“باجة” المدينة التّونسية العيد


 

رمضان بباجة رغد الحياة ومرج الأحلام و مخزن الحياة والغذاء بتونس

متى عنّ لك أن تقصد باجة تونس وهي تقوم غربيّ العاصمة تونس زهاء مائة ميل، تلك المدينة التي أنعمت عليها الجغرافيا وظلمها التّاريخ..هي مطمورة روما مذ ازدهار قرطاج وولاية روما وبيزنطة فالحقبة الإسلامية الأندلسيّ منها والعثمانيّ..ظلّت باجة لعصور طويلة ضرعا مدرارا لا يكلّ ولا يغرز،تتدفّق خيراتها صوب العاصمة وغيرها من الجهات…
رمضان بباجة رغد الحياة ومرج الأحلام و مخزن الحياة والغذاء بتونس

إنّني أكاد أدّعي أنّها الإقليم الأخضر الذي صبغ اخضلاله تونس كلّها بِسِمته فدُعيت بالخضراء..إذ باجة القمح الذّهبية لا تفوّت في خضرتها على امتداد أيّام الحول. فلكأنّ البحر المتوسّط مرآة تعكس صورة شماليّه الأوروبية على هذا المرج العظيم الذي لا تُخطئه الأنواء ،ولا يغيب عنه نبت أوشجر فيأتلف عليه كلّ عاشب ويُنمي الزّرعُ الضّرعَ.. ويتسايل الماء والحليب والعسل أنهارا.. انتبه فأنت في حضرة باجة مدينة العراقة والعرق والأعراق: بها مجلس أعيان يشرف عليها مذ ما يربو عن خمس مائة وألفي سنة.وهي أرض الفعل والإنتاج والعمل.فأهلوها أياديهم بحار وألسنتهم مِسك والكرَم عندهم طبعٌ لا يُتكلّفُ.ويمدّون للمصافحة قلوبا قبل الأيادي..فلا عجب أن يألفهم دون غيرهم العسل ونحله والسكّر ولِفْتُه. يبسطون رموش العيون مفارشَ للأضياف ،وينحرون لطعام “البرزقان” الخِراف..لله ما أكرمهم! ..
elsadatunisbaja01
رمضان بباجة رغد الحياة ومرج الأحلام و مخزن الحياة والغذاء بتونس

بباجة مدينة عتيقة ذات سور شامخ وإن تداعى أغلبه فقد ظلّت الأبواب شاهدة عليه أشهرها باب الجنائز وباب العين وباب بوتفّاحة وباب السّوق وغيرها كثير..أمّا أسواق مدينة اللّقالق فهي أنهج حميميّة الضّيق قلوب أصحابها بَراَحٌ…
رمضان بباجة رغد الحياة ومرج الأحلام و مخزن الحياة والغذاء بتونس

وتحتفي بشهر رمضان بالمدينة مساجدُ ذات صوامع تيّاهة ومعمار متنوّع ومجالس للمالوف بتستور وتشهد القلعة المنيعة على نشاط أهل المدينة وزوّارها. وغير بعيد تقف دقّة تحرس الأنباض والأرباض معتدّة بالتّاريخ…

elsadatunisbaja02
رمضان بباجة رغد الحياة ومرج الأحلام و مخزن الحياة والغذاء بتونس

يُذكي شهر رمضان في الأشغاف والحيطان الذّاكرة فينشط الخطوُ في مقامات الأولياء الصّالحين يكاد يختصّ كلّ حيّ بواحد منها هذا إن لم يختصم صالحان على حيّ واحد بل على مقام واحد..
يُعنى أهل باجة بالذّكر وحفظ القرآن الكريم وأهازيج “المالوف” والأغاني الشّعبية للمتيّمين والعاشقات.وتزدهر حِرفٌ كثيرة بشهر الصّيام. فتنتشر آنية الخزف وزخرفة الملابس التّقليدية .وتزداد العناية بالأجبان. وباجة خير ما يُثنى به الخنصر في هذا الاختصاص..وهل لك أن تذكر مدينة القمح والسكّر دون أن تذكر حلواها ذائعة الصّيت والمدعوّة”مَخَارق”. إذ يجوب بها صانعوها وتجّارها أرجاء تونس أوأغلبها…

elsadatunisbaja03
رمضان بباجة رغد الحياة ومرج الأحلام و مخزن الحياة والغذاء بتونس

تذكر باجة فتنبسط أسارير سامعك إذ يستحضر خيراتها الجمّة ومناظرها الخلاّبة وملامح أهلها الطّيّبين المشرقة وُجوههم بَسْمات، أو ارتفعت أصواتهم بالضّحكات مزغردة..فنساء باجة عنوان للفرح ورجالها عناوين للأحلام ،فالأنغام هرهارة بحلوق أهل باجة هرهرة جداول الأنواء وجعافرها.والأمل حلو حلاوة سكّرها وبديع شهدها، سهلٌ مُنبسط كامتداد مروجها وتلالها. عذبة مياهها عُذوبة َموسيقاها وحكايا تاريخها. شامخة شموخ “قصبتها”. ترحل المُنى فيها رحلة أمواهها العذبة تنساب في مسالكها وشتّى مُندفعاتها..وتظلّ مدينة باجة هادئة هدوء خيراتها ضاجّة بأحلام أهليها .تشسع مزارع الحبّ فيها شساعة حقولها..
رمضان بباجة رغد الحياة ومرج الأحلام و مخزن الحياة والغذاء بتونس

بعد سويعات يحلّ بباجة العيد”الصّغير” يسعد فيه الكبار بإتمامهم صومهم على سلامة فيَهَبُون الأموال للأطفال”مَهْبا”، وقد رفلوا في حلل جديدة: واكتظّت حُجُورهم باللّعب وأياديهم بمختلف صُنوف حلوى العيد. وعضّت شفاههم مزامير ملوّنة صدّاحة.. عيدا سعيدا وعمرا مديدا…

شارك
المقال السابقدماء علي الرصيف !
المقال التالىنستجدي الفرح عسانا نفرح ..
عمّار التيمومي باحث في الأدب العربيّ القديم من مواليد 1969 ببني جلاص بالقيروان تخرّج عن كلّية الآداب بمنّوبة1994 وحاز على شهادة الماجستير عن كلّية الآداب بالقيروان بملاحظة حسن جدّا.له "عيون العشّاق" منشور بدار الأمل الجديدة السّورية .و"البرنزيّ" وهي رواية تحت النّشر.وله محاولات إبداعية ونقدية ودراسا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

اترك رد