الثورة الثقافية العربية القادمة -ج3


 
الثورة الثقافية العربية القادمة -ج3

لذا تبدو فئة المثقفين الشباب أكثر قدرة على حمل المشعل التنويري الذي من خلاله يمكن إعادة بناء المجتمع المعرفي العربي من جديد بعيدا عن التطاحنات السياسية والعرقية والمذهبية وإرساء قواعد بناء وطن أخر يتسع للجميع.

هذا البناء الثقافي المنشود، داخل إطار العقد الإجتماعي، لا يلغي التمايزات الطبقية التي تقوم عليها البنى الإجتماعية بل يلغي الإنقسامات القبلية والعشائرية والإيديولوجية والعصبية الموروثة والحد منها داخل المشهد السياسي العام.

ففي المجتمع العربي تتداخل التمايزات الطبقية بالانقسامات الطائفية مما يحد من صيرورة تكوين بنية اجتماعية مستقرة وتهدد باستمرار وحدة المجتمع. هته الأخيرة تصان حين يتم تجاوز الإنقسامات والإنصهار في مجرى حركي لتأسيس قيم زمانية ومكانية مشتركة تكون الهدف الأسمى بالنسبة للمجتمع.

هذا الإنصهار لا يعني فقدان المجتمع لملامح الإختلاف والانقسام الإجتماعي الأصلي لكنه يعمل على إنتاج علاقة جديدة ووطيدة وإيجابية أيضا بين الفرد وهرم السلطة أي بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

أكيد المنظومة الفكرية المتوخاة ستكون بديلا للعلاقات السائدة بين مثقفي السلطة وعامة الناس بديلا عن علاقة كتاب الهوى المتملقين والواقع، هؤلاء الذين صفقوا للإستبداد والظلم من أجل الحصول على امتيازات مادية صرفة. والكثير منهم ركب قوارب ما سموه بالثورات ليعتلوا منصة التنظير ويبنوا لأنفسهم مكانا في المقدمة بعدما كانوا أشد المدافعين عن تلك الأنظمة وانحيازهم للسلطة المستبدة والوقوف إلى جانبها.

هته الجماعة من المحسوبين على الثقافة كانوا ضحية وهم المركزية الغربية، واعتبروها شمعة الحضارة التي تضيء الكون، فانبهروا بالنظريات الآتية من الغرب وروجوا لكل المفاهيم والأطروحات التي أراد الغرب تمريرها وإلصاقها بمجامعاتنا (مثلا: شعوب متخلفة، هامشية، الدين سبب التخلف….). مفاهيم اتخذت كما هي دون الغوص في تحليلها وفهمها كما يجب. وهو نفسه الغرب من بارك تلك الأنظمة التي سادت وبمباركة العديد من المثقفين والمفكرين للأسف.

لهذا السبب وذاك، لا أرى بديلا في إنتاج ثقافة جديدة تنتظم ضمن مجال معرفي وزمني محدد يساير التطور السياسي والإجتماعي الذي نعيشه الآن. كما أن تفكك البنى السياسية والإجتماعية داخل المجتمع العربي وعدم قدرتها على الاستمرار في أداء وظيفتها بفعل التناقضات التي تفاقم أزمتها السياسية والفكرية يفرض إجراء العملية القيصرية بوجه السرعة لواقعنا الثقافي.

هذه الثورة الثقافية الجديدة ستسمح بقراءة موضوعية تضع التاريخ الإجتماعي في سياقه الفعلي من تطور المجتمع وتطور العلاقات الدولية أيضا، حتى لا يمكن حصر رؤية التناقضات من زاوية واحدة واعتبارها نتاجا لصراع داخلي. هته الرؤية البعيدة المدى ستمكننا من وضع مسار تطور النظام الإجتماعي والسياسي في مساره الحقيقي.

هذا التحول الثقافي يجب أن يهدف بالأساس إلى تنمية المجتمع واعتبارها القضية الجوهرية التي يجب أن يتحملها رواد المرحلة القادمة الواعون بمصلحة الأمة. كما أن الخطاب الثقافي يجب أن يكون خطاب توعية وتنمية ثقافية وليس فقط كلمات ومنشورات. يجب أن يتعدى مستوى الكلمة ليصل لمستوى المفهوم والدلالات العميقة التي ترتبط بالواقع المعاش ومن أجل التأثير إيجابا فيه.

هذا الخطاب الثقافي الجديد عليه أن يكون قادرا على مخاطبة الوجدان الإنساني والنفاذ إلى أعماقه بغرض تنميته وتعميق الشعور لدى الفرد بالفاعلية والإنتاجية والإيجابية وترسيخ قيم المواطنة الحقة والحق في المشاركة المدنية والسياسية في تسيير شؤون البلاد.
كما انه من الخطأ التمحور حول آلية أو نمط واحد في التفكير والإنشغال أو طرح بديل مؤقت أو مرحلي. فالواقع لا يتحمل الحلول الترقيعية أو المقترحات الفورية بل بحاجة لتمحيص ومعاينة دقيقة لمجريات الأحداث والوقائع التاريخية لبلورة فكر وازن وفعال يخدم التنمية المجتمعية بشكل عام.

المشروع الثقافي الجديد بحاجة إلى تحريره من السياجات الحدودية التي قيدت الفكر السائد، يجب أن يتعدي الأعراق والإثنيات فهو ليس ملك أحد، بل مشروع مجتمعي يهدف إلى النفع والمصلحة العامة. فيكون الإنتماء للمشروع انتماءا نفعيا وطنيا وليس لأهداف مصلحاتية ضيقة.

المشروع المتوخى هدفه تنمية ثقافية واجتماعية من أجل وطن أخر ومجتمع أخر، مثقفوه بحاجة إلى نظرة متفتحة على الواقع المعاصر بكل تشكيلاته، بعيدا عن الغوغاء والسفسطائية والشعارات الفارغة ونبذ التسلط وبسط النفوذ والسيطرة وإقصاء الثقافات الأخرى.

لا تعليقات

اترك رد