالت مستمرة لحد يومنا هذا، و بإعتراف الجميع ..

أشار تشيلكوت و أكد في تقريره، أن المخططات البريطانية لفترة ما بعد إجتياح العراق عام 2003 كانت غير مناسبة على الإطلاق، و أنه قد إستنتج أن بريطانيا قررت الإنضمام إلى إجتياح العراق قبل إستنفاذ كل البدائل السلمية للوصول إلى نزع أسلحة البلاد ( و التي تبين عدم وجودها ..؟؟!! )، فالعمل العسكري لم يكن حتميا آنذاك، و أضاف أنه رغم التحذيرات، تم التقليل من شأن عواقب الإجتياح، و أكد أن المخططات و التحضيرات للعراق في فترة ما بعد الرئيس الراحل صدام حسين لم تكن مناسبة على الإطلاق ..

و يشير تقرير تشيلكوت إلى أن بريطانيا قد أضعفت سلطة مجلس الأمن بالتصرف دون الحصول على تأييد الأغلبية للتحرك العسكري، و أن الأسس القانونية للتدخل العسكري البريطاني في العراق كانت غير مرضية ، كما يربط التقرير في بعض فقراته بين ما آلت إليه الأوضاع في العراق اليوم، و تزايد فعاليات القاعدة سابقا و داعش اليوم، إلى هذا الإحتلال الذي قادته كل من أميركا و بريطانيا بشكل غير شرعي و لا قانوني ..

العنصر الرئيسي و المتهم الأساسي في هذه التحقيقات كما أشرنا كان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، البالغ من العمر 63 عاما، خريج جامعة أوكسفورد البريطانية الشهيرة، قاد حزب العمال البريطاني لمدة عشر سنوات، منذ عام 1997 و حتى عام 2007، كان رئيسا للوزراء في فترات مليئة بالأحداث بريطانيا و عالميا، أهمها مقتل الأميرة ديانا، و الحربين العالميتين على أفغانستان و العراق، حيث كان لبريطانيا و بلير دورا مهما و رئيسيا فيهما، و في المساعدة و النصح و الإستشارة لأميركا و الناتو معا ..

و من أهم التصريحات و المواقف و المراسلات السرية و العلنية التي تشير إلى نيات مبيتة لبلير للمشاركة الفعلية في الحرب على العراق و إحتلاله تحت القيادة الأمريكية، وعد قطعه علنا لبوش حين قال : سأكون معك مهما كان – I WILL BE WITH YOU, WHATEVER ، و بات هذا الوعد مثالا لعمق العلاقة و التنسيق بين الطرفين في الجرائم التي أرتكبت في العراق، و في إتصال آخر مع بوش بعد ستة أيام من غزو العراق عام 2003 أعلن بلير ،دعمه لبوش و ما يقوم به في العراق من خلال القول : هذه هي اللحظة التي يمكن أن تعرف مفاهيم الساياسة الدولية للأجيال القادمة، إنه أساس للنظام العالمي الجديد في أعقاب الحرب الباردة ..

بلير، بعد إعلان هذا التقرير، و حتى قبله، عندما رفض الشعب البريطاني في وقتها المشاركة بأي شكل من الأشكال في الحرب غير المشروعة على العراق، أعلن و بكل جرأة و غباء و مكابرة و إستهانة بآراء اللجنة و آراء الآخرين و الرأي العام المحلي و العالمي، أعلن بأن ذلك القرار، و هو مشاركة بريطانيا في الحرب على العراق و إحتلاله، كان من أصعب و أعقد القرارات في حياته، و أنه المسؤول شخصيا عن هذا القرار، و عبر عن حزنه و ألمه و أسفه و إعتذاره ” SORROW, REGRET AND APOLOGY ” عن ذلك القرار و الأخطاء التي رافقته، لكنه عاد فقال أنه لو وضع في الموقف نفسه ربما سيإخذ نفس القرار، و أن مجرد أزالة الرئيس العراقي صدام حسين من كرسي الحكم هو كفاية ليبرر ما حصل ، و أنه يشعر أن العراق و العالم في وضع أفضل اليوم بلا صدام حسين، فكما يبدو، و حسب رأيه إنها مجرد أخطاء عادية، و مجرد الإعتذار كافي لتجاوز الموضوع ..

تصوروا، العالم و العراق أفضل اليوم، بالمناسبة ربما هو لا يشعر و لا يحس بما يجري هناك في العراق و في العالم العربي و الإسلامي، فبعد مغادرته قيادة حزب العمال و رئاسة الوزراء ، بدأت العروض تنهال عليه أمريكيا و عالميا، و بالتأكيد مكافأة له عن دوره ذلك، فأصبح يستلم آلاف مؤلفة من الدولارات عن محاضرات و مؤتمرات و إستشارات هنا و هناك، للأسف معظمها كانت في بلادنا العربية، و مدفوعة الثمن من قبل حكومات عربية، فحسب معلوماتنا هو يعمل الآن مستشارا لدولة الإمارات، و مستشارا لحكومة مصر، و مستشارا لعدد من كبار الشركات في المنطقة و حول العالم ..

بالمقابل، فقد أعلن رئيس حزب العمال البريطاني الحالي جيرمي كورباين، و في ضوء نتائج هذا التقرير، أنه يقدم إعتذاره للشعب العراقي، الجنود البريطانيين، و لملايين البريطانيين الذي باتوا يشعرون الآن أنهم قد خدعوا، و أن النظام الديموقراطي البريطاني لم يكن مفيدا و لا مناسبا في هذا المجال ..

من الجدير بالذكر، و كون بلير شخص قانوني، فأعتقد أنه يعلم جيدا أن الإعتذار و الأسف عن جريمة معينة لا يكفي، بل لابد من محاكمة و محاسبة و جزاء و تعويضات تليها ..

فلا يكفي الإعتذار عن تدمير بلد و تشريد شعب، و إلغاء تاريخ و تخريب جغرافية و ديموغرافية بلد عريق في التاريخ كالعراق، و بالمناسبة ، هنا أؤكد إنه لم يعتذر للعراقيين أبدا، و إعتذاره حاليا فقط للأخطاء التي إرتكبت نتيجة قراره، و ما لحق ببريطانيا و الشعب و الجيش البريطاني من أضرار نتيجة ذلك ..

و هنا أنا أدعو كل القانونين الشرفاء حول العالم، سواء من العراقيين أو البريطانيين و غيرهم، ليكون هذا التقرير نقطة البداية لهم لقلب الطاولة على النظام الدولي المعوج، و محاكمة و محاسبة و تجريم بوش و بلير و رامسفيلد و باول و تشيني، و غيرهم من كبار المجرمين الذين شاركو في جريمة تدمير العراق، دعك عن المجرمين في العراق نفسه ممن يجلسون اليوم على كراسي الحكم و رئاسة الأحزاب و البرلمان و رجال الدين و المرجعيات المسؤولين مباشرة أو بشكل غير مباشرة عن مهرجان القتل و التدمير و التهجير المستمر هناك منذ الإحتلال و حتى اليوم ..

في أعقاب الإعلان عن هذا التقرير، بادر عدد من أعضاء البرلمان البريطاني إلى القول ، أنهم يشعرون أن بلير كذب عليهم و خدعهم، و أنه لابد أن يحاسب و يحاكم نتيجة قراراته تلك، كما أشار أليستر كامبل، كبير مستشاري بلير في حينها، أن هذا الموضوع و هذه التهم ستلاحق بلير حتى الممات، و لن يكون من السهل نسيانها أو تجاوزها و حتى التعايش معها ..

من الجدير بالذكر أنه ربما من حسن حظ و طالع بلير أن يكون الإعلان عن هذا التقرير في نفس الفترة التي ينشغل بها الرأي العام البريطاني بموضوع الخروج من الإتحاد الأوربي، و الأزمات السياسية التي لحقت هذا القرار، و التي تسببت في تغيير وزاري و تغيير في قيادات عدد من الأحزاب الرئيسية في الساحة البريطانية، لكني أعتقد أن الموضوع هذا سيعود ليحتل المقدمة في إهتمام البريطانيين بعد حين عندما تستقر الأوضاع الداخلية، خاصة بعد إختيار رئيسة جديدة لحزب المحافظين البريطاني و المرشحة لتكون رئيسة الوزراء القادمة ..

كذلك الحال بالنسبة للعراقيين، فهم مشغولون منذ أيام بحادثة أو فاجعة الكرادة التي تسببت في مقتل و جرح المئات من المواطنين الأبرياء، و التي تشير العديد من التقارير كونها عمل إجرامي مخطط و منفذ من قبل عدد من الميليشيات الطائفية المرتبطة بقوات الأمن و الجيش الحكومي العراقي، هذا الإنشغال جعل إعلان التقرير بالنسبة للكثير من العراقيين مجرد حدث عابر، في حين عبر البعض الآخر عن كون أحداث الكرادة و الأحداث الإجرامية الأخري التي مرت على البلاد منذ الإحتلال و حتى اليوم، ماهي إلا نتيجة واقعية لقرار بوش و بلير بإحتلال العراق و زرع الكثير من بذور الفتنة و الطائفية و عدم الإستقرار، التي أوصلت الأمور هناك إلى هذا الحال اليوم ..

ما نود التأكيد عليه و نأمله أن تستغل لجان و جمعيات حقوق الإنسان و المجتمع المدني، و اللجان القانونية و الإستشارية في العراق و بريطانيا و حول العالم، ما جاء في هذا التقرير، رغم إنه جاء بشكل محافظ و لغة حذرة جدا، إلا أنه يمكن أن يكون البداية و القشة التي تقصم ظهر البعير، و يمكن أن يعود البعض من الحق الضائع لأهله، على الأقل من خلال محاكمة عادلة لبوش و بلير و تشيني و رامسفيلد و كونداليزا رايس و باول و غيرهم من القياديين في هذه الحرب القذرة، و كذلك كل من مد يده لهؤلاء و تعاون معهم من أخساء و أذلاء السياسة العراقيين الذي نراهم اليوم و منذ الإحتلال في الصورة ..

فكلنا نرى عراقنا و هو يتجه نحو الإحتضار، و نرجو أن لا يضيع هذا العراق و لا أهل العراق ما بين الأسف و الإعتذار الذي يقدمه بلير و غيره، و كل أملنا أن تتوقف عجلة التدهور و الإنهيار هذه و يستعيد العراق و العراقيون وعيهم، و نبدأ من جديد رحلة العودة و البناء، بعد أن ننظف دارنا و بيتنا من النفايات و الازبال التي أغرقته و ملأت حاراته و ممراته، و التي شحنت إلينا من مزابل طهران و غيرها، و كما يقال، لا يضيع حق و راءه مطالب، و الله من وراء القصد ..

لا تعليقات

اترك رد