تركيا … جدلية العلمانية والدين ،،

 
تركيا ... جدلية العلمانية والدين ،، للكاتب فائز السعدون #تركيا

كيف أنتجت تركيا نخبتها من السياسيين العَلمو- اسلاميين ؟!

حين يتعلم عميان الطائفية طراطير المنطقة الخضراء ، سنتهم وشيعتهم ، المؤمن منهم او المُشْترى ، ان السياسة “كار ” وان العالم وأوضاعه ومكانتنا فيه تُصْنَع … سيكتشفون ايضا ان الله ألقى بالاديان ومذاهبها على البشرية رحمةً لخدمتها وتحقيق مصالحها وان السبيل لذلك ليس ” لطمية ” او ” درباشة ” ، وإنما عمل دؤوب ماهر وفق مايقدمه الواقع من معطيات . عقد محمد “رسول الله” هدنةً مع قريش الكافرة لان فيه حقناً للدماء ، وان ماكان تأخيراً للفتح .. كان مردوده ارواحاًغاليةً كانت ستزهق لو مضى الى ماعزم عليه حين قاد جيش الفتح الى مكة ، ولو تاخر الفتح الى حين ، وعطل عمر ابن الخطاب الحدود في عام “الرمادة ” او القحط في المدينة المنورة لان الجوع والحاجة الذين المَّا بالناس قد كانا كفيلين بدفعهم لارتكاب الجرم ، وان علياً انسحب من المنافسة على خلافة الرسول بعد وفاته حفظا لأمن الأمة لان المصلحة تتقدم على اي اعتبار اخر .

يخطئ من يحاول فهم السياسة الخارجية التركية او حتى السياسة الداخلية ، التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية ، من منظور الحركات الاسلامية التي عرفناها في أماكن عديدة في العالم الاسلامي خلال العقود القليلة الماضية ؛ حزب العدالة والتنمية الذي كان يتزعمه اردوغان ويرأس الدولة التي يحكمها الحزب حاليا هو حزب يصنّف باعتباره من احزاب الاسلام السياسي ولكنه يقود تركيا وفقا لمؤشرات الناخبين والراي العام لانه فهم ان لعبة السياسة الناجحة هي قيادة الناس الى مايؤمن سعادتهم وان معاييرهم ، مهما كانت ، لاتنفصل في نهاية المطاف عن الموروث التاريخي الذي شكل هويتهم التاريخية ، وهذا التوجه في عقلية الزعيم وأداءه دفع بعض المراقبين الى اعتباره اقرب للمعنى العام للعلمانية منه لتصورات الاسلام السياسي المعهودة والتي اعتدنا سماعها في خطاب حركات هذا التيار ، وأداء الزعيم هو ترجمة لتجربة الاسلام السياسي ذات النوعية التي تفردت بها تركيا لأسباب تاريخية تعود للا يام الاولى من عمر الجمهورية ….الاسلام هو روح الهوية التركية وان مصطفى كمال اتاتورك قد فهم بحنكته المعروفة هذه الحقيقة ، لذلك أسس علمانيته اللائكية ليس على أساس تجاهل الدين او محاربته ، وان بدا في ظاهر توجهاته كذلك ؛ أسس اتاتورك الجمهورية العلمانية التي ابتلعت الدين واممته ولم تلغه من فضائها العام تماما وان حُشر في ركن صغير ، لكنها جعلت تفسيرها الرسمي هو تفسيره الوحيد المسموح به ؛ هذه التوليفة التي وضعت في أسس الجمهورية الوليدة في مطلع العشرينات سوف تنتج إسلاما سياسيا ناضجا قادرا على التعاطي مع حقائق العالم وتحدياته عندما بدات أولى بشائره بالظهور في أعقاب الحرب العالمية الثانية بأشكال خجولة متواضعة في البداية .
لقد أممت تركيا أسلامها وحاولت جعله تركيا من الناحية اللغوية ، لكن أمرين لم تستطع التغلب عليهما : التصوف وتدين الأناضول . كما ان تأميم الدين جعله يعيش في قلب الدولة العلمانية ، فصارت وكانها تعيش جدلية هيغل : الفكرة تحمل نقيضها .. أقامت صناعة خمور حكومية وكانت تدر عليها الأرباح وفي ذات الوقت كانت تدفع مرتبات الأئمة المُؤمّمين الذين كانوا يعظون ويفتون بحرمة الخمرة وتصدر الدولة قرارا بمنع لبس الحجاب في الحياة العامة ويفتي الوعاظ بلزوم الحجاب باعتباره فرض ديني ، وكذا الامر في جوانب كثيرة من حياة الأتراك .

انتهت الحرب العالمية الثانية وكانت بداية عصر جديد في الحياة التركية ؛ اصبحت تركيا جزءا من نصف العالم الغربي من خلال عضويتها في حلف شمال الأطلسي وفي مرحلة جديدة طوى الموت قبلها مباشرة اكثر الآباء المؤسسين للجمهورية ؛ كان على تركيا ان تقدم نفسها للعالم مجدداً كدولة ديمقراطية ، فأقرت التعددية الحزبية وبذلك اصبحت قوة الحكومات الجديدة تأتي من الشعب لا من العقيدة الكمالية وان ظلت في مرتبة المقدسات العامة . استفز الوضع الجديد أركان الجمهورية الاولى فتشكلت ماتسمى ” الدولة العميقة ” ، او حراس العلمانية ، من كبارالقضاة وكبار موظفي جهاز الخدمة المدنية وجنرالات الجيش في مواجهة الحكومات المنتخبة ذات التوجهات اللبرالية كما انفتح الطريق امام اليمين الديني والمحافظ واليسار للتبشير والعمل السياسي وتنوعت اتجاهات الصحافة كما ظهرت نواة لتنظيم الاخوان المسلمين وضم عددا من الشباب سيكون لبعضهم شان في السياسة التركية مثل تورغوت أوزال ولكن بعد ان غادروا التنظيم الذي ابتلعته الحياة السياسية التركية لتحيله شيئا اخر غير الشكل النمطي للإخوان المسلمين .
تولى رئاسة الحكومة عام ١٩٥٠ عدنان مندريس ذو التوجه اللبرالي الاسلامي زعيم الحزب الديمقراطي منتزعا السلطة لاول مرة من حزب اتاتورك : حزب الشعب الجمهوري ؛ أقر السماح برفع الاذان باللغة العربية بعد طول منع كما سمح بافتتاح المدارس الدينية الأهلية وجوبهت هذه الإجراءات بنوع من الريبة من قبل الدولة العميقة كما ازدادت نشاطات اليسار ، وفي عام ١٩٦٠ كان على مندريس صعود المشنقة لدفع ثمن خروجه على العلمانية ، او هكذا تم تبرير الامر ، وتولى الجيش السلطة ليواجه اليسار بقبضة حديدية . كان الجوار السوفيتي وحركة التصنيع السريعة قد شكلا عامل دفع قوي للأحزاب اليسارية حدّ بث القلق في نفوس الجنرالات وحلفاءهم فقرروا تولي زمام الامر واعدم رئيس الوزراء مندريس لقطع دابر اي توجه لبرالي لكن الشق الديني في سياساته استمر بل ان آلاف المساجد بنيت خلال حكم العسكر ؛ لقد اكتشفوا في الدين سلاحا سحريا في مواجهة اليسار ولم يكن هذا السلاح بحاجة الى جهد كبير كي يتم تفعيله فقد كان ينمو في قلب انقرة وبرعايتهاعلى يد دعاة الدولة وحلقات الذكر وكان ينتشر كما النار في الهشيم على يد الطبقة البرجوازية الجديدة في الأناضول . استفز اليسار وقوته المقرونة بقدر غير قليل من العنف والعمل السري كل مكنونات الروح العثمانية وايقظها ، وكانت الساحة السياسية في انتظار من يجسد هذه الروح . جسدت الدولة العميقة واليمين القومي روح الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة فيما جسد الاسلاميون روح سليم سلطان التنظيمات وَعَبَد الحميد الثاني وهما اكبر السلاطين الإصلاحيين وأكثرهم اثرا في التاريخ العثماني بعد سليمان العظيم ومحمد الفاتح وظهر مايسمى بتيار العثمانيين الجدد .
لست بصدد كتابة تاريخ تركيا بل استعراض اهم مفاصل حياة تيار الاسلام السياسي وخصوصياته في الساحة التركية التي آمنت له عوامل نمو ذات طبيعة خاصة تمكن من استيعابها والتعامل معها بمهارة وحنكة ظهرت نتائجها في قدرة رموزه وقياداته على التعامل مع المواقف السياسية المتغيرة بسرعة وبروح براغماتية عالية فاقت احيانا مهارة السياسيين في التيارات لأخرى الذين ضجّت بهم الساحة السياسية التركية .

في عام ١٩٧٠ دخل الساحة السياسية لاعب جديد هو نجم الدين أربكان مهندس محركات الديزل ومؤسس احد اكبر مصانع المحركات في تركيا . اتصف الرجل بالتنور بعد سنوات عاشها في ألمانيا كما فهم الوضع القائم في تركيا وحجم الزخم الذي يمتلكه الاسلام في الحياة العامة التركية . لم تكن أفكاره نسخة من فكر الاخوان المسلمين رغم لقاءاته المتكررة ببعض قياداتهم وخاصة الدكتور سعيد رمضان ؛ شرع أربكان منذ للحظة الاولى في بناء تجربة جديدة في الاسلام السياسي وهو اللعب في ساحة العلمانية وبموجب قوانين لعبتها باعتبار ان ماتوفره من فرص الوصول للسلطة هي أفضل من الوسائل التآمرية او الانقلابية فأسس حزب ( النظام الوطني ) كما ادرك ان الدين يتجاوز كونه ايديولوجيا صماء الى منهج في السياسة هدفه تحقيق المصالح .

كان الحزب الجديد مثار فزع لقوى الدولة العميقة رغم مشاركته المفتوحة في الانتخابات العامة وفوزه بمقعد عن ” قونية ” وكان ذلك يمثل كسرا لحاجز طالما حاولت الدولة العميقة والجيش فرضه على الحياة العامة في تركيا وتم حل الحزب قبل اتمامه سنة من عمره بقرار من المحكمة الدستورية اثر إنذار من قائد الجيش ؛ عاود أربكان تأسيس حزب جديد وهو ” حزب السلامة ” وفاز في انتخابات عام ١٩٧٤ بخمسين مقعدا في البرلمان وبذلك فرض نفسه شريكا في حكومة ائتلافية مع غريمه حزب اتاتورك ، حزب الشعب الجمهوري ؛ وكانت تلك الخطوة تدل على ان الرجل وتياره قد أتقنوا فن ” الكار السياسي التركي ” وتوجهاته القومية – العثمانية التي ستصبح خلال العقود اللاحقة التيار الكاسح في الشارع التركي . كان أربكان وراء قرار التدخل العسكري في قبرص كما بدات أولى بوادر سياسة الإسلاميين الشرق اوسطية بالتبلور والظهور بعد طول قطيعة مع شؤون المنطقة فنجح الحزب في تمرير قرار برلماني بحجب الثقة عن وزير الخارجية لاتهامه بالانحياز الى اسرائيل على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تمهيدا لفتح أبواب الاسواق العربية وخاصة الى الجنوب من تركيا امام الصادرات التركية التي بدات تبحث عن منافذ لم تعد المنافذ التقليدية تتسع لها .
شكل عام ١٩٨٠ مفترقا في مسيرة الاسلام السياسي وحظي باستفتاء شعبي غير رسمي في الشارع عندما نظم في صيف ١٩٨٠ مسيرة اعتبرت الأكبر في تاريخ تركيا ضد قرار ضم اسرائيل للقدس مما دعا الجيش الى التدخل مجددا وكان انقلاب “كنعان افرين ” الذي زجّ بعديد من السياسيين في السجن ومنهم أربكان .

لم تمض غير ثلاث سنوات من الحكم العسكري حتى استقر رأي الجيش على العودة الى نوع من التطبيع في الحياة العامة فوقع الاختيار على رجل التقت عنده جميع التوجهات السائدة على الساحة باستثناء اليسار الذي بدا نجمه بالأفول اثر الضربات التي تلقاها خلال السبعينات مع تصاعد المد السياسي الاسلامي متزامنا مع بدء دخول تركيا مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي وتحسن المستوى العام للدخل الامر الذي خفف من الاندفاع باتجاه اليسار . الرجل الذي ستحمل المرحلة اسمه هو تورغوت أوزال المهندس والخبير الاقتصادي والإسلامي المتنور ؛ لقد التقت في شخصية الرجل الصوفية المتدينة الملتزمة والمنخرطة في اطر حزبية إسلامية بعقلية متنورة جراء السنوات التي قضاها في الولايات المتحدة دارسا في جامعاتها ؛ لقد كان بالنسبة للجيش القاسم المشترك الذي بامكانه احتواء الإسلاميين والتقليل من تأثير قوى الدولة العميقة ذات العقلية المحافظة الى حد الجمود وعدم القدرة على استيعاب الوقائع الجديدة في تركيا ومحيطها .

كان على تركيا ان تختار سياساتها بعناية شديدة وسط جو مشحون في الإقليم بالنزاعات الطائفية ومغامرات التوسع الإسرائيلية فقام أوزال بتاسيس حزب ” الوطن الام ” وخاض به انتخابات العودة للحياة المدنية عام ١٩٨٣ ؛ كان الحزب الجديد الذي فاز بالانتخابات قادرًا على تشكيل الحكومة منفردا بعد ان ضم الى عضويته عددا من القيادات البارزة من حزب “السلامة الوطنية ” كما فاز بالانتخابات ثانية عام ١٩٨٧ وعاود تشكيل الحكومة برئاسته . ورغم ان أربكان خرج من السجن عام ١٩٨٣ وعاود الكرة بتشكيل حزب إسلامي جديد هو حزب ” الرفاه ” الا انه لم يستطع تحقيق نتائج ذات أهمية في الانتخابات العامة التي بدا بها أوزال عهده كرئيس للوزراء اذ سحب الأخير البساط من تحت الحركة الاسلامية التقليدية .

كان عهد أوزال مرحلة ذهبية في تاريخ الحركة الاسلامية ذات التوجه القومي العثماني ، حيث تمكن الاسلاميون من تأسيس صحفهم وأسسوا دورا للنشر ومحطات للإذاعة والتلفزيون تمولهم برجوازيات الأناضول الصاعدة وقطاع واسع من الطبقة الوسطى الآخذة بالنمو ، لكن الجيش ظل ملتزما بالهدوء لقناعته ان أوزال قادر على احتواء الموقف ، وفي واقع الحال فقد كان وجود أوزال وتوجهاته” الاسلامية – العلمانية” عاملا مهما حال دون فوز حزب السلامة الوطنية بما يكفي من الأصوات للمشاركة في الحكومة اذ كان أوزال هو الأقرب الى المزاج التركي العام مما قدم درساً للاسلاميين سيكون عاملا أساسيا في رسم قناعاتهم الفكرية وستراتيجية عملهم المستقبلي وأهمها التخلي عن القناعات الدينية المطلقة وأخذ المشاعر القومية بالاعتبار وهو الطابع الذي سيتغلب على الاتجاه العام داخل تيار الاسلام السياسي التركي ويؤدي بالتدريج الى فرز جناح الأغلبية من اتباع هذا التوجه بقيادات شابة مثل عبدالله غِل ورجب طيب اردوغان الذين انفصلوا في مرحلة لاحقة عن التيار الذي يمثله أربكان ليصبحوا فيما بعد رموز ماسيعرف بتيار العثمانيين الجدد الذين يشكلون امتدادا لنموذج أوزال في الحكم والسياسة وخاصة نموذجه الاسلامي – البراغماتي الذي زاوج القومية بالدِّين مما سيؤهلهم لحيازة ثقة المؤسسة العسكرية التي امتد التأثير الاسلامي الى داخلها وبالتالي سيكونوا قادرين على مواجهة “الدولة العميقة” بعد عزلها عن الجنرالات الموجودين في الخدمة الفعلية .
جوبهت سياسات أوزال بردود عنيفة من قبل القوى العلمانية التقليدية التي اعتبرت اتجاهاته الدينية خطرا على الاتاتوركية وانه ينحو باتجاه إقامة نظام إسلامي يتناقض مع المبادئ العلمانية الا ان أوزال مضى في طريقه بل تم انتخابه لمنصب رئاسة الجمهورية عام ١٩٩١ خاصة وان الجيش كان مرتاحا لأداء الحكومة وسياساتها التي آمنت نمواً كبيرا في الاقتصاد وهو ما انعكس إيجابيا على موازنة الدفاع بما يرضي المؤسسة العسكرية .

على صعيد السياسة الخارجية تحرك أوزال في اتجاهات جديدة نحو الشرق الأوسط وروسيا ؛ شاركت تركيا في عملية عاصفة الصحراء لاستعادة الكويت ، رغم معارضة أطراف عديدة ، حيث أوقفت تركيا تدفق النفط العراقي عبر أراضيها مما أفقدها عوائد مالية كبيرة كما سمح للطيران الامريكي والغربي باستخدام قاعدة ” انجرليك ” لتنفيذ العمليات العسكرية داخل العراق ولاحقا في فرض منطقة حظر للطيران شمال العراق ؛ شكل ذلك بالنسبة لازوال سبيلا لتوثيق الصِّلة مع العرب بشكل عام وخاصة الخليجيين كما قدّم تركيا باعتبارها طرفا مؤهلا للوساطة لحل النزاع العربي – الصهيوني كما سيسمح ذلك لتركيا للتحرك باتجاه توطيد العلاقات مع اسرائيل دون اثارة حفيظة الجيران العرب الذين انخرطوا في عملية مدريد للسلام كما ان نفوذ اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة سيؤمن لتركيا فرصاً لإحباط محاولات كانت تجري لاصدار تشريع من الكونغرس حول مذابح الأرمن ومطالب الأكراد الانفصالية كما سيقلل من اندفاع اسرائيل في القضيتين ؛ تم خلال زيارة قامت بها رئيسة الوزراء تانسو تشيللر عام ١٩٩٤ الى اسرائيل عقد مجموعة من آلاتفاقيات الاقتصادية والثقافية والعسكرية والاستخبارية وبانت ثمارها في تصاعد حجم العلاقات التجارية والاهم من ذلك كان لتعاون الموساد الاسرائيلي دورا هاما في إلقاء القبض على زعيم حزب الPKK عبدالله اوجلان في كينيا عام ١٩٩٨.
منذ منتصف الثمانينات اتجهت أنظار أوزال نحو الاتحاد السوفيتي وتضاعف حجم التبادل التجاري منذ منتصف الثمانينات عدة مرات ؛ اما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فقد فتحت أبواب إضافية لتوسيع العلاقات لتبلغ عشرات مليارات الدولارات كما انضم الطرفان لعدد من منظمات التعاون الاقليمي مثل منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود وألغيت تأشيرات الدخول بين روسيا وتركيا وأخذت العلاقات طابعا راسخاً وسيعمل ورثة أوزال على تعزيزها خلال الألفية الجديدة .
كانت مرحلة حكم أوزال مدرسةً خرّجت جيلا جديدا من السياسيين الإسلاميين الذين اعتبروا العلمانية عالماً قابلاً لجمع ماقد اعتبره الكثيرون متناقضات لايمكن جمعها مثل الاسلام السياسي والقومية كما أرساها اتاتورك . بل اعتبرت دراسة نشرتها مجلة “فورين افيرز ” عام ٢٠٠٧؟تحت عنوان ” تركيا تكتشف الشرق الأوسط ” ان جيل السياسيين هؤلاء تمكنوا من استثمار القومية الصاعدة من خلال تطعيمها بالإسلام وان تغييرات جذرية طرأت على المجتمع التركي اذ حلت محل النخبة التي اسلمت وجهها نحو الغرب بعد الحرب العالمية الثانية بنخبة جديدة اكثر محافظةً وأكثر تديناً وأكثر قوميةً وانها تتشكك في نوايا الغرب وتتخذ موقفاً اكثر ايجابيةً من الماضي العثماني .

تعلم هؤلاء السياسيون الجدد ان الامم تسعى خلف مصالحها وان الدين هدفه تقديم المصالح ودرءُ المفاسد .

لايمكن تكوين فكرة كاملة وصحيحة عن موقع الدين في الحياة العامة التركية اوائل الألفية دون الانتباه الى واقع التدين الطوعي وموقف الأتراك منه بشكل عام ؛ في دراسة اجريت عن هذا الموضوع اتضح من نتائجها ان ٢٥٪‏ من الأتراك متدينون ملتزمون بالممارسة المنتظمة للعبادات الاسلامية . وهنالك ١٢.٥٪‏ لايمارسون آية عبادات فيما يمارس البقية من الأتراك شكلا من أشكال العبادات : ٨٤٪‏ يؤدون صلاة الجمعة ، ٩١٪‏,يصومون رمضان ، ٦٠٪‏ يخرجون الزكاة عن ممتلكاتهم ، ٧١٪‏ يرغبون باداء فريضة الحج ، اما الذين لايمارسون آية عبادات ويقومون بارتكاب مخالفات دينية مثل شرب الخمر او عدم لَبْس الحجاب فانهم يعتبرون أنفسهم مسلمين مقصرين ولكنهم يصرون على كونهم مسلمين . كما يعرب معظم الأتراك عن احترامهم للعقائد الدينية الاخرى وحق الآخرين في ممارسة طقوسهم الدينية بحرية كاملة .

كان النصف الثاني من التسعينات المرحلة النهائية لاختيار التوجهات العثمانية الجديدة في الحياة العامة التركية والتي سيتم تكريسها بشكل نهائي لتتضائل ادوار الحركات اليمينية واليسارية التقليدية التي عشعشت في تركيا دون ان يدرك قادتها ان البلاد تقف فكريا واجتماعيا على مفترق طرق حاسم سياخذ تركيا نحو آفاقٍ جديدة وستفرز المرحلة اللاحقة نخبا وقيادات جدية بدات بشائرها منذ عهد أوزال .حيث بدات تظهر على الساحة السياسية شخصيات جديدة محسوبة على التيار الاسلامي لكنها تحمل خطاباً غير تقليدي . من هذه الشخصيات رجب طيب اردوغان الذي رشح لانتخابات البلدية في بلدية ” باي اوغلو ” عام ١٩٨٩ لكنه خسر الانتخابات ، ورغم ذلك كان لخطابه الجماهيري وحيويته الشخصية تأثيرها في الجمهور فجرب حظه ثانية في انتخابات بلدية اسطنبول عام ١٩٩٤ وفاز فيها ؛ كما ان حزب أربكان الجديد ” الرفاه ” فاز باصوات كافية أهلته للفوز بعدد كبير من المقاعد البرلمانية وقام في تجربة فريدة في تاريخ الاسلام السياسي التركي برئاسة الحكومة مؤتلفاً مع تانسو تشيللر (التي خلفت أوزال الذي توفي عام ١٩٩٣ ) زعيمة حزب الوطن الام . كانت هذه الحكومة هي التجربة التي قادت الى فرز الإسلاميين الجدد غير التقليديين بعد خلاف مع القائد التاريخي أربكان الذي رأوْا ان أفكاره لم تعد تناسب نسيج الحياة السياسية التركية . جاء ذلك بعد ان شرع أربكان في عدد من السياسات التي اتسمت بنوع من الحديّة وخاصة مايتعلق بالعلاقات مع اسرائيل التي يعتبرها الجيش حيوية لأمن تركيا وخاصة مايتعلق منها بالملف الكردي وقادت هذه السياسات الى استفزاز الجيش من جهة واعتراض عدد من قيادات الحزب التي كانت تتجنب استفزاز الجيش كما اضطر أربكان للاستقالة من رئاسة الحكومة بعد تجربة قصيرة غير موفقة ثم دخل السجن بتهمة غير سياسية رغم القناعة بعكس ذلك .
في عام ٢٠٠١ تم تأسيس حزب ” العدالة والتنمية ” من عدد من قيادات الإسلاميين واخرين من غير الإسلاميين بزعامة عبدالله غِل و رجب طيب اردوغان في حركة انشقاق على التيار الاسلامي القديم .

لقد شهدت فترة الألفية الجديدة تحولا جوهريا في اتجاهات السياسة الخارجية التركية وهي ، خلافا لما يعتقده البعض ، ليست ثمرة لأسلمة السياسة الخارجية التركية بالمعنى المتداول للكلمة ، وإنما نتيجة تقدير صائب للتغير العام في البيئة الاقليمية وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة مثل تصاعد النزعة الكردية نحو الاستقلال ، تنامي العنف الطائفي في المنطقة ككل وتنامي الدور الاقليمي للاعبين غبر الحكوميين مثل التنظيمات الإرهابية والطائفية مثل داعش وقبلها القاعدة بفروعها الشرق اوسطية وحزب الله ومؤخرا المليشيات الطائفية في العراق . كما تعلم السياسيون الجدد من التيار العثماني الجديد أصول اللعبة السياسية في الداخل فقام حزب العدالة والتنمية بخوض انتخابات ٢٠٠٢ التشريعية وحصد ٣٦٣ مقعدا مما اهّله لتشكيل الحكومة التي رأسها عبدالله غِل وبعد بضعة اشهر تولى رئاستها رجب طيب اردوغان بعد تسوية وضعه القانوني حيث قضى فترة في السجن عام ١٩٩٨ .
بعد تولي اردوغان رئاسة الحكومة عمل على تأمين الاستقرار السياسي والاجتماعي خاصة وان التيارات السياسية الاخرى ونعني تحديدا اليمين المحافظ واليسار قد تراجعت شعبيتها الى حد كبير مع دخول اللاعبين الجدد للساحة السياسية وبخطابهم الشعبي المتناغم مع روح العثمانية التي بدات تعود للحياة بقوة في الشارع مع تنامي قدرات تركيا الاقتصادية وتصاعد أهمية دورها الاقليمي والدولي بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة . تمكن اردوغان من عقد مصالحات داخلية مع الأرمن وفتح جسورا للتعاون مع محيطه الاقليمي المباشر وتم رفع تأشيرات الدخول ورفع الحواجز الكركية مع عدد من دول المنطقة بما يؤمن سهولة انسياب السلع والأشخاص كما اختيرت اسطنبول عاصمة للثقافة الأوربية عام ٢٠٠٩ ، ورغم القناعة بان دخول الاتحاد الأوربي سيواجه عقبات كأداء الا ان استمرار الضغط التركي طلبا للانضمام اضطر الاتحاد الى فتح باب المفاوضات وفي نفس الوقت تم منح تركيا معاملة تفضيلية في العديد من المجالات كما قد تحظى بفرصة عضوية فضاء شينغن .

يصعب تقييم السياسة التركية خلال الألفية في سياق مقالة الا انه من الواضح ان تركيا اصبحت تتبوأ مكانة دولية مرموقة وقد اصبحت الدولة السادسة عشر من حيث الترتيب في إطار مجموعة العشرين الاقتصادية ؛ كما واجهت تحديات عديدة ابرزها الزوبعة التي أخذت تعصف بالإقليم منذ ٢٠١٠ والسياسة الامريكية المراوغة والمترددة

والتي دفعت الكثير من دول المنطقة للتورط في مواقف لم تكن ترغب ان تكون فيها لولا التلاعب الامريكي غير المفهوم ؛ يبدو ان الأتراك فهموا مؤخرا الموقف بشكله الصحيح لذلك تراجعوا خطوة الى الوراء وأعادوا الحياة مجددا لعلاقاتهم مع روسيا بالضد من التوجه المتشدد للموقف الغربي والتي عبرت عنها قرارات الناتو الاخيرة بنشر قوات غربية وامريكية في النطاق الأوربي ودوّل البلطيق لاحتواء آية تحركات روسية قادمة على غرار ماحصل في اوكارانيا ؛ باشر الأتراك كذلك مفاوضات مع اسرائيل وحصلوا على اعتذار اسرائيلي وتعويضات عن ضحايا أسطول الحرية كما أفلحوا في إقناع الإسرائيليين لفتح الباب امام امكانية تزويد غزة باحتياجاتها الانسانية وهو اتفاق يعتقد المراقبون انه سيكون عرضة للنقض بسرعة لو حصل اي اعتداء اسرائيلي مجددا ضد قطاع غزة ؛ وخلال الأيام القليلة الماضية أعرب رئيس الوزراء التركي عن رغبة تركيا في تحسين العلاقات مع كل من سوريا ومصر .

لقد تعلم اردوغان ، كما سابقوه ، عقد التحالفات من اجل ترصين موقفه السياسي الداخلي . في الفترة الاخيرة عقد تحالفا شخصيا مع قائد الجيش الذي كان الشاهد على زواج ابنته واعتبر المراقبون ذلك مؤشرا على موقف المؤسسة العسكرية الإيجابي منه والتي تشكل القوة الوحيدة القادرة على مواجهته ، اضافة لذلك ووفقا لجريدة نيو يورك تايمس ، التي تشن على اردوغان حملة شعواء في الآونة الاخيرة بسبب الأكراد وبتحريض إسرائيلي ، فانه تمكن من اعادة تحشيد التيار الوطني المتشدد من حوله الامر الذي أمن له امكانية تكرار النجاح في الانتخابات مرة تلو المرة . هنالك بلا شك بعض التباطؤ في الأداء العام للاقتصاد لكن ذلك لإيقع ضمن مسؤولية الأداء الحكومي بل هو انعكاس للوضع الاقتصادي العالمي وآثار الحرب على الاٍرهاب لكن الصورة العامة للاقتصاد ليست سيئة الى حد يثير القلق او يؤثر بشكل ملموس على الحياة اليومية للمواطنين ، خاصة وان الموقف الاقتصادي الدولي لتركيا مريح جدا ولاتثقلها الديون الخارجية ويتجاوز احتياطها من النقد املأجنبي ٣٥٠ مليار دولار .

يبقى القلق التركي الأساسي هو التلاعب الامريكي والغربي بورقة الأكراد اذ يحظى الجناح المتطرف من الحركة الكردية والمتمثل بحزب العمال الكردي بزعامة اوجلان والتنظيمات المتفرعة عنه في سورياخاصة بدعم أمريكي رغم تصنيفه منظمة ارهابية بحجة كونه القوة الفاعلة الوحيدة لمواجهة داعش غير ان للاتراك رأي اخر وقد جاءت تحركاتهم الاخيرة تجاه روسيا وإسرائيل وسوريا لمعالجة هذا الموضوع وعدم انتظار الثمار المسمومة للسياسة الامريكية .

الاسلام السياسي التركي علمانية مؤسلمة وفق حقائق الحياة التركية ومتطلباتها وقد اثبتت العلمانية المتطرفة فشلها حتى في اكثر بلدان العالم تمسكا بها ونعني هنا فرنسا فابتدع لنا السيد ساركوزي” العلمانية الإيجابية ” التي تدعو الى المصالحة مع الدين … الدين يفرض نفسه على مدى ثلاثة عقود حتى الان على الساحة السياسية داخل وخارج الدول في مختلف أنحاء العالم ، واصبح قوة فاعلة في نسيج العلاقات الدولية ويعود ذلك الى افلاس الفكر الفلسفي المادي خاصة بعد انهيار المنظومة الشيوعية أواخر ثمانينات القرن الماضي .

المقال السابقالارهاب
المقال التالىالوجه الآخر لبريطانيا “الأوروبية”؟؟
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar غسان العسافي

    استاذي العزيز. دراسة رائعة. احسنت. احسنت.

اترك رد