فيلم السكة الحديد – IRON ROAD


 
فيلم السكة الحديد - IRON ROAD

انـتـاج : 2008
إخـراج : ديفيد وو
تمثيل : بيتر أوتول ، سام نييل ، صن لي ، لوك ماكفرلن

تحت أي تصنيف ، سينمائيٍ أو أدبي ، شاء النقادُ أن يضعوا الفيلمَ الكندي /الصيني ( السكة الحديد ) ، فأنه ـ في النهاية ـ يمثل مرثيةً سينمائية . مرثية لاؤلئك العمال الفقراء الصينيين الذين قدموا الى كندا ، أملاً في حياةٍ أفضلَ ، عندما كانت الصين ـ نهايات القرن التاسع عشر ـ في أقصى حالات فقرها الإقتصادي ، و أيضاً السياسي ، ( رغم غناها الطبيعي و الروحي ) . فهذا الفيلم لا يمكن أن يراه المشاهدُ المثقفُ و الفنانُ و المعنيُّ بتاريخ الشعوب و معاناةِ البشر ( أكان متفقاً معه فنياً أم لا ) إلا باعتباره وثيقةَ رثاء . هذا الفيلم تحيةٌ لأناسٍ دفنتهم احجارُ الجبال .. لبشر توهموا الطريق الى الجنة فاصطدموا بنار الجحيم : جحيم العوز ، و المهانة ، و الإستغلال ، و الذُل ، و الإستهتار ، و الجشع .. و هي كلها تمثل مفردات الغربة الحقيقية : الروحية و المكانية .

1513682_10205497843116942_6587252119075842896_n

بماذا يستطيع أحدٌ أن يعارض فكرة هذا الفيلم ، كندي ـ صيني الإنتاج ، اذا كانت حكومة كندا ذاتها قد اعتذرت للصينيين أنفسهم ، و عوضتهم بـسبعة عشر مليون دولار عما لحق بهم من ذل و اساءة ، بعدما أُثيرت القضية في البرلمان الكندي عام 2006 ؟ و اذا كان العرض الأول نفسه للفيلم في حزيران عام 2009 قد خُصص ـ أصلاً ـ لجمع التبرعات ، من أجل إحياء ذكرى أولئك الضحايا الصينيين ؟ .. هل يستطيع أحد في كندا ( بلد المهاجرين .. أصلاً ) أن يتحدث عن هذا البلد العظيم الجميل دون التطرق الى الصينيين الذين اسهموا في بناء كندا و هم ( مُذلون .. مهانون ) ؟ .. لقد كانت تلك المرحلة نقطة سوداء في تاريخ كندا حقاً ، و باعتراف الكنديين انفسهم .

تبدأ أحداث الفيلم في العام 1881 ، تحديداً ، عندما ضمن الفريد نيكول ( سام نييل ) صاحب مشروع ( خط سكة حديد الباسفيك ) ، تمويل مشروعه من صاحب بنك الإستثمار جورج غرانت . لكن هذا الأخير يحذره من خطورة خارطة السكة التي تمر عبر وديان و جبال يحتاج المرور بها شق َ انفاقٍ عاليةِ الكلفة مالياً و بشرياُ ، فيرد عليه أنه مصصم على المضي الى آخر الشوط حتى لو كلفه ذلك آخر رجل من عماله ، و يعكس هذا الرد مدى الإستغلال و الإستهانة و الإستهتار بالآخرين ، و الذي سيظهر واضحاً فيما بعد .
و لغرض توفير عَمالةٍ رخيصة و مطيعة تتجه انظاره الى الصين الفقيرة ، فينبهه صاحبُه أيضاً الى بُعد المسافة الى الصين و عدم خبرة الصينيين ، فيرد عليه أن العمال الذين بنوا سور الصين العظيم لن يصعب عليهم بناء السكة الحديد . فيعقد العزم فعلاً على استقدام آلاف العمال الصينيين المعدمين للعمل في المشروع مقابل دولار واحد للعامل في اليوم الواحد . فيبعث ابنه جيمس نيكول ( لوك ماكفارلين ) الى الصين لجلب العمالة ، و كان صاحب المشروع قد أرسل ، من قبل ، شخصاً آخر من أجل هذه المهمة هو ليونيل راليك ( بيتر أوتول ) ، لكن هذا كان قد غرق في ملذاته و نسي مهمته .
فيلم السكة الحديد  -  IRON  ROAD

في الصين ، تتعثر مهمة الإبن أولَ الأمر ، بسبب اصطدامه مع احدى العصابات التي تجوب الشوارع و المحلات العامة و الملاهي لغرض الإبتزاز بالقوة و القسوة ، و لم يكن تعاون السيد راليك ، المستغرق في ارتياد الملاهي و السُكر و النوم و التدخين ، تعاوناً جاداً مجدياً ، بل انه هو نفسه يتعرض للذبح على يد تلك العصابة بسبب تعاونه مع القادم الكندي جيمس نيكول . و كان السيد راليك قد استجلب ( صبياً ) مشرداً لغسل ملابسه مقابل تعليمه اللغة الإنجليزية ، لأنه يحلم بالسفر الى كندا التي ذهب اليها أبوه للعمل يوماً و لم يعُد ، فكان الصبي يتوقف كثيراً أمام اعلانٍ كندي في أحد الشوارع يدعو للذهاب و العمل في أرض الأحلام .
هذا ( الصبي ) الذي يلقب بـ ( النمر الصغير ) كان يقتات من عمله بائعاً للألعاب النارية ، التي يكون بيعها رائجاً ـ عادة ـ في فترة الإحتفالات بأعياد السنة الميلادية الصينية ، و التي طلب السيد جيمس نيكول من ابنه العودة بالعمال قبل حلولها . و كان ( النمر الصغير ) قد اكتسب خبرة في التفجيرات على يده معلمه صانع الألعاب النارية العجوز الذي كان يعامله بعناية و عطف . هذه الخبرة ستعينه لاحقاً . و من أجل أن يحقق حلمه يعرض ( النمر الصغير ) على جيمس أن يجلب له العمال شرط أن يسمح له بالسفر معهم الى كندا ، أملاً بمعرفة مصير والده الذي يحمل صورته العائلية و يتمعن فيها دائماً ، حالماً بلقائه ، بل أنه يسعى الى التخلص من حياة التشرد و الحصول على حياة أفضل بعد أن كان يبحث حتى في القمامة ، كما يبوح لجيمس فيما بعد .
ذات يوم ، تصل الى الشواطئ الكندية ثلاثُ سفن شراعية تحمل على متونها آلاف الصينيين المسحوقين ، لتبدأ على اليابسة الكندية رحلتهم البرية في العذاب و الإستغلال و المهانة و الأعمال الشاقة و الخطيرة التي ستذهب أعدادٌ كبيرة منهم ضحايا لها . فهم ما أن نزلوا الى الشاطئ حتى استقبلتهم الهتافات العنصرية الصريحة القاسية ، من مثل : ( عودوا من حيث أتيتم ) و ( نحن لا نريدكم أيها الصينيون ) . أما الصدمة الثانية فتمثلت في رؤيتهم ، في أول يوم عمل ، شواهد قبور مواطنيهم الذين سبقوهم الى كندا ، و هي مكتوبة باللغة الصينية ، ما مثــّـل رسالة شؤم اليهم ، مفادها : أن هذا هو مصيركم على ( أرض الأحلام ) . و منذ ساعات العمل الأولى تنقشع لديهم الصورة التي تبين أنها سوداء تبخرت معها كلُّ احلامهم . و النقطة الأساسية التي كثفت محنتهم و القت بهم في قاع اليأس هي أنْ لا سبيل مطلقاً للعودة الى بلادهم التي تبعد آلاف الأميال من المياه . فافترشوا اللوعة و توسدوا الخيبة و تدثروا باليأس .. و استسلموا .

يقول مخرج الفيلم الكندي الصيني ( دايفيد وو ) : ( عند السير على السكة الحديد أو السفر في القطار .. يمكنك حقاً أن تشعر بأن هناك عَرَقاً و دماءً و دموعاً كثيرة قد سُكبت في كل ميل من هذا الطريق ) . و هذا العرَق سببّه العمل اليومي الشاق ، و الدموع درّتها الغربة و فقدانُ المواطنين العمال واحداً بعد الآخر ، أما الدماء فقد كانت ارخص شئ لدى صاحب المشروع الجشع الذي لا يتردد ـ مثلاً ـ ببردوة أعصاب من أن يأمر معاونه بقطع الطعام عن العمال لإضرابهم عن العمل بسبب عدم السماح لهم بانتشال جثة زميل لهم من الهاوية ، على اعتبار أن عملية الإنتشال تهدر ساعات من ساعات العمل ، ما يمثل منتهى الجشع و الإستغلال و الإستهانة بالإنسان . و لا ينقذ الموقف إلا ( النمر الصغير ) حين يتبرع بانتشال الجثة دون مقابل . مثلما انقذ الموقف ، لاحقاً ، عدة مرات بتنفيذه لتفجيرات تعسر على الآخرين تنفيذها ، مستفيداً من خبرته و تذكّره تعاليمَ معلمه الصيني العجوز .

في منتصف الفيلم ، يحدث تحول دراماتيكي عندما يبوح ( النمر الصغير ) لجيمس بأنه أنثى . و أنه اضطر الى التستر بمظهر ( الصبي ) كي يستطيع مواجهة تحديات الشارع و يكسب قوته ، بل أن ( الصبية ـ هذه المرة ) تفصح عن تعلقها بالشاب الذي يدفعه هول المفاجأة الى تهديدها باعادتها الى بلادها ، لأن تبعات قانونية ستترتب عليه اذا ما تستر على وجودها كأنثى بين العمال ، ذلك أنها دخلت الأراضي الكندية بصفتها ذكراً ، و على مسؤوليته هو ، و هذا ما يدفعه الى صدها أكثر من مرة مقابل توسلاتها أكثر من مرة بأن يبقيها في كندا و لا يعيدها الى حياة التشرد و التقاط القمامة ، و على أمل أن تعرف مصير والدها في كندا يوماً . ولكنه ، و بمرور الأيام راح يعطف عليها ، بل بات يميل اليها ، بسبب مواقفها . غير أن سيناريو الفيلم لم يقدم سبباً أو تسلسلاً مقنعاً يجعل الشاب يعلق مسقبله بالصبية الصينية رافضاً عشيقته ، ابنة جورج غرانت ( صاحب البنك ) الذي كان أبوه ( صاحب المشروع ) يأمل بمصاهرته .

فيلم السكة الحديد  -  IRON  ROAD

و هذه العلاقة العاطفية الجديدة كادت أن تعصف بأحداث الفيلم ، سارقة ً الضوء من موضوعه الأساس المتمثل بواقع حال العمال الصينيين و معاناتهم و عذاباتهم . و قصة الحب هذه ، التي أراد المخرج أن يضفي بها على الفيلم طابعاً تشويقياً ، تذكرنا بقصة الحب العاصفة بين ( جاك ) و ( روز ) في فيلم ( تايتانك ) التي سرقت الضوء من موضوع الفيلم الأساس المتمثل بغرق السفينة الشهيرة . غير أن هذا التذكير لا يسمح ـ في كل الأحوال ـ بمقارنة فيلم ( السكة الحديد ) بفيلم ( تايتانيك ) . ولكن قصة الحب في فيلم ( السكة الحديد ) تنتهي الى القطع ، بسبب الضربة المفاجئة التي قضت ، و الى الأبد ، على آمال البنت الصينية التي أتضح أن اسمها الحقيقي هو ( لي جون ) .. ذلك أنها في لحظة مأساوية تعرف أن مراقب العمل الذي ألقى بنفسه من أجل انقاذها فسقط و مات ، هو نفسه والدها الذي عرف سرها قبل لحظات فقط و عن طريق الصدفة ، حين وقعت في يده صورته العائلية التي كانت تحتفظ بها . و بموت الأب لم يعد لديها ما يبرر وجودها في المكان الذي انتهي فيه أملها في أبيها . فتقرر الرحيل بحثاً عن حياة أفضل في مكان آخر دون أن تغريها عروض جيمس ، الذي تولى فيما بعد ادارة شؤون المشروع بعد أن أكتشف خسة و تآمر معاوني أبيه على العمال بشكل عام و على ( لي جون ) بصورة خاصة .

و لا يمكن تفادي شخصية ( النمر الصغير ) ، فقد كانت الشخصية المحورية في الفيلم ، منذ المشاهد الأولى و حتى اللقطة الأخيرة . و يتطلب الواجب الوقوف ملياً أمام الممثلة فائقة الموهبة ( صن لي ) التي أدت دور هذه الشخصية بمهارة عالية سرقت بها الضوء من ممثلين ذوي سجل حافل في التمثيل ، من مثل شيخ الممثلين ، الإيرلندي الراحل ( بيتر أوتول ) الذي يحمل على كتفيهِ تجربة نصف قرن من التمثيل ، و الأمريكي ( سام نييل ) ذي السجل السينمائي الحافل ، و ( توني لونغ كا فاي ) الممثل صيني الأصل ذي الإسم السينمائي الراسخ ، و الذي مثل دور مراقب العمل ـ الأب . لقد كانت الموهوبة ( صن لي ) سارقة للإنتباه فعلاً ، سيحتفظ المشاهد بصورتها و بإسمها و تمثيلها في ذاكرته حتماً بعد مشاهدته فيلم ( السكة الحديد ) الذي ساعد في نجاحه ، أيضاً ، المونتاج السلس ذو الإنتقالات المدروسة ، و الذي تجنب هفوات القطع ذي التأثير السلبي . نعم ، كان هذا الفيلم مرثية سينمائية ، حقاً ، لأولئك العمال الصينيين المساكين ، الذين تفيد المعلومات أن ثلاثة منهم كانوا يلقون حتفهم في كل ميل من بناء ( خط سكة حديد الباسفيك ) .

المقال السابققَــسَمَـاً بِـرَبـِـكَ يا قَــلَـمْ
المقال التالى#كلمة_حق .. #شارك لـ يعي من لم يفهم
هادي ياسين.. كاتب عراقي من مواليد البصرة ، و فيها أكمل دراسته الإبتدائية و المتوسطة و الإعدادية . تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة / قسم الفنون التشكيلية ـ جامعة بغداد . عمل في الصحافة الثقافية منذ العام 1978 لغاية هجرته من العراق عام 1997 . أعدّ و قدّم برنامج ( فنون تشكيلية ) من تلفزيون العراق للفت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد