كلنا طائفيون، وجميعنا أوجع الوطن..!


 
كلنا طائفيون، وجميعنا أوجع الوطن..!

أغلبنا يلبس ربطات العنق الأنيقة، نرش العطور الفارهة، نقود سيارات حديثة، نستمع إلى الأغاني الفرنسية الرومانسية، ندّور اسطوانة لموسيقى هادئة، نغازل النساء الجميلات، نحرك لهن نواعير الدلال. نكتب الأشعار الرقيقة، ونكتب عن الحب حروف مذهلة يرتعش لها الخيال، وتخطف أبصار المجاز؛ لكننا في الحقيقة نحن كاذبون. ما تزال تحركنا النعرات القبلية وأعرافها. نحن لا نكتشف أننا قبليون إلا حين يتعلق الأمر بنا شخصياً بعائلتنا أو بعشيرتنا، حينها نتلمس كم نحن متعصبون ولا ندري. رغم كل تلك الشفافية وأناقة التعامل الظاهري والكلمات المنمقة التي نقولها أو نكتبها. نحن طائفيون وإن ادعينا عكس ذلك. مجرد أن تقول: أنا لدي اصدقاء من كل الطوائف تلك نعرة طائفية؛ لأنك ارتضيت لعقلك أن يقسم البشر إلى طوائف وأعلنت دون أن تشعر بأنك من طائفة ليست بطائفتهم. فالأجدر بك أن تقول بأن الجيمع ينتمون إلى عالمي الإنساني دون تمييز أو توصيف وإن كان توصيفك جميل المعاني. ألا تلاخظ بأن بعد كل انفجار يحدث في منطقة تقطنها إحدى الأديان أو الطوائف، تتكشف الوجوه الحقيقية وتسقط الكلمات الشفافة وشعارات المحبة والتآخي، ويبدأ اللعن والشتائم ونبش قبور الأولين. لأننا لا نتعامل بشكل إنساني صادق، لأننا تربينا على العنصرية والطائفية فمن الصعب أن نخمدها بالثقافة والمعرفة والانصهار الإنساني المطلق.

في حالة الهدوء والسلم، تجدنا نكتب عن التعايش الإنساني، ويكون مرده إما أن ننال الإعجاب ممن يلتفون من حولنا، وإما أن نموه ونخفي حقيقة ما بداخلنا من عنصرية وكراهية لآخر الذي هو لا ينتمي إلى طائفتنا أو لا يؤمن بما علمونا أجدادنا أن نؤمن به؛ سواء كان الذي تعلمناه هو الصواب أم خطأ. نحن نأخذ معتقداتنا بالتلقين لا باليقين. حين تكون هناك عقائد ظاهرية وعقائد باطنية لن ننجو من آفة الفتنة وسنظل كما نحن طائفيون إلى يوم يبعثون. بماذا تنفع الشهادات العليا، والمكانات الأدبية حين لا تنهي ما بداخلنا من عنصرية ونظرة طائفية. إذن، هي مجرد شكليات وإطارات اجتماعية كاذبة لا قيمة لها في قاموس الإنسانية. ما نزال في جهلنا وتخلفنا طالما أننا حتى اللحظة وكبار مثقفينا وأدبائنا يصفون ما يحدث على الوطن على أنها طائفية. هذا يصرخ ويشتم طائفة والآخر يرد بشتائم أشد ألماً وسفاهة من الأول. شعارات وعبارات ولافتات براقة كلها تقول لا للطائفية لكن الطائفية تسكننا وتعشعش فينا. بكل غباء نصغي إلى الفتاوى من بعض الدعاة الآفاقين والمرتزقة، ونعمل بما يفتون حتى وإن كانت الفتوى نحر الإنسان لأخيه الإنسان. أو تفجير دور العبادة جراء الأفكار المسمومة التي يدسونها في رغيف عقولنا الفارغة. القيادات العليا للدولة التي تدعي حماية الشعب تعيش في قصور وقناطير مقنطرة لا يأتيهم القتل ولا يطالهم الجوع ولا العطش، والسفهاء والمساكين هم الذين يدفعون الثمن ويعيشون في ويلات الطائفية.

لو تأملنا بحكمة أكبر، وبحثنا عن المستفيد من كل هذه التفجيرات وتلك الفتن الطائفية؛ حتماً سوف نكتشف بأن السياسيون ورجال الدين الفاسدين هم المستفيدون من كل ما يجري. كلما طال عمر الفتنة كلما جنوا الاموال والثراء الفاحش، أما على شكل تبرعات أو مساعدات إنسانية جميعها يصب في أرصدتهم في خارج الوطن، لم يعد هذا يخفى على أحد؛ لكننا مغيبون فكرياً ونعيش على أوهام عقائد وأعراف وتعاليم دينية ليس لها مصدر من الصحة.

أيها السواد الأعظم، أيها الشعب المغلوب على أمره، أيها المحروق بيتك، والمقتول ابنك، والمشرد أخوك، واللاجئة ابنتك. افتحوا عقولكم أكثر وتدبروا ما يحدث بشكل أعمق ولا تصغوا إلى ما يدّعون لكم فهم كاذبون، منافقون، يتسلقون على أكتافنا ويجعلون من الطائفية ذريعة لبقائهم أطول. لننته من لفظ طائفة، لننته من التمييز والتقسيم وتجزأة الوطن إلى أقاليم ومذاهب وعرقيات. صلوا كما تشاؤون واعبدوا الله أو اعبدوا الشمس كما ترغبون وتحبون، لكم دينكم ولهم دينهم. اجلسوا في دور عباداتكم ومارسوا طقوسكم ولا ترغموا أحد على اعتناق ما تعتقون أنتم ولا تنظروا إلى من هم ليسوا من عقيدتكم على أنهم كفار ويستحقون القتل وحرق بيوتهم ودور عباداتهم. لم يكلف الله أحد بالوكالة ولا الإنابة عنه بمحاكمة البشر، لم يعطِ الله أي عشيرة دون آخرى أو دين دون آخر، أو طائفة لا غيرها صكوك الجنة. لم يكلف الله إنساناً دون سواه بالقصاص عنه. تحرروا من عبودية كهنة الدين، وفتاواهم التي ليس فيها إلا الضلال. اكسروا قيود انقيادكم لأفكار زعيم يقول مالا يفعل، كيف يكون هذا الزعيم منكم وهو لا يأكل ما تأكلون ولا يعيش كما تعيشون، حرس ووفود تمشي خلف موك موكبه، ملابسه من حرير وزبرجد، ومخدعه من ديباج ووسائده من ريش نعام. كيف يحقق لكم هذا الزعيم أحلامكم ويعطيكم الحرية وهو يسعى إلى جعلكم كالأنعام وأظل سبيلا لتظلوا عبيد تحت سلطانه؟ هل أنتم مجانين لتصدقوا بأن الذين يفجرون شوارعكم ومناطقكم هو أناس مثلكم لهم قلوب طيبة وعواطف إنسانية؟ لماذا تشيرون بإصبع الاتهام إلى الطائفة الفلانية وتعمموا الكراهية لجميع من ينتمي إليها وهم براء منها ومساكين مثلكم يبحثون عن لقمة الخبز والعيش في أمان. هناك من ينتج الإرهاب ويغذيه وينشره في البلاد ليأتي فيما بعد ليدعي محاربته، إنه زمن الفتنة الأعظم وتحريك رماد الطائفية ليجعلوا الناس ينحرون بعضهم البعض وهم يتفرغون للنهب والسلب وتهريب الثروات إلى الخارج.

داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية، لا دين ولا عقيدة لهم، ولا يعرفون أي شيء عن أي مذهب من المذاهب المتناحرة فيما بينها. هم تكلفوا بمهمة إثارة النعرات واشعال المنطقة وحين تنتهي مهمتهم يغاردون إلى وقت معلوم ومن ثم يعودوا بمسمى جديد وهيئة مختلفة. تكاتفوا مع بعضكم لا مع القادة والزعماء الكاذبون، احموا ظهور بعضكم بالحب ولا تنتظروا من هؤلاء لكم حماية. أحبوا بعضكم أيها المتناحرون وانتهوا من المسميات والعبارات وأوهام التاريخ التي حقنوها برؤوسنا وصدقناها إلى درجة اليقين وجعلونا نصدق بأن قتل الإنسان للإنسان هو الطريق إلى الجنة. إن كانت الجنة هي غايتكم فالجنة لا تقبل من يداه ملطختان بالدماء. إن المحبة هي الجنة وخلق الإنسان ولم يختر هو دينه ولا طائفته ولا مذهبه. خلق الإنسان إنساناً ويظل الإنسان جوهر الحياة وغايتها فمن قتل إنساناً فكأنما قتل الإنسانية كلها. افعلوا ما تقولون، وتعاملوا مع الآخر كما تكتبون، ولا تكونوا بوجهين ولسانين ولا تكونوا شفافون وأنتم بداخلكم طائفيون. وتأكدوا بأننا جميعنا دون أن ندري وبدون قصد قتلنا بعضنا وأحرقنا الوطن.

لا تعليقات

اترك رد