الحداثة العربية المعاصرة بين الشكل والمضمون

 
الصدى - الحداثة العربية
وراء القضبان - ادهم اسماعيل - التراث العربي

الحداثة العربية المعاصرة بين الشكل والمضمون

مضى علينا زمن طويل ونحن نطرح –نخباً ومفكرين وأكاديميين وأحزاب وتيارات- إشكاليات بناء دولة المواطنة والقانون، ودولة الحداثة المدنية المؤسساتية في عالمنا العربي والإسلامي، ونبحث في أسباب بقاء بلداننا ومجتمعاتنا العربية قابعة في سجون التخلف الفكري والاستبداد السياسي والتأخر الاقتصادي..

ويمكن القول بكل تأكيد أننا وحتى اللحظة لم ننجح إطلاقاً -بالرغم من تشخيص الداء، ووجود مظاهر للحداثة شكلية الطابع والعناوين- في بناء ولو نموذج واحد متماسك ومعياري، لدولة أو لمجتمع عربي مدني حديث تكون فيه المواطنة أساس الانتماء والعمل، وليس الدين أو المذهب أو الطائفة أو العشيرة أو القومية.. كما لم نتمكن من استثمار نجاحات دول وحضارات أخرى مزدهرة في عالمنا المعاصر، سوى في نقل أشكال ومظاهر وأنماط “حداثية” استهلاكية من دون مضامينها المعرفية الفلسفية تحت ذرائع وحجج واهية من اختلاف السياقات والمناخات الحضارية بيننا وبين الآخرين، وكأنهم ليسوا بشراً مثلنا، أو كأننا لا نتفق معهم في قيم إنسانية واحدة مشتركة يشعر (ويؤمن) بها، ويدافع عنها كل إنسان عاقل سوي الفطرة والتفكير على هذه البسيطة كالحرية والعدالة والمساواة وإحقاق الحقوق.. ووالخ..

على هذا المنوال يمكن أن نسأل:
هل مطلوب دائماً أخذ الدروس والعبر والاقتداء والتأسي بتجربة التنوير والحداثة الغربية من حيث الإجمال العام والملامسة الخارجية الشكلية من دون الدخول في طبيعة البنية المفاهيمية الفلسفية الذاتية والأسس العقلانية والعلمية والإنسانية والمناخ الفكري الموضوعي الذي أسهم في إيجادها وإفرازها وتحوُّلها لأمر واقع؟..
أم أن المطلوب الاندماج في التفاصيل والاستغراق الكامل –وليس فقط الاستفادة- في عمق تجربة الحداثة الأوروبية بما فيها من أفكار وقيم وتجارب، ووعيها ذاتياً وموضوعياً؟!..

ثم هل تتناسب معايير ومحددات حداثة الغرب مع طبيعة المناخات التاريخية القائمة والأجواء المجتمعية والقيم والأنماط الثقافية والمفاهيمية السائدة حالياً في بلادنا العربية حتى اليوم، مع ما هو موجود في معطيات ومفاهيم تلك الحداثة من بنى معرفية وفلسفية قد تتناقض (أو على الأقل لا تتفق) في العمق مع طبيعة تلك الأفكار والبنى المعرفية الدينية التقليدية التي ما تزال مسيطرة على العقول والأفئدة، وتشكل بنية صلبة راسخة في تربة مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟..
ثم ما هي معايير هذه الحداثة التي نجحت نجاحاً مذهلاً في نقل المجتمعات الغربية والإنسانية عموماً من واقع الجهل المركب والاستبداد والظلم والتخلف المقيم المزمن إلى واقع الحريات والانفتاح السياسي، وعوالم التقنية العلمية المذهلة؟!.

من المعروف أن الحداثة -ومختلف الاتجاهات التنويرية في العالم الغربي- ظهرت إلى الوجود في داخل سياق ومناخ ثقافي وتاريخي مؤطر ومحدد بسياق تجربة مجتمعية انطلقت مفاعيلها من خلال عصر التنوير الذي ساهم في صياغة أفكاره ومعارفه نخبة من الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين ممن أطلقوا نهر الحداثة الجارف، وأعادوا تأسيس العقل البشري على معطيات وركائز عقلانية علمية إنسانية جديدة، بعد أن حسمت تلك النخبة لصالحها نتائج معركة المواجهة العنيفة التي حصلت بين أنماط ومحددات الفكر والمعرفة التقليدية اليقينية الثابتة السائدة وبين ثورة العقل البشري الذي انتفض منفجراً في وجه التقاليد الرثة واستعصاءات الكنيسة، على واقع الجمود الديني القروسطي التقليدي، كما كان من أهم وأبرز تجليات وتمظهرات ذلك المناخ العملية هو وجود علاقة قوية وشبه العضوية بين الواقع المتغير المتحول، وبين النص الثابت المتصلب الخاص باللاهوت الديني المسيحي، وكأنهما حالة متلازمة على مستوى الفكر الديني والفلسفي..

وهكذا استمرت تلك العلاقة المتوترة والعنيفة التي امتلك “اكليروس الكنيسة” فيها –منذ البداية- مواقع راسخة وقوية لرفضها ومحاولة إسقاطها في مهدها قبل أن تفعل فعلها في منع اشتعال روح التغيير.. وقد كان من الطبيعي أن تميل الكفة لصالح هذا “الاكليروس” حيث كان الإقطاع الديني المسيحي في أوروبا يحظى بكثير من الإمكانيات المادية ومواقع القوة المعنوية، نذكر منها:
– التمتع بغطاء سماوي مقدس، بكل ما يختزنه من نصوص وأفكار وقيم مقدسة مهيمنة على عقول ومشاعر وسلوكيات الناس الذاتية والموضوعية في طبيعة تفكيرهم وقناعاتهم وأكلهم وشربهم وملبسهم ومعيشتهم ومجمل تصرفاتهم.
– ارتباط المنظومة الدينية بشبكة واسعة من العلاقات المصلحية النفعية مع قطاع واسع من المواقع الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة والنافذة في الحياة الاقتصادية والمعيشية للناس مما كان يستتبع ولاءً شبه مطلق منهم للعقيدة والدين والمذهب..
– وجود دعم مادي ومعنوي لا محدود من قبل السلطات الزمنية الحاكمة لممثلي الدين، شكل لاحقاً نوعاً من التحالف المتين بين جهتين، رجال المؤسسة الدينية، والملوك والقادة والأمراء الإقطاعيين..

وهكذا بقيت واستمرت تلك المواجهات والصراعات (بين الناس والعلماء) لقرون عديدة، كلفت المجتمعات الغربية عشرات الآلاف من الضحايا والأبرياء الذين سقطوا على طريق العقل والتفكير والعلم.. حتى تمكنت أفكار الحداثة والتنوير المستندة إلى حرية التفكير البشري وحده من أخذ موضعها في بنية التفكير والحضارة الغربية، ومن أن تثبت وجودها وتمارس دورها على صعيد تطورات العلم والمعرفة العلمية والتقنية ومجمل الاختراعات والاكتشافات في كل مجالات الحياة البشرية، لتعلن عملياً عن انتصارها الحاسم على خطرين داهمين كانا دائمين ومؤثرين بصورة سلبية على تطور وسيرورة الحداثة الغربية، هما:
– خطر وعبء أفكار الدين الخرافية ومعارف الكنيسة القروسطية الرثة والبالية التي كانت تدفع الناس عن المعطى الديني باعتباره رسالة محبة ووئام وسلام داخلي، وتدخلهم في مواجهات خاسرة لا طائل منها مع العلم والعقل والتفكير والبحث والتطور…
– خطر الممالك والنظم الزمنية السلطويّة (ذات العلاقة مع شبكات مصالح وولاءات ونظام طاعة عمياء) المتصلة عضوياً بدعم الكنيسة.. بما يعني أن هناك خطراً حقيقياً من الاستبداد الديني والمجتمعي، وتوظيف واستغلال الدّين ومفاهيمه، ورسالته، وأخلاقياته، في مضمار السياسة والألاعيب السياسية.

وقد أضحت أوروبا والغرب عموماً –بعد سيادة قيم العلمنة والعلم والعقل، وإجراء فصل نهائي بين الجانب العقائدي الديني والجانب الحياتي الدنيوي العملي- نموذجاً لسيادة قيم الحداثة العلمية والتنوير الفكري والمجتمعي التي أفرزت واقعاً حضارياً مدنياً متجدداً ومتطوراً، قاعدته العلم والعقل ونسبية الأخلاق والقيم، وثقافة الحوار والتسامح والمشتركات الإنسانية، وقمته التطور والازدهار والسعي إلى تحقيق رفاه الإنسان وسعادته، ومحاولة إقامة جنة له على الأرض بعيداً عن صكوك غفران رجالات الدين ووعاظ السلاطين.. وقبل ذلك أن تكون هذه القاعدة الحضارية الإنسانية (وما فيها من الحداثة الفكرية والتنوير العقلي) هي الثقافة الإنسانية القادرة على مواجهة أي حالة يمكن أن تجرد الإنسان من قيمته وتجعله مشيّئاً (بمعنى أن قيمته تكمن فيما يمتلكه من أدوات ووسائل وأشياء)، وتجعله رهناً للأهواء والنزعات والقيم الاستهلاكية الفارغة والخالية من أية مضامين فكرية رصينة.

وإذا كان الغرب قد بنى نهضته الحديثة على العقل والعلم، وانطلق من خلال الطبقة الليبرالية التي تكونت خلال مخاضات عسيرة، لتبني وتحمل قيم مشروعها الليبرالي القائم على الحريات العامة وخاصةً حرية التعبير والحريات الاقتصادية وغيرها.. فإننا نعيد نسأل:
أين العرب والمسلمون من ذلك كله، بعد أن أضحى مشروع الحداثة الغربية -الذي جاء من خلال عصر الأنوار في القرن الثامن عشر- مشروعاً عالمياً شاملاً بقيم كونية مشتركة؟
هل استفادوا عملياً من قيم تلك النهضة التي شملت جميع مواقع الحياة، وقدمت مكتسبات حية ساهمت في تطور الناس وتعزيز قدرة الإنسان على العيش بنجاح وقوة وسعادة في الحياة؟
وهل تمكنوا من بناء مجتمعات إنسانية متطورة ومزدهرة في بلدانهم؟ وما هو موقع وموضع الإنسان والعقل الإنساني فيها؟!!..
سؤال إشكالي كبير، دونه، فعلٌ عظيم، وعمل كبير، لا أعتقد أنّ واقعنا العربي اليوم، قادر على تشكيل وصياغة إجابات عملية واضحة وواقعية عليه، في ظل حالة الهزيمة النفسية والعملية التي نقبع في داخلها جميعاً كأفراد ومجتمعات، وفي ظل الفشل الدولتي المؤسسي الفظيع (فشل الدولة التحديثية العربية، وعقم ممارساتها السلطوية)، وهيمنة تيارات السلفية الجهادية الانفجارية، وعقلية الاصطفاء الأيديولوجي والثبات الهوياتي، والفرار الجَمعي إلى الانتماءات التقليدية ما دون وطنية، وما دون حداثية..!!..

لا تعليقات

اترك رد