مآلات “ثورات الربيع ” وضياع الحلم التنويري العربي

 
مآلات

سنقر ونعترف بدايةً، بأننا سقطنا جميعاً، كمثقفين ومتابعين ومحللين، في فخ “الوهم” الذي اصطنعناه لأنفسنا، ولمجتمعاتنا، عندما هللنا واحتفينا وانتشينا، بما سمي بثورات “الربيع” العربي، التي اندلعت منذ حوالي ثلاث سنوات ابتداءً من تونس وانتهاء بسوريا..

هذه الثورات التي عقدنا عليها آمالاً واسعة وعريضة في تحقيق حلم الدولة المدنية العربية، دولة القانون والعدالة والمؤسسات، دولة التعددية والحريات السياسية القادمة التي كانت ستقوم على أكتاف جيل الشباب العربي الثائر الحالم -من خلال وعيه الديمقراطي المدني الجديد، المستند على قيم ومفاهيم الحداثة العقلية- بأفق التغيير المفتوح على الحق والعدالة والمساواة، والمشاركة في صناعة مستقبله وتحديد مصيره بنفسه.

صحيح أن المشهد السياسي والأفق الفكري القادم لتلك الثورات التي احتشد فيها الناس وجموع الشباب في الساحات والميادين العامة، كان يبشر ببعض الأمل كما قلنا، لولادة عصر عربي جديد مفتوح على إمكانية تحقق قيم الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، والبدء بتشكيل دول ديمقراطية حقيقية تتبنى فكراً وعملاً مفاهيم وتجليات الحداثة والتنوير العقلي والعلمي، ولكن ظهر لاحقاً أن مآلات ومصائر وتحولات تلك الثورات “الربيعية!” لم تكن ربيعية خضراء، ذات روائح عطرة، بل انقلبت إلى شتاءات قارسة، وباتت تلك المفاهيم التنويرية من عدالة ومساواة وحرية وغيرها، التي نظرنا لها، وكتبنا عنها، مجرد كلمات على جدران النسيان، نستهلكها فقط ثقافياً داخل الغرف المغلقة في المقالات والندوات والجلسات والمؤتمرات ليس أكثر، لتطفو على السطح (وتسيطر على الجو العام) طروحات ومفاهيم أخرى “قديمة-جديدة” دينية وطائفية لا علاقة لها أهداف ومقاصد تلك الثورات.. فلا حريات ولا عدالة ولا مساواة بل كل ما هنالك حالة أصولية جديدة قوية تشيطنت بعد محاولات لدمقرطتها وعقلنتها، وبدأت تكبر أكثر فأكثر، وانفلتت في الأجواء خطابات دينية قادمة من مجاهل التاريخ باتت هي المسيطرة على الواقع الميداني، وأصبحت كلمات “التكفير” و”الطائفية” و”تطبيق الشريعة” والعودة إلى زمن “الخلافة” و”الإسلام دين ودولة” وشرعنة الأعمال الإرهابية الفردية والجماعية، وتبرير القتل والعنف الأعمى هي الكلمات والمفاهيم التي انتهت إليها حصيلة ثلاث سنوات من عمر تلك الثورات التي حركتها جموع بشرية شبابية واعدة، أرادت من خلالها التحرر من الوصاية والفوقية والاستعلاء، والتفرد بالسلطة، واحتكار الثروة والقرار، ولكنها سقطت أو أسقطت (وسقطنا معهم) جميعاً في أحضان الوهم المتجدد بلبوس الأصولية الدينية المتزمتة والمغلقة، وبالتالي كانت الطائفية والاستقطابات المذهبية الحادة، والفوضى والعبث والخسائر المادية الباهظة في مجتمعات ما بعد الربيع العربي…

نعم هي أكثر من خمس سنوات عجاف كالحة السواد على غير ما قدّرنا وانتظرنا… مرت بمخاضات عسيرة على عالمنا العربي كنا فيها –كمثقفين وحاملي ألوية التغيير الديمقراطي السلمي- لا نزال نأمل في إعادة موضعة طموحاتنا وأحلامنا وآمالنا التغييرية المنشودة على أسس راسخة من الوعي العقلاني.. ولكن ما بين الحلم والواقع وديان عربية سحيقة، ومسافات عربية صحراوية شاسعة.. وصخور الواقع العربي كانت فعلياً أقوى من الجميع، ولهذا فقد تحطمت عليها تلك الآمال العريضة، آمال الرشد والعقلانية والمدنية والديمقراطية، وتجسيد مفاهيم الحرية والعدل والمساواة ووالخ..

بالطبع، ليس هدفنا هنا –من رسم تلك الصورة السوداوية- إحباط أو تيئيس أحد، أو بث التشاؤم بين الناس كثقافة، لكن مرارة الواقع المعقد تستدعي منا الإقرار بالهزيمة، والاعتراف بجسامة الخسارة، حيث أن هول المشهد العربي الذي انعقدت عليه، وآلت إليه حالياً المصائر الذاتية والموضوعية لجماعات وأناس وتيارات ومجتمعات ودول عربية “ربيعية!”، يجعلنا في مواجهة الواقع الحقيقي وليس التخيلي الذي رسمناه لأنفسنا -وللآخرين- في الأذهان المجردة، بما يدفعنا لنعيد الاعتبار مجدداً لقيمة العقلانية التحليلية المفرطة ذاتاً وموضوعاً، على حساب الأحلام المجردة، متابعةً ونقداً..

إن ثقافة الأمل المبنية على رؤية فكرية وثقافية سياسية نقدية واعية، هي شمعة النور في آخر هذا النفق التي سنبدأ من خلالها مجدداً صناعة واقع عقلاني عربي مدني جديد.. ولا خيار أمامنا، فالنقد والعقلانية هي قدرنا وخيارنا النهائي…. مهما كانت الضغوطات والعوائق السياسية والثقافية التاريخية، ومهما بلغت حجم المؤامرات الخارجية المتحالفة عضوياً مع مصالح نظم الاستبداد العربية التاريخية، خاصة مع وجود دول في عالمنا (المتمدن الحضاري الإنساني!!!!) المعاصر تريد تحقيق مطامعها، وإعادة موضعة تواجدها وحضورها الاستراتيجي والجيوسياسي في منطقتنا العربية (منطقة الثروات والموقع والدور) حتى على حساب كرامات وطموحات وأرواح ودماء وثروات أهل هذه المنطقة كما هو جارٍ حالياً.. فهي (أي تلك الدول) ليست لديها أية مشكلة، وقد لا يتحرك فيها أي حس إنساني، في أن ترى نظم قاتلة، ومجتمعات متفجرة الصراعات، والناس فيها يقتلون بعضهم بعضاً، ويأكلون لحم بعضهم الآخر، ويشتبكون في حروب أهلية هنا وهناك، أو حروب طائفية مذهبية ذات جذور وامتدادات عنفية دينية قديمة بتمظهرات جديدة.. المهم عندها أن تكسب مزيداً من الدور والحضور، وبيع السلاح للمتصارعين والجيوش المتقاتلة.. ولكن السؤال: بعد حدوث كل ذلك، هل ثمة إمكانية لدور وحضور وموضعة استراتيجية؟!!!…

المقال السابقأجراس الخروج عن ذات السياسي العربي
المقال التالىلا يكفي أن تصمت
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد