قراءة في أوراق الرئيس والاتكاء على الحكاية للقاص المصري عصام حسين عبد الرحمن

 
قراءة في أوراق الرئيس والاتكاء على الحكاية للقاص المصري عصام حسين عبد الرحمن.. للكاتب د.محمد غنيم

هذه هي المجموعة الثالثة للقاص المصري عصام حسين عبد الرحمن ، تأتي بعد مجموعتين سابقتين له ، صدرت أولهما في مسقط عام 2002 م تحت عنوان “صحاريات” والثانية عام 2003 في القاهرة تحت عنوان “حدث هذا الصباح” .

وإذا كانت المجموعة التي بين أيدينا صدرت في النصف الثاني من العام الماضي فإننا أمام كاتب غزير الإنتاج ، فقد أصدر ثلاث مجموعات قصصية خلال أربع سنوات ، ومع ذلك تعد الكتابة لدى عصام حسين عبد الرحمن وهو الطبيب المشغول بمرضاه لحظة اقتناص ، فهو يقتنص أوقات الفراغ المحدودة لكي يمارس فعل الكتابة .

تضم المجموعة التي بين أيدينا رواية قصيرة “قراءة في أوراق الرئيس” واثنى عشرة قصة قصيرة ، فكأننا في الواقع أمام كتابين وليس كتابا واحدا . والمقصود بالأوراق في هذه الرواية القصيرة أوراق تشكل في مجموعها السيرة الذاتية لمواطن عربي فلسطيني مؤمن بفكرة النضال ومتمسك بالبقاء ، إنه أنموذج للمواطن العربي الصامد ، المواطن الذي يجب أن يكون ، الذي نحتاجه الآن ، فهو مؤمن بالعروبة ومتمسك بالبقاء ومتحد سطوة الأعاصير التي تحاول اختراقه من كل الاتجاهات .

أوراق مبعثرة يرتبها الكاتب أو الراوي ترتيبا فنيا ليخرج لنا هذا العمل الجميل المتمثل في ” نوفيلا” تبرز كما أشرت أصالة ونقاء معدن المواطن العربي ، فلهذه الرواية فكرة مركزية محددة تتلخص في العبارة التالية : مواطن عربي مؤمن بفكرة العروبة ومصر على البقاء يناضل من أجل فكرته من ناحية وبقائه ككائن من ناحية أخرى .

كما أن الرواية من جانب آخر هجاء حاد لهؤلاء الذين قتلوا فكرة العروبة أو يحاولون قتلها ، وقد وجد البطل فكرة العروبة هذه في احتضان مسقط له ، وعُمان الدولة والشعب ، فبجواز سفره العماني يستطيع الآن أن يدخل أي مكان في العالم العربي أو خارجه ، ” بمقدورك الآن أن تسافر إلى كل مطارات العالم بكل أمان لكنك دائما وفي كل صباح وأثناء مرورك اليومي على المرضى لازلت تذكر القضية أو أبا عمار وأهل شعبك المكلومين ” (ص 54) إذن فالعروبة ليست عمان فحسب ، بل الوطن العربي كله من المحيط إلى الخليج .

أما القسم الثاني من الكتاب ، فيضم اثنتي عشرة قصة قصيرة هي على الترتيب : القائمة ـ كوة صغيرة في سقف الحياة ـ شجرة المانجو ـ حافي القدمين ـ الحب والكباب ـ أرجوك لا تقص علىَ أحلامي ـ من خواطر امرأة عصرية ـ امرأة في مفترق الطرق ـ امرأة عذراء ـ وميض امرأة حائرة ـ الثاني عشر من ذي الحجة .

والمتأمل في هذه القصص يجد أن ثمة تيمتين تسيطران عليها ، تيمة الغربة وتيمة المرأة ، ولعل تيمة الغربة هي التيمة التي تجعل هذه القصص امتدادا للقسم الأول من الكتاب على مستوى المضمون ، أما تيمة المرأة المسيطرة على بقية القصص فتطرح سؤالا ، ما علاقة هذه القصص بالقسم الأول “الرواية القصيرة ” ؟ ألا كان من الأفضل أن تستقل هذه القصص بكتاب منفصل ؟ .على أية حال يمكن أن نقول أن الكتاب بقسميه تنتظمها استراتيجية واحدة في الكتابة ألا وهى المزج بين الواقعي والخيالي

نعود إلى القصص فنجد تيمة الغربة هي التيمة السائدة في القصص ، والغربة هنا تأخذ شكل الاغتراب بمعناه الحقيقي ، إذ يكون اغترابا داخليا أو معنويا ، ويكون أيضا اغترابا خارجيا ، بمعنى الابتعاد بالجسد عن المكان المألوف ، وغالبا ما يتضافر النوعان معا ، فيجتمعان في الشخصية الواحدة .

في قصة ” القائمة ” على سبيل المثال ، يعود البطل من الكويت منهزما مطرودا بعد الغزو العراقي لها ، وعندما يفتش البطل في داخله عمن أهانوه وكانوا سببا في تشتته وضياعه الحسي والمعنوي ، يجد أنه نفسه أحد الذين ظلموه وأهانوه ” رقم 6 في القائمة : الوجه الذي طالعته في المرآة ” ( ص 60 ) .

وفي قصة “كوة صغيرة في سقف الحجرة” نجد البطل منذ طفولته وهو ينظر إلى العالم من خلال كوة صغيرة ، فهو في منزل العائلة معزولا مع أخته المريضة وتكون النتيجة ” لم يجد الصغيران بدا من أن يتعودا حياة الوحدة والغربة رغم كثرة الإخوة والأخوات ” (ص 62)

وعندما يكبر وينتقل إلى القاهرة ينحصر في غرفة صغيرة فوق أحد السطوح ، ويسافر البطل وتكثر تجاربه ويعود من السفر وهو ما يزال يشعر بالغربة ، فيشتري شقة صغيرة ويصر أن تكون في سطح منزل ، وعند ذلك تنتابه رغبة حادة في أن يجعل فيها كوة كتلك التي كانت في غرفة الطفولة المزدحمة بلحوم البشر ( ص 63 ) .

وفي قصة ” شجرة المانجو ” يتعلق الصغير بشجرة المانجو كبديل لعالم قاسِ يحيط به ، ومع ذلك تقطع الشجرة ليعود من جديد إلى دائرة اغترابه ، ويستمر صدى تيمة الغربة في قصص أخرى كحافي القدمين ، وأرجوك لا تقص علىً أحلامي .

أما تيمة المرأة فتبدو واضحة في القصص التي يكون لفظ المرأة فيها جزءا من العنوان مثل : من خواطر امرأة عصرية و امرأة في مفترق الطرق وغيرهما ولكن هذه التيمة موجودة أيضا في قصص أخرى لا يكون لفظ المرأة فيها جزءا من العنوان كقصتي الحب والكباب و الثاني عشر من ذي الحجة .

ففي “الحب والكباب ” نجد أنموذجا للمرأة اللعوب في مقابل المرأة الزوجة الملتزمة والبطل يميل بالطبع إلى الثانية ، و الثاني عشر من ذي الحجة نجد أكثر من أنموذج للمرأة فهناك فاطمة الأم التي تخشى على ابنها المصاب ، وهناك وفاء المطلقة العاملة ولكنها مع ذلك تبدو باسمة وراضية وعلى حد قول الراوي ” تحول على أثرها الوجه الباكي إلى هالة من النور أضاءت كل دروب الحي ” ( ص 107 ) .

وفي بقية القصص تبدو المرأة بصورة عامة امرأة نموذجية فهي مثال للوفاء والمحافظة على التقاليد ، في قصة ” وميض امرأة حائرة ” فعلى الرغم من وفاة زوجها ، رفضت أن تعود إلى حبها القديم المتمثل في “عمر” لكي تكون رسالتها نحو أبنائها كاملة غير منقوصة .

وفي قصة “امرأة في مفترق الطرق” نجد روحية بائعة الذُرة المشوية مثالا للمرأة العاملة المكافحة بل يسمو بها الراوي ليجعلها رمزا للوطن ، يقول : وأنت يا روحية تمدي إليً يديك الحانيتين لتعطيني كوز الذُرة المشوي ، نظرت إلى عينيك وأمعنت النظر فيهما ، رأيت صورة الوطن منذ أن كان وطنا عريضا مثل ضحكاتك ” ( ص 88 ) .

وفي قصة ” من خواطر امرأة عصرية ” نجد المرأة تتوحد مع الشجرة : أنا وشجيرتي تجانسنا .. توحدنا ولما فاض جمالها اعتقدت أنني قد غرستها ” ( ص83 ) لتكون رمزا للعطاء ، على الرغم من عدم إنجابها وهجرة زوجها لها .

وعلى الإجمال تبدو نظرة الكاتب إلى المرأة نظرة سامية تركز على الجوانب الإيجابية فيها مثل الوفاء والحنان والطاعة والعمل وغيرها من القيم النبيلة .

بقي أن أشير في نهاية هذه المقالة إلى شيئين يتعلقان بالشكل لدى الكاتب أولهما : اتكاء الكاتب على لغة سرد بسيطة خالية من التعقيد والحشو ومع ذلك ترتفع في بعض الأحيان بمستوى اللغة إلى درجة الشعر ، نرى ذلك بوضوح في الرواية القصيرة ” قراءة في أوراق الرئيس ” ونراها أيضا في بعض قصص المجموعة مثل قصص : وميض امرأة حائرة ، الثاني عشر من ذي الحجة ، أرجوك لا تقص علىَ أحلامي ،.

وثانيهما : اعتماد الكاتب الحدث عنصرا رئيسا في القصة فلا تخلو قصة من قصص المجموعة من حكاية ، لذلك يمكن أن نقول أن قصص عصام عبد الرحمن يمكن أن تحكى شفهيا، فعنصر الحكاية يعد أهم عناصر الفعالية السردية لدى الكاتب .

د. محمد عبد الحليم غنيم

كاتب الموضوع: سمير الفيل 8-02-2006, 06:26 am
قراءة جميلة قدمها الصديق الناقد محمد عبدالحليم غنيم ..
وقد أقمنا بدمياط ـ الصيف الماضي ـ ندوة نقدية تناولت هذه المجموعة لكاتبها د. عصام عبدالرحمن ، وقدمت حولها عدة اجتهادات نقدية .
شكرا يا صديقنا الغالي جبير
لك خالص التحية والمودة .
وللدكتور عصام الشخص الجميل كتابة وإنسانية كل حب وتوفيق .

كاتب الموضوع: محمد السنوسى الغزالى 10-02-2006, 12:16 am
المهموم الآن ..والآن بالذات بالعروبة هو كالقابض على الجمر…هذا الاصرار والتحدى ينم عن روح مبدعه..ولماذا اكتب هذا بالرغم من عدم قراءتى للنص؟؟ذلك لان الكاتب الذى يتناول هموم ليست محيطة به..اعنى هموم لم تعد متداولة الا لدى النذر اليسير من المواطنين العرب فى زمن العولمة والشرق اوسطيه …الخ.. هذا الكاتب معاناته صعبة واصراره مختلف ، ذلك لان كل التغريد هنا هو خارج السرب… مهمة صعبة..خاصة عندما لايجد الاستجابة او الحماس لما يكتبه..امر جد مضنى فى وسط ركام من جيل مسحت ذاكرته واصبح الوطن فى ذهنه عبارة عن عدة امم متجاورة او هكذا هى الثقافة التى تشربها وهذه هى النفسية التى هُيأ لها..المعنى بتوضيح اكثر..فى زمن التقطيع الاستعمارى للوطن من الصعب عليك ان تصرخ وترفع عقيرتك باسم العروبة لانه ما من احد سيستمع اليك فى خضم هذا الخراب الثقافى..بالفعل مهمة صعبة وابداع لايُحسد عليه واجواء مكتظة بالخيبة والدمار..لذلك احييه..واحى ايضا موقفه من المرأة..لان الاصل فى المرأة العربية هو( المرأة الحرة) وما عداها استثناءات..الاصل النصاعة والنظافة وصفاء النفس وعرق المحنة..شكرا للروائى وشكرا للناقد وشكرا لجبير العزي

لا تعليقات

اترك رد