حميمية السرد- قراءة في ثلاثية فؤاد مرسي الروائية- قنطرة الوداع نموذجا

 
حميمية السرد- قراءة في ثلاثية فؤاد مرسي الروائية- قنطرة الوداع نموذجا

صدرت مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب رواية ” قنطرة الوداع ” تأليف فؤاد مرسي وهي الرواية الثالثة له بعد روايتي ” شباك مظلم في بناية جانبية “عام 2002 و ” شارع فؤاد الأول “عام 2004, هذه الثلاثية التي استغرقت سبعة أعوام حتي اكتملت ونضجت فأثمرت عالما خاص في فن الرواية جعلنا نسميه عالم فؤاد مرسي ذي النكهة الحميمية, هذا العالم الذي يرتكز علي علاقة محبة تنشأ مع السطور الأولي للرواية فتربط المكان بالزمان وتتألف المشاعر بين الأشخاص, أشخاص الرواية /المؤلف/القاريء.

سنتناول هذا العالم من المنظور السردي مع الأخذ في الاعتبار أن المكان ” مدينة بنها ” ليس مجرد أرضية تتحرك عليها أشخاص الرواية ومن ثم أحداثها, و غنما من منظور أنها أرض/وطن للعاشقين, هذا العشق/الحب/الحنان/الحميمية/يتواصل بهم الكاتب مع عالمه الأرحب ليؤسس به وطنا بني علي المحبة الخالصة حتي في احلك لحظاته دراميا, هذا الوطن الذي يتماهي إلي حد التطابق مع شخصية ” الأم ” الحاضرة حضور الوطن/المدينة في الروايات الثلاثة.

” مدينة تليق بالرومانسيين, لها من حال القري ناسها ومن حال المدن العمارة… لقد ارتاحت لهذا الشكل أخيرا وارتاح قاطنوها ” ص16 شارع فؤاد الأول .
لقد ذابت المدينه عشقا مع قاطنيها ارتضوها وارتضتهم وارتاحت وارتاحوا.

وهكذا تجلت هذه التيمة منذ الرواية الأولي إلا أننا سنركز أكثر علي الرواية الأخيرة كنموذج لهذه التيمة .

صدر المؤلف روايته الأخيرة بفقرات مطولة عن أحداث الأمن المركزي عام 86 أخذها بتصرف عن كتاب ” حتي لا ننسي “, لم تتصدر هذه الأحداث بكل تفاصيلها عبثا وإنما جاءت كمقدمة يمهد بها الكاتب للولوج داخل عالمه السردي ذي الطابع الحميمي التعاضدي, فرغم أن الأحداث وقعت بمحافظة الجيزة وامتدت إلي القاهرة إلا أن قرار حظر التجول الذي فرض قد امتد ليشمل ” مدينة بنها “/الوطن ومن ثم يعطي للمدينة شمولية أكثر من كونها مدينة اقليمية ومن ناحية أخري يمهد لعالم شخوص الرواية الذي يأتي متشابها
مع عالم جنود الأمن المركزي المهمشين والبعيدين كل البعد عن رغد العيش فهاهو شلبي الفتوة رمز القوة الغاشمة يصارع أهل الحارة البسطاء ويفرض سطوته عليهم وسط عالم يموج ويبدو إما أنه متجها للزوال ومن ثم الإنقراض أو التحول ومن ثم التغيير وهذا طبع كل حدث جلل.

“انتشرت شائعة مد خدمة المجندين لمدة عام آخر زيادة علي مدة الثلاث سنوات التي يقضيها المجند, حيث أثارت ثائرتهم وحرضتهم بعض المجموعات علي الخروج وهم مزودون بأسلحة الخدمات”
” هنا انطلق شحتة-الهاديء الصامت- كفوهة مدفع مشحون, كان ينتظر ضغطة ليفجر حمولته:

– ما خلاص بقي يا سي بتاع . الدنيا كلها خلصت .. السيد غزال مات في البندر وهم بيأرروه في سرقة راديو عربية .. مات من الحسرة , لأنه ما كانش حرامي .. كان فتوة آه وبتاع نسوان , لكن عمره ما سرق , صعبت عليه نفسه وهو متعلق مات , مات يا عم شلبي والفتوات كتروا.. كل عيل دلوقتي شايل سنجه وسيف ومعلق في رقابته حظاظه وعامل حواليه شلة من الهلافيت .

مثلت هذه الفقرات المطولة عن أحداث الأمن المركزي حالة تمهيد لواقع حي داخل الأحداث الرواية يتشابه تماما معه بل ويلتقي معه في نفس الأسباب ومن ثم نفس النتائج,إلا أن المدينة /الوطن/الأم تمارس عطاءها من الحب والحنان فهي التي تبدو روعتها في بدايات المساء لما يختلط النور الماشي في الأسلاك بأخر ضوء للشمس بالبيوت القديمة ” وهي التي احتضنت زعيم الوطن أنور السادات ابان حادثة اتهامه الشهيرة في مقتل أمين عثمان” إن الرئيس السادات أقام في هذا البيت ثلاثة أيام كاملة دون أن يعلم أحد تحقيق شخصيته” وبدت المدينة في يوم عيدها عندما مر عليها رئيسا: في ذلك اليوم الذي قال عنه إن الئيس السادات عانقه فيه بحرارة بالغاة , كان عمال النظافة قد انتهوا من غسل شوارع بنها بالماء ومقشات البلح عند الفجر كسيدة همت ببيتها ليلة العيد”.
تصل حالة التماهي بين المدينة /الأم /الوطن عندما تأتي ذكر الأم فهي ليست أما عادية جبلت علي العطاء والمحبة والتضحية وإانما هي أم بمثابة وطن يحتضن, بدءا من أول سطور الرواية والمؤلف ينشأ هذه الحالة من الحميمية في السرد تجعل المتلقي عالقا باوتار قلبه مع هذا اللحن الشجي ولا ينفك منه إلا مع الصفحة الأخيرة,هي الأم التي تتزن عندها الأحداث وتتحرك بأصابعها” كان نفسي اخدها معايا المدينة الجامعية وتنام في حضني “.

الأم التي يراها الراوي وهي تتصرف بهدوء مدهش وهي تسبل جفني عمه عسجد, هي نفسها التي انخلع قلبها عليه وهي تحمله طفلا علي كتفيها وتهرول به الي المستشفي يوم أن تعرض إلي حوادث كثيرة عارضة في طفولته.
“نقرت الباب بأصابع ترتجف , فتحت لي ورغاوي الصابون تحيط ذراعيها , بكيتٌ. فابتسمت قائلة:
كنت عارفة انك هتيجي ورايا
– العيد بكره يا ماما
– كل سنة وانت طيب يا حبيبي, والله لسه قايلة لاخواتك ان اخوكم دخل المستشفي وما حدش منكم ح يعيد طول ماهو غايب.
وبكت .
الأم هنا هي نفسها المدينة/الوطن التي فرحت بأبنائها واحتضنتهم في كل المناسبات وكأنها تتزين يوم عيد.

لا تعليقات

اترك رد