إخفاق التيارين العلماني والديني في العالم العربي – ج١


 
إخفاق التيارين العلماني والديني في العالم العربي - ج١

بعد أن تطرقت لموضوع الثورة الثقافية العربية المرتقبة داخل المجتمع العربي، أود تحليل أسباب إخفاق المشروعين العلماني والديني في قيادة المجتمع العربي تحو تحقيق استقرار مستمر وتحقيق العدالة الإجتماعية المنشودة.

فالعلمانية كمشروع لم تستطع بناء منظومة فكرية مستقلة عن التأثير الغربي، منظومة قادرة على إنتاج وصياغة عوامل قيام نظام سياسي مستقل عن النظام الغربي. هته المنظومة كانت قاصرة على استلهام نماذج الحكم التي سادت في الوطن العربي قبل ذلك.
تعاطي مفكري تيار علمنة المجتمع العربي للأفكار والمفاهيم الغربية والمبادئ السياسية المستوردة لبناء مجتمع عربي حديث أدى إلى تكريس السلطة السياسية وليس السلطة الثقافية، أي تم تداول الأفكار سياسيا ولم يتم تمحيصها ثقافيا.

ما يحسب لرواد هذا التيار أنهم نجحوا في الماضي إلى حد كبير في إحداث علاقة تعايش بين العلم والدين والتي ساهمت بشكل كبير في تلك المرحلة من صمود الذات العربية أمام الأفكار الجديدة ومنع انحلالها وتناقضاتها. فكان هذا التعايش بين العلم والدين هو الضامن الوحيد لاستمرار وجود ثقافة عربية واستقرار المجتمع ليستطيع استيعاب مفاهيم الحضارة الحديثة والتعامل والتعايش معها بشكل جدي وإيجابي.

كما أن الارتماء في أحضان المفاهيم الغربية لم يكن السبب الوحيد في إخفاق تيار العلمانيين بل أيضا أزمة وقصور مشروعهم لبناء الدولة الحديثة. الذي شابه خلل كبير في الرؤية السياسية والثقافية للمجتمع المراد قيامه.

كما حطمت نخبة العلمانيون أمال شريحة واسعة من أبناء المجتمع العربي الذين ناضلوا من أجل الإستقلال وصادرت أحلامهم في بناء دولة وطنية قادرة على استيعاب كل شرائح المجتمع. احتكرت هذه النخبة مركزية القرار وانفصلت عن القاعدة الجماهيرية فقط لأنه تم تأهيل هته النخبة مسبقا لاستلام السلطة.

وبذلك حكم على المشروع منذ البداية بالفشل لأنه تعمد إحداث شرخ كبير بين التسلط المؤسساتي الأعلى الممثل بنخبة العلمانيين والمجتمع المدني. فالعلاقة لم تكن شرعية لأنها بنيت خارج إطار الشرعية الشعبية.

دفعت رغبة العلمانيين لإخراج الدين من المشهد السياسي إلى إقصاء الجماهير العربية من الممارسة السياسية ومن المشاركة في السلطة، لتكرس وجود نخبة حديثة التكوين مرتبطة ارتباطا مباشرا بالغرب.

وبذلك تفشل النخبة الجديدة في بناء ثقافة جديدة تنصهر فيها جميع النظم الثقافية الموجودة، ونجحوا في تدميرها لأنهم لم يفلحوا في تعميم الأفكار والمعارف العلمية على كافة أبناء المجتمع بل اقتصروا على طبقة إجتماعية معينة. وبذلك عوض أن يحدث إجماع ثقافي حصل انقسام ثقافي بين عصرانية علمية وتقليدية دينية اعتبروها هامشية، مما أدى إلى تعارض بين ثقافة النخبة الحاكمة وثقافة الأغلبية المجتمعية.

النتيجة كانت أزمة في الهوية الثقافية بين التيارين المتصارعين. الأول مشروع شكلي هش لا يأخذ من الغرب إلا السطحيات والتيار الأخر فضل الإنغلاق الفكري على الثقافة التقليدية دفاعا عن نفسه وعن موروثه.
يتبع الجزء الثاني…

لا تعليقات

اترك رد