ستون عاماً فى المسرح الحى ” جوديث مالينا “

 
ستون عاماً فى المسرح الحى

ولدت جوديت مالينا عام 1926فى مدينة ليل بألمانيا و هى ابنة لأبوين يهوديين ، والدتها روسيل ( نى زامورا ) ممثلة سابقة ، والدها ماكس مالينا حاخام . هاجرت مالينا مع والديها إلى مدينة نيويورك وهى فى سن الثالثة ( 1929) و قد كان لكل من والديها أثر كبير فى اتجاهها للمسرح و للتمسك بهذا النوع من المسرح أى المسرح الحى فإلى جانب عمل أمها ممثلة، كان أبوها يقوم بمسيرات مناهضة للنازية فى نيويورك وهو عمل سياسى .
و باستثناء الرحلات الطويلة خارج أمريكا أو داخلها عاشت جوديث مالينا فى مدينة نيويورك طوال حياتها حتى انتقلت إلى بيت ليليان بوث للممثلين المتقاعدين فى أنجلوود فى نيو جيرسى .
اهتمت جوديت مالينا بالتمثيل منذ سن مبكرة فالتحقت بالمدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية عام 1945 لدراسة المسرح على يد أروين بيسكاتور و قد تأثرت مالينا إلى حد كبير بفلسفة بيسكاتور فى المسرح التى كانت تقوم فى الأصل على مبادىء برتولوت بيرشت فى المسرح الملحمى ، لكنه ذهب أبعد من ذلك بكثير فى هجر أشكال المسرح التقليدية ، فقد رأى بيسكاتور المسرح كشكل من أشكال التواصل السياسى و قد سارت مالينا على نهجه إلا أنها لم تكتف بذلك بل عمقت هذه الفكرة إلى درجة منادتها بمسرح يمكن أن يوجد فى أى مكان متجازوة حدوده الخاصة مع الإصرار على الفوضى و العنف.
أسست مالينا مع زوجها جوليان بيك ( 1925 – 1985 ) المسرح الحى living theatre عام 1947 ، كما كانت مع زوجها أول من أنشأ ما سمى بحركة المسرح خارج خارج بروداوى off off beardway ، فكانت فرقتهما رائدة التجريب المسرحى فى العالم خلال فترة الستينات من القرن الماضى.
مارست مالينا إلى جانب التمثيل الكتابة المسرحية و التمثيل السينمائى و كتابة الشعر أيضاً . و قد توفيت فى العاشر من أبريل عام 2015 فى أنجلوود بنيو جيرسى عن عام يناهز الرابع و الثمانين . و لندعها الآن تتحدث بنفسها عن تجربتها مع المسرح الحى :
“كنت متجهة لأن اكون ممثلة. عندما كانت والدتي طالبة في ألمانيا، حيث أرادت أن تذهب إلى المسرح وهى تأمل في العمل مع إروين بيسكاتور، الذين عم مع برتولت بريخت في عهد جمهورية فايمار. وكان “الأمل الأبيض” للمسرح الألماني، و كان يسعى لأن يكون شيئا عظيما إلا أنه كان شيوعيا أيضا ، وكانت البلاد تقترب من الفاشية في تلك المرحلة، لذلك لم ينجح، و انتهت علاقة والدتي بالمسرح بعد الوقوع في الحب مع حاخام مثالي جدا.
كان عمل والدى فى أمريكا خارج دائرة اهتمام الجالية اليهودية ، حيث جعل الناس تتعرف على مايحدث لليهود فى ألمانيا والذى لم يكن الامريكان يصدقونه بعد .فكان يشارك فى الكثير من المسيرات لاطلاع الامريكان على أفعال النازيين ، وقد بدأت أحضر هذه المسيرات معهم عندما كنت طفلة صغيرة ، وكنت أحب قراءة الشعر عن الأطفال اليهود الالمان وما يجرى معهم ، فكانت أمى تحمل المناديل ، لأنها على ثقة من تأثيرى على الجمهور تماما ، كما تعرفون كانت الناس تبكى ، ولم أكن أعرف بعد أن ذلك الذى أفعله كان شكلا من أشكال المسرح السياسى ، لكنه كان كذلك بالفعل ، فقمت بذلك وأنا طفلة وقد صار ذلك مهنتى وحياتى .
دربتنى والدتي –وألقيت وذهبت إلى عروض حديقة ميدان ماديسون وشاركت في الأحداث المسرحية الصغيرة. ولكن عندما بلغت سن المراهقة، جاء بيسكاتور إلى نيويورك وبدأ فى إنشاء مدرسته التعليمية في شارع 12 ، التحقت بها و درست معه. تعلمت ما كنت بحاجة إلى معرفته عن المسرح السياسي و الدراما الحديثة. وحول تغيير الشكل من السرد القديم إلى شكل مسرحي. كتبت أقول أن مفكرة بيسكاتور (2012) تؤرخ تجربتي معه. لقد قلب بيسكاتور حقا المسرح رأسا على عقب، ونشله من صناعة الترفيه إلى فكرة التعليم والتعلم، وتناول الأحداث الجارية .
عندما تخرجت دخلت فى قصة حب مع جوليان بيك وقررنا معا أن نبدأ فى إقامة مسرحنا الخاص بنا ، المسرح الحى(living theatre ) فى عام 1947 وكان حدثا جديدا فى ذلك الوقت . فى البداية أقمنا عروضنا فى غرفة معيشتنا بالمنزل ، وفى نهاية الشارغ الغربى ، ثم استأجرنا مسرح شيرى لين وعشرات أخرى من المسارح . لقد كشف لنا أنطونيو آرتو فى كتابه ( المسرح وخدعه عام 1938 )، عن نهج جديد فى المسرح حيث يتم الاعتماد على قدرة الممثل على اختراق دروع الجماهير ، ونحن جميعا مدرعون – لم نستطع دخول رياض الاطفال بدون ذلك ، يريد أن نستخدم كل معاناتنا الشخصية كأداء وقد سماه مسرح القسوة ، وأنا لا أحب هذا المصطلح ، ومع ذلك كان تأثيره كبيرا .
كانت هناك فترة في مسرح الحياة عندما كان لدينا خلافات سياسية، وقد ذهبنا فى ثلاث طرق منفصلة في أواخر عام 60. ذهب البعض لتجديد النشاط في لندن، والبعض إلى الهند، وذهبت أنا وجوليان إلى البرازيل، حيث تم سجننا في نهاية المطاف. ولكنني وجدت الشعب البرازيلي متفتحا، وودودا ، وصادقا. وأكثر انفتاحا من معظم الأوروبيين، باستثناء الإيطاليين، الذين هم ربما أذكى الناس جميعا. ذكاء يكفى لأن تعرف أنه من الأسهل السماح للمتظاهرين أن يعيشوا في مسرح فالي! بعد البرازيل، عشت في إيطاليا لمدة 12 عاما، وذلك أساسا فى روما، و هناك مثلت فى 132 مدينة . مثكنا في أوروبا لأكثر أو أقل من 30 عاما. ومكثنا في باريس لفترة طويلة – كانت فترة ثورية مثيرة للاهتمام في فرنسا.
إنها الأسطورة حيث بدأت في الانخراط في الاحتجاجات السياسية على وجه التحديد في عام 60 . لقد عملت دائما مع مجموعة من دعاة السلام-الفوضوية التي كانت في الولايات المتحدة الأمريكية ربما لما يقرب من 200 سنة. وهي تشكل الأساس لحركتنا مسرح الحياة، ولكنني ساعدت حركات احتجاجية أخرى أيضا مثل : النسوية و مناهضة الحروب، وقد شاركت في كل شيء. لقد كنت أعمل ذلك منذ طفولتي وفى كل عقد – وليس بقدر ما تعودت ، لأنني محدودة جسديا، ولكن ما زلت أساعد في التنظيم.
لا أؤمن بالطبقات الثورية ، كل شىء يمكن أن يكون ثوريا فى السياق الصحيح . يقول الناس أنه يبدأ من الداخل،وقد يحدث لكنه لا يمكن أن يبقى هناك . لابد أن يكون هناك عمل هادف ، وأنا من دعاة السلام ، الذى أتفق مع كل رأى أو احتجاج غير عنيف . ويمكن أن يعمل المسرح الاحتجاجى بدون مقاعد للجمهور ، وأيضا يمكن أن يكون فى أى شكل من أشكال الفن ، ويمكن أن يكون رفضا لاستخدام الأموال ، من هو النسوى؟ إنه أساسا : شخص ما يقف ويدافع عن حقوق المرأة ، ويمكن أن يكون ذلك بسيطا وشيئا مباشرا .
لم أجرب أبدا استخدام الاختيار التمثيلى لمسرح الحياة .أقبل كل من يأتى إلىً . أمتلك الخرافة أو العلم بأن الناس الذين ينتمون إلينا هم من يأتون إلينا .
هناك فقط تحد وحيد : المال ، الفن يأتى من خلاله وهو دائم حاضر ، الأفكار نقدمها لبعضنا البعض _ العالم يمنحنا الأفكار . النضال الوحيد هو كيف نعيش بدون مال لأن لا يوجد منه أى شيء. ولكى أنهى اللقاء، كنت أعمل نادلة لنصف الوقت و كاتبة وملونة صور، و كل شيء. وفي وقت لاحق، كنت أكثر حظا، فقد حصلت على بعض الأدوار فى السينما. فمثلت فى فيلم “عصر يوم قائظ ” مع آل باتشينو، ثم عائلة أدامز بعد ذلك بكثير في عام 90.
حتى الشهر الماضى ( عندما أجبر المسرح الحى فى نيويورك بشارع كلينتون على الإغلاق فى عام 2013 ) اعتقدت أننى انسحبت، لقد قمت بعمل مؤسسة خاصة بجمع التبرعات لدفع الإيجار طوال حياتى .
الآن أنا موجودة هنا ( فى بيت ليليان بوث للممثلين المتقاعدين فى نيو جيرسى ) لكن لدى شخص ما يقودنى إلى داخل المدينة بضعة أيام فى الأسبوع . إنها ليست فكرة مثالية لكن ما زالت الشركة نشيطة وتستعد للقيام بمسرحية جديدة أكتبها الآن ، ( لا مكان للاختباء ) أريد أيضا أن أعمل مسرحية مع سكان هذه المؤسسة ، يدور موضوعها عما تحصل عليه وأنت ما زلت مسنا بعد .
الجميع يركز على عدم الخسارة وأنت تخسرين الكثير: بصرك وسمعك والقدرة على التنفس بشكل صحيح . لكن من العبث أن يتوقف الناس عن الحياة . أنت تختلف وأنت فى سن الخامسة عشرة عنك وأنت فى العاشرة ، وفى سن العشرين تختلف تماما عن سن الخامسة عشر ، لماذا يعتقد الناس أن الثمانين لا تختلف عن الخامسة والسبعين ؟ نحن لم نتوقف أبدا عن التعليم والتغيير وأعتقد أنك بعد سن الخامسة والسبعين تصبح فى الأخير نفسك تماما . ممتلئا بالحكمة والخبرة التى تعضد هذا الأمر .
ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم

لا تعليقات

اترك رد