الفلوجة ،، والكرادة … وما بعدهما !!

 
الفلوجة ،، والكرادة ... وما بعدهما !!

ملاحظات سريعة من وحي جرح الكرادة …

شخصيا ، جرحت بشكل عميق جراء احداث الكرادة ، هذا الحي البغدادي الأصيل الذي منحني الله نعمة العيش فيه ، بالقرب من المكان الذي استُهدف أمس ، منتصف السبعينات اوائل سنوات حياتي الزوجية حتى غادرت العراق الى عملي في الخارج أواخر السبعينات ؛ فيه رزقت باكبر أولادي من الذكور وتعرفنا ، زوجتي وانا ، خلال تلك السنوات الجميلة الى العديد من عوائله الأصيلة ، لذا آلمتني عميقا المصيبة التي ألمّت به في الامس بشكل مضاعف ، كعراقي وكشخص احمل عن المكان ذكريات جميلة وعزيزة لاتنسى .

ذكرني الحدث فور سماع اخباره بالحملة الإعلامية التي كرست لمعركة الفلوجة باعتبارها الترياق الشافي من كل المصائب وفاتحة الفتوح لحل المشاكل الكبرى للبلاد .

في منتصف حزيران الماضي نشرت مقالتي عن حملة الفلوجة العسكرية في نفس الموقع تحت عنوان ( الفلوجة … هل صارت عنوانا لمرحلة ؟! ) ، عبرت فيه عن نوع من الدهشة التي تعامل بها البعض مع الحدث ” كما لو كانت – الفلوجة- عنوانا لمخاض سياسي كبير ” يعيش فيه البلد ، وتساءلت عما اذا كانت معركة الفلوجة إيذانا ببدء عملية سياسية كبرى على أساس ان الفلوجة معوقها ، وانه ما ان يزال هذا المعوق فسيتم الشروع بإعادة لم الشمل ورص الصفوف وتسوية الخلافات ؛ تساءلت حينها عن الرابط العضوي بين معركة الفلوجة ونشوء المشكلة السياسية في العراق ، هل ان الفلوجة سبب لهذه المشكلة حتى يكون تحريرها عنوانا للحل ام انها ، وهو واقع الحال ، نتيجة من نتائج الوضع السياسي الإشكالي القائم .

في مقالتي تلك قدّرت ان المعركة ليست سوى واحدة من سلسلة معارك يتعين خوضها لتخليص البلد من تنظيم داعش ولكنها لن تكون حلا للمشكلة السياسية ؛ نبهت في حديثي ان هنالك مشكلات اخرى تتراكم في الأفق وأشرت الى كردستان وان احاديث جادة بدات تروج حول التقسيم رغم قناعتي ان ما سينشأ عن التقسيم من مشاكل هو اكثر مما سيتم حله ؛ قد يبدو هذا الاستنتاج مطمئنا باتجاه انه مامن طرف سيسعى لخلق مشاكل يبدو حلها صعبا ومكلفا ، وربما يكون ذلك صحيحا ولكن ماهي ضماناته ؟ .. والكلفة في نهاية المطاف سيدفعها أهل المنطقة او بعضهم ومصالح الكبار مضمونة بوسائل عدة .

ان الصراع الشيعي السني قد استُنًفِذَت اغراضه ولن يذهب اصحاب المشروع لابعد مما ذهبوا حتى الان لان مردوداته الاقليمية المباشرة بدات مباشرة بالظهور وَقّاد الى استقطاب على مستوى المنطقة يمكن لاي مراقب ان يرى الخلل الستراتيجي فيه . ايران وحولها بعض المجاميع المسلحة هنا وهناك وبلدان ممزقان سرعان ما سيشكلان عبئاً اكثر من كونهما غنيمة ، هما العراق وسوريا … في مقابل جبهة عريضة تضم الكتلة الكبرى من العالم الاسلامي وقلبه العربي ؛ صحيح انه لايبدو على قلب رجل واحد ولكنه سيتجه للتماسك بشكل اكبر اذا ماتطورت الأمور نحو مواجهة جدية ، نسمع الأصوات الرسمية والشعبية تتعالى ضد المشروع الايراني في الجزائر وتونس ومصر وباكستان ، كما ان المحور الايراني يخوض الان على المستوى الستراتيجي معركة دفاعٍ عن مكاسب حققها اثر سقوط العراق مباشرة ثم بدات تتاكل بفعل اعمال مضادة بأشكال مختلفة قام بها المحور المقابل حتى ان البعض فسر الموقف على انه استدراج واستنزاف جُرّت له ايران .

وسط هذا التزاحم والتدافع اين هي مصلحة العراق وما هي حسابات السياسيين فيه ، وهنا ينبغي ان أشير لبعض الملاحظات :

١- هذا الصراع الدائر في المنطقة ليس صراع عقائد ومذاهب بل صراع مصالح والطرف الوحيد المستفيد فيه هو عدو الجميع وتحديدا الكيان الصهيوني الذي ابتلع الضفة الغربية وهوّد القدس ويسعى الان لضم الجولان والاهم من ذلك انه حوّل احتلاله الى امر واقع طويل الامد وبعيد عن المناقشة او المساءَلة اضافة الى مخططات اخرى بعيدة ومتوسطة المدى .ان جميع دول الإقليم تتعامل مع الأحداث الدائرة من حولها بروح التفاعل إيجابية مع الأحداث ومحاولة احتواء آية نتائج سلبية قد تطالها وتطال أمنها بمختلف الوسائل ؛ تركيا تعيد علاقاتها مع اسرائيل وروسيا ، وإيران تعبئ قواتها على حدود كردستان العراق ، وإسرائيل تشن حملة دبلوماسية لتأمين تأييد اجراءات محتملة بشان الجولان ، ودوّل الخليج توثق علاقاتها مع القوى الكبرى ويذهب قادتها لزيارة العواصم الكبرى ، الا نحن في العراق فكان همنا الأوحد هو تمشية الحال من يوم الى يوم منتظرين رحمة من رب العزة ومنشغلين بالخرافات وحكايات الجن والشياطين وحساب ثامر السبهان على تويتر !!

٢- ان انفصال كردستان العراق وسوريا بات وشيكا وهو حاصل على ارض الواقع وماهي الا مسالة وقت حتى يعلن بشكل رسمي وسيسارع العالم للاعتراف بالكيان الجديد ولن يستطيع احد منع ذلك ولايمتلك احد أصلا من اصحاب العلاقة المباشرين وسائل تحول دونه ؛ المشكلة ان الكيان الكردي قد ضم اليه بالفعل أراض عربية شاسعة بسبب فراغ القوة فيها وستكون أمامنا فلسطين جديدة لان عمليات ترانسفير واسعة النطاق قد جرت فيها فعلا . اما على المستوى الجيوستراتيجي فإننا ازاء حليف قوي للعدو الاسرائيلي التاريخي سيحل وسطنا ويتحكم في موارد المنطقة المائية واجزاء مهمة من ثروتها النفطية وفي مناطق ضمت دون وجه حق ، فضلا عن روح عدائية على المستوى الشعبي تمت التعبئة عليها منذ وقت طويل .

٣- ان داعش لم تنته بعد ومازال التنظيم يمتلك الكثير من موارد القوة ومحاولات استدراجه نحو معركة فاصلة يوظف لها قدرات جوهرية قد فشلت حتى الان ؛ في الفلوجة كانت عملياته انسحاباً منظماً اكثر من كونها هزيمة واستطاع بتكتيكات ماهرة مراوغة القوات المهاجمة والتملص منها رغم تفوقها ؛ يقال ان عددا كبيرا من آلياته قد دمر بعد انكشاف قافلتين منسحبتين في محيط الخالدية ، الا ان الأنباء تضاربت حول النتائج الحقيقية لعملية استهدافها من الجو ؛ وفي كل الأحوال لم يزعم احد انه تم تدمير اكثر من مئتي عجلة من اصل سبعمائة حسب المصادر الرسمية العراقية والأمريكية ، والامر الجدير بالاعتبار ان ذلك كان صدفة وليس عملا مدبّرا . داعش سيفقد الجغرافيا وهذا امر مؤكد حتى لو طال الزمن ، غير ان قوة داعش ليست في ذلك بل ان تجارب العالم وتجربتنا في المنطقة تعلمنا ان الجغرافيا وضخامة حجم التنظيم تكون احيانا مصدر ضعف للتنظيم وقد يظهر بشكل اكثر خطورة مع اختفاءه عن الخارطة لينتشر بين السكان في المدن والارياف وحتى في المناطق التي تخالفه مذهبيا ؛ ان عوامل قوة داعش الاساسية هي الحالة المتردية وسياسة الاقصاء المذهبي وازدياد الحرمان والتفاوت الاجتماعي والاهم روح العداء التي تخلقها الدولة بين مواطنيها تجاهها .

٤- ان المشكلة السياسية في العراق لم تحل بل انه لم تتم مقاربتها أصلا بل تم ترحيلها بعد اختزالها في عملية ترقيع وزارية بائسة تحت ذريعة أسبقية المعركة مع الاٍرهاب ، دون الاعتراف بان ذلك تحديدا هو منتج الاٍرهاب الرئيسي . ان عدم الاستقرار السياسي واستشراء الفساد بشكل غير مسبوق ليس في العراق فحسب بل على مستوى كل مانعرفه من تاريخ الفساد في الدنيا هو المادة التي يتغذى عليها الاٍرهاب وهو مايقوم بفعله ساسة المنطقة الخضراء باسم الدولة بشكل يومي وبإصرار غريب . ان الزعم بان رئيس الوزراء اصبح في موقع قوي يمكنه من فرض اجندته على القوى السياسية المناكفة ليس صحيحا لان انفجارا واحدا مثل انفجار الكرادة أمس كفيل بتدمير كل المكاسب المعنوية التي يمكن كسبها من معركة عسكرية يفترض انها ناجحة .

٥- ان الإصلاح صعب في الوقت الحاضر ولكنه سيُصبِح مستحيلا بعد وقت ليس بالبعيد مع تغول قوات مسلحة غير نظامية تزداد هيمنتها على قرارات الدولة يوما بعد يوم واعني تحديدا قوات الحشد الشعبي . لاينفع هنا القول انها اعتبرت من قبل القائد العام للقوات المسلحة قوات نظامية لان ذلك لن يغير من جوهرها وحقيقة ولاءاتها او نظرة قطاع واسع من المواطنين العراقيين لها ؛ ناهيك عن كون قرار القائد العام غير دستوري بحكم المادة ( ٩ اولا -ب ) من الدستور وان انشاء فروع جديدة للقوات المسلحة يحتاج لقانون لم يصدر ، وما خصص في الموازنة العامة للدولة للحشد الشعبي مشروط بصدور قانون الحرس الوطني الذي حالت القوى السياسية التي تقدم الغطاء له دون صدور هذا القانون .

٦- ان استمرار احادية العلاقة الخارجية على مستوى الإقليم مع ايران امر يضر بمصلحة العراق وبأمن المنطقة ومستقبلها واستقرارها . تاريخيا شكل العراق عامل توازن هام بين قوى المنطقة الكبرى كإيران والسعودية ومصر والسعودية وإسرائيل ؛ كان العراق ضمانة عدم هيمنة اي من هذه القوى على المنطقة بل انه شكل عامل ردع امام اي تفكير او طموح بهذا الاتجاه وقد كانت الدبلوماسية والتسلّح والقوة هي أدوات العراق فيما مضى ، لكن حقائق الجغرافية السياسية يمكن ان تُفَعّل من جديد بوسائل الدبلوماسية وحدها وستحظى بتقدير الجميع . لقد ظلت دول مثل سويسرا والسويد والنمسا عناصر توازن واستقرار في محيطها من خلال حياد صارم التزمت به وأعلنته وتم احترامه وتكريسه دوليا بل واصبح من لوازم اللعبة الدولية الكبرى خلال الحروب العالمية التي عمت أوروبا مرتين ، وان العراق باعتباره ملتقى المذاهب والأديان والاعراق في المنطقة قادر على تكرار هذا الدور بما يؤمن له الصداقة مع الجميع . الم نتعلم من الدرس القريب الذي عشناه خلال عقدي التسعينات ومطلع الألفية ؟! . هذا الدور الذي نقترحه ليس بدعة في تاريخ العراق فعلى مستوى الإقليم كانت البلاد تسير بهذا الاتجاه منذ تأسيسها وقد أقامت باستمرار أفضل العلاقات مع تركيا وإيران والسعودية ومصر وكانت عامل استقرار مهم في الإقليم حتى تولى الهواة من كل الاطياف قيادتها ودمروا كل تقاليدها الدبلوماسية .

هذه مجموعة ملاحظات حظرتني وانا استرجع احداث الكرادة الدامية واخشى ان تكون هذه العملية بداية استراتيجية بديلة سيبدا داعش بانتهاكها ، ومن المؤسف ان كل شيء في العراق وبفضل السياسات العمياء التي تنتهجها المجموعة السياسية الحالية بكل تفرعاتها يؤمن الأجواء والاسباب بل والوسائل لمساعدة داعش في الوصول لأهدافها . اضحكني خبر سمعته قبل قليل مفاده ان رئيس الوزراء امر بسحب جهاز كشف المتفجرات اليدوي الذي صار موضوعا للسخرية منذ سنوات وتم محاسبة منتجيه في بريطانيا ومازال المسؤولون في وطننا يعتمدونه ، ولم نسمع ان احدا ممن قام بعقد صفقة شرائه قد تمت محاسبته ؛ بهذه العقلية نريد حماية وطننا وأبناءه .

لايعرف المرء ايضحك ام يبكي ازاء هذه المهزلة ،،،،،

المقال السابقحل الدولتين!
المقال التالىعجيب امور غريب قضية
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. Avatar حسن متعب

    نقاط التحليلية التي اوردها الاستاذ العزيز فائز السعدون دقيقة وواقعية، فالاصلاح بات مستحيلا والازمات تم ترحيلها وداعش فكر وتنظيم لن ينتهي بسهولة وسيتنقل من مكان لاخر وسيستمر في ضرب المدنيين في العراق، المشكلة ان القائمين على الامر يتفهمون كل هذه التحديات ولكنهم لايملكون حلا لها لانهم في الاساس ليسوا اصحاب القرار وانما عبارة عن دمى وضعت لتمرير مشاريع الهيمنة والاذلال.. تحياتي استاذي العزيز

  2. Avatar هشام أبو أحمد

    تحليل واقعي ودقيق لما يمر به العراق الآن ، واسمح لي أن أقول أنه ما دام السلاح بيد من هم خارج سلطة القانون فلا ترجو إستقراراً للعراق على مدى العقود . الحكومة فاشلة لكونها لا تتجرأ على نزع سلاح الميلشيات لأسباب باتت معروفة للجميع وهي تكمن في أن الحكومة ولاؤها ليس للوطن بل لجهات أجنبية تتربص بالعراق شراً لأسباب طائفية مقيتة.

اترك رد