دروس رمضانية في الخيمياء: بَراءة (الحلقة الأخيرة)


 
دروس رمضانية في الخيمياء: بَراءة (الحلقة الأخيرة)

السيّدةُ خديجة أيّها الأحبّةُ الأفاضلُ الكرام، هي تجلّ منْ تجلّيات روحي، بالضّبطِ كمَا كانتْ صورةُ جدّي تَجَسُّدٌ لعقلي. أمّا الشيخُ أحمد فنفسِي، أيْ مركزُ الرغبات المكبوتةِ التي كانتْ تتلوّنُ أمامِي بشتى الألوان والصفاتِ، وتَعْرِضُ عليّ في كلِّ يومٍ مُلْكاً وجاهاً أكونُ أنا الآمرة والناهية فيهِ. كيفَ ذلك؟ الأمرُ بسيط للغاية؛ إذ يبدو أنني تعرّضتُ في صغري لصدمةٍ انفعاليةٍ مَا لا أتذكَّرُها لليوم أبداً لأنّ عقلي الباطن مَسَحَهَا بشكلٍ كُلِّيٍ من أرشيفِ الذّكريات، لكن لا بدّ تكونُ لها علاقةٌ بتحصيل الدّرس والتعليم، أيْ أنني كنتُ أمامَ صدمة دفعتني إلى طلبِ المعرفة عن طريق الدّخول في غيبوبة إكلينيكية حشدتُ فيها كُلّ قواي الفكرية والروحية وتَمَثّلتُها بالصّور التي أحبُّها بشكلٍ أكبر وأعمق، فكانتِ النتيجةُ أنِ استدعيتُ صورةَ جدّي، وكذا السّيدة خديجة، والتي يظهرُ من اسمها جليّاً أنّها مُرادفة لحبيبةِ قلبي العشقيّة السّيدة النورانية زوجة نبينا محمّد صـلّى الله عليه وسلّم وعلى آله الطاهرين الطيبين. أمّا وكوني أردتُ لهَا أن تظهر في سفري الغيبوبي على شكلِ امرأةٍ مُسنّةٍ ألبستُها الأسمالَ البالية وأجلستُها الأرضَ، فذلكَ لأنّي كنتُ أريدُ أنْ أضربَ بهذه الصّفات نفسي لأعلّمَها التواضعَ في كلّ الحالات والأحوال وَأُفْهِمَهَا معنى أن يتركَ الإنسانُ كلّ شيءٍ وهُوَ في قمّةِ الغنى، ومعنى أنْ يسْتغْنِيَ عن الألقاب والصُّور والأشكالِ وإنْ كانتْ هذه الأخيرة تسعى مهرولةً إليه من كلّ صوبٍ وحدب كُلّمَا أمعن هو في إدارة ظهره لها، فلا الشبابُ يدوم، ولا الجمالُ ولا الصّحة، وكلُّ مَن علَيها فانٍ، وَيبْقَى وَجْه رَبِّكَ ذو الجلالِ وَالإِكرَام .
روحي هذه التي ظهرتْ لي في صورة السَّيدةِ خديجة كانتْ في طفولتي مُعلّمي الأكبر، لأنها لقّنتني أشياء أفدتُ منها وما زلتُ إلى اليوم الكثير، لا سيما وأنّها كانتْ تُزوّدُني بالعديد من النصائح والوصايا ونحنُ على زربية الإفطار في بيتِ الطفولة القديم، وصايا كانتْ تقولُ لي منْ خلالها حروفاً بقيتْ عالقة في ذهني وكأنها نحتٌ فوق الحجر أرصُّ بعضها أمامكُم أيّها السّادةُ كما يلي:
* «لا تُقَبِّلِي يدَ أحدٍ أبداً، وإيّاكِ وعبارات “أستاذي” و”شيخي” إلّا إذا كنتِ توجّهينَها لأشخاص مُعيّنينَ توسّمْتِ فيهم خُلُقاً حسناً ظاهراً للنّاس كانَ أو مخفيا، أو إذا كنتِ تضطرين إلى استخدامها من بابِ خلق حاجز وفاصل معنوييْنِ بينكِ وبين مُخاطبكِ. غير هذا فليس لأحدٍ عليكِ سلطة ولا مشيْخة ولا أسْتاذية، فسيأتي زمان يا ابنتي تُزَلزلُ فيهِ المعابدُ والكنائسُ والمساجدُ، ويُقْتلعُ الفقهاء والشيوخُ والكهنة والأحبار والقساوسة من جذورهم كما تُقتلعُ الأضراس المريضةُ من اللثيّ المتعفّنة، وتنفضحُ النوايا والسرائر، وتسقطُ الأقنعة، وتخرج شياطينُ الجِنِّ والإنسِ التي كانت قابعة تحتَ الجلبابِ والعمامة، والتونية والبطرشيل»؛
* «إيّاكِ وأصحابَ الخِرَقِ، فما نجا منهم إلّا القليل ممّن لمْ يُفَرّطوا في كتاب الله ولا في عترة نبيّهِ، وهُم يُعدّونَ على رؤوس الأصابع، وما وُجِدَ لغيرِ هؤلاء مِن عَهْدٍ، وإنّ أكثرهُم للحقّ كارهون. ولا تجزعي ولا تخافي منهم أبدا، لأنه سيأتي يوم يطرقونَ فيه بابكِ، ويتلصّصون ويحتالونَ عليكِ، ويَسرقُونَ الحرفَ من بين يديكِ، ويراودُونكِ عنْ نفسكِ، حينئذ ما عليك سوى أن تشحذي كُلّ الشّهب وشواظ النحاس الذي زرعهُ الخالق في صدرك، وارجمِي به كُلّ من يفكّرُ في أن يحوم حولَ قلعتك وما فيها من كنوز هي لكِ وحدكِ دونا عن غيركِ. وأَعْلِنِي براءتَكِ منهُم إلى يوم الدّين، فلا أنتِ منهُم ولا هُمْ منكِ»؛
* «إيّاك وبابَ “الشيخ والمريد”، فتلكَ دوّامة الداخل إليها مفقود، والخارج منها موؤود، وكلّ مَنْ فيها إمّا فاعلٌ وإمّا مفعولٌ به، وثمّةَ منهُم منِ اجتمعت فيه كلتا الصفتان، فهُو إمّا واقفٌ وإمّا مُنْبطحٌ مُستسلمٌ لا حولَ لهُ ولا قوة! إنّهُ غسيل دماغ مستمرّ في كلّ الاتجاهات: فالأفكارُ اليوم فاعلةٌ، والناسُ مُستلقون فوقَ أسِرّةِ الغفلة يُفعلُ بهم كلّ شيء، و”الدّين” فاعل، و”المُتديّن” مفعول به، والسياسة فاعلة، و”المواطن” مفعول به، و”الشيخ” فاعل و”المريد” مفعول به. وكمْ من شيخ يحملُ عصاه ويفعلُ بها ما يشاء في تلميذه المريد. ويا للعصا! كلّ شيء فيها يا ابنتي، فهي الحيّة التي تسعى بين الناس تنفثُ سُمّ الطائفية حينا، وسُمّ التكفير حينا آخر، وسُمّ التمييز العنصري بين أبناء الدّين نفسه والمعتقد، وسمّ التفرقة والحروب الهوجاء بين أهل التوحيد في كل مكان. فالحذر الحذر يا ابنتي، ولا تنسي أنْ تُعْلِنِي في كل صلاة براءَتَكِ من كلِّ هؤلاء»؛
* «إياك أنْ تكوني من أهل الطريقة، فتلكَ طريق لا مخرجَ منها أبدا، وهي لمن يُريدُ أن يكونَ لهُ الأتباع والجماهير العريضة تصفّقُ له في كلّ مكان، أمّا أنتِ يا ابنتي فطريقتك الوحيدة هي خُويْصَةُ الرّوح، ومُريدُكِ الأوحدُ فيها نفسُك، لأنّكِ ممّن لمْ يُرْسَلْ إلى قومٍ ولا إلى شعبٍ، وإنّما إلى كينونة واحدةٍ، هيَ نفسُكِ، ثُمَّ نفسُك، ثمَّ نفسُك، فإذا أنتِ نجوتِ منْها، فطوبى لكِ بما لا عينٌ رأتْ ولا خطر على قلب بشر».
نعم لقد كانت كثيرة ومتنوعة هي وصايا السيّدة خديجة وليس هنا من مجال لسردها كلّها، ويكفيني أنني حينما كبرتُ وأصبحتُ سيّدة أكثر نُضجا ووعيا بمعاني ذاك السفر الغيبوبي الذي رأيتُ فيه الكثير والكثير ممّا لا تتسعُ الكتبُ لحصره، حرصتُ على الإشارة إليها في أكثر من نصّ شعري وقصصي ونقدي، ذلكَ أنني أصبحتُ كما سبقَ وأخبرتني صاحبتي خديجة “كاتبة” أو هكذا يُقالُ عنّي، وفي الكثير من الأحيان يسمّوني بالكاتبة “الصّوفية”، وهذا أمرٌ آخر يحتاجُ لبحار من الحبر لأعالجَهُ أيضاً بعين التمحيص والتدقيق في زمن المعلوميات ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من التقنيات الأخرى التي سلبتِ الناس عقولهم وأرواحهم وقادتهم إلى سُعُر جديدة لهبُها من زجاج سائل. وإضافة إلى هذا وقبل ختم هذه الرحلة الخيميائية أحبُّ طرحَ السّوال الآتي: هلْ يمكنُ للإنسانِ أنْ يُعلّمَ نفسَه بنفسهِ؟ أيْ هلْ يتمتّعُ الإنسانُ بقدرة على التطوّر والتحوّل والوصول إلى مدارج العلا واليقظة والانتباه بدافع منْ معلّم داخلي يسكنُ في قلبِ كلِّ فردٍ على حدة؟!
أجل، يمكنُه ذلكَ، أمّا مُعلّمه الدّاخلي أو الرّوحيّ، فهو تلك النّسمة الإلهية التي نفخَها الخالقُ فيه، فإذا أظهر رغبتَهُ القوية في بقائِها متوهّجةً بين جوانبه، فإنّ اللهَ يبقى مقيماً فيهِ ولا يغادره أبداً، ويختارُ لهُ الطريقَ المناسبَ لهُ ليُعَلّمَهُ فنَّ الحرف، أيْ علوم الدّين والدّنيا بأساليب عديدة تتناسبُ والحمض النووي الذي جُبِل منه، وكذا خامتَه الصلصالية التي منها خُلِق، وغالبا ما يكونُ التدخل إمّا عن طريق الأحلام، أو الخيال، أو الأسفار الغيبوبية، أو الإلهام، أو الوحي، وإمّا عن طريق التجلّي المباشر، وتجارب الحياة التي لا حدّ لها ولا حصر: كلٌّ على قدْر عزيمته وقوّة شخصيته وعُلو هِمّته.

لا تعليقات

اترك رد