أربعة كلمات وقصيدة هايكو

 
أربعة كلمات وقصيدة هايكو.. للكاتبة روضة السالمي #ابداع #تونس
لوحة للفنان علي رضا سعيد

سقطت مريم في البئر.

سبّب التفكير في ما سبق سقوطها وما تلاه للكاتب والشاعر في نفس الوقت ألما فضيعا في رأسه.

لذلك فقد أزاح لوح المفاتيح بعنف من أمامه بعد أن خطّ بواسطته الكلمات الأربع الأولى وهي خلاصة ليالي طويلة من العذاب.

العذاب بالنسبة إلى كاتب مثله هو أن تأتيه الفكرة مكتلة في ذهنه في أكثر الأوقات غير الملائمة للكتابة.

ما أكثر ما كانت تراوده أجمل الأفكار وأكملها ليلا، فيمنعه إغواء السرير الدافئ عن نزع اللحاف والجلوس إلى الحاسوب ليسكبها طازجة فائرة على الوورد.

يعوّل أحيانا على ذاكرته فيضع الفكرة المبتكرة في الجزء العلوي من برّاد خيالاته إلى أن يأتي الصباح ممنّيا النفس بسهولة استعمالها بعد أن يزيل عنها الجليد. وكثيرا ما كان ينساها حتى تتحوّل إلى مكعّب من الجليد فاقد للصلاحية.

كما أنه من الوارد جدا أن تخترق الأفكار جمجمته الصلبة وهو في أوج ازدحام المرور فلا يقدر على خطّها على الورق.

وهكذا كثيرا ما تمضي الأيام والكاتب لا يستطيع أن يلملم شتات أفكاره وخيالاته، ولا يستطيع التخلي عنها أو تعويضها بأفكار أخرى.

وبينما كان الكاتب يقرّع نفسه على كسلها وتراخيها في الإمساك بالأفكار التي تراوده، واصلت مريم سقوطها في البئر بمعدّل 5 سنتيمترات في الثانية في تحدّ واضح لقانون الجاذبية.

ما إن تجاوزت مريم فوهة البئر حتى تحوّلت كتلة وكثافة جسمها إلى ما يوازي بتلات أزهار الكرز خفّة ورشاقة.

وأضاء البئر الذي بدأت سماء الغروب الشاحب تنأى عنه بوجهها فاكتسب جمالا وإشراقا. ولم يكن ذلك بالأمر المفاجئ.

فقد تزامن سقوط مريم في البئر مع ظهور أولى علامات فصل الربيع في بلد جغرفته بعناية فائقة خيالات الكاتب وأحاطته بسلاسل جبلية ومحيطات وجزر متناثرة حوله مشكّلة ما يشبه حزام كيبلار.

وفيما كانت مريم أو بالأحرى فيما كان جسمها يتهادى في سقوطه البطيء، انسحبت خطوات مسرعة متعثّرة وتراجعت عن فوهة البئر وقد حجب عنها الظلام مصير الجسم الساقط.

كانت مريم تنزل على مهل في البئر المعتم متوجّهة بشكل حتمي نحو أعماق المياه العكرة المترسّبة.

وفي نفس الوقت وبشكل عكسي كان الجسم الفارّ من قرب البئر يواصل مشيه المسرع ليعود من حيث آتى أو ليختار لنفسه طريقا جديدا.

أما الكاتب فقد كان آنذاك يحاول اختصار مشاعره في قصيدة هايكو، يقول فيها:

ليلا رأيت بتلات زهر الكرز

تسقط في البئر متلألئة كعقد من الخرز

وببطء تبتسم لها المياه وتهتزّ

كلّفته كتابة هذه الأبيات من الهايكو جهدا كثيرا.
ليس فقط لأنه كان يكتبها خلسة على حاسوب شركة الوسط والشمال للبنك حيث كان يعمل محاسبا مكلّفا بالنظر في مطالب القروض الصغرى، وإنما لأن زميله، الذي يكنّ نحوه مشاعر متضاربة من الانجذاب والنفور، كان يتحدّث في الهاتف بصوت غطّى على صوت أفكاره. وفهم من خلال كلامه أنه يواعد شخصا ما وأنه سيلتقيه مساء في فندق الغلادياتور قرب نافورة الصداقة العجيبة. لذلك اكتفى بقصيدة هايكو عوضا عن قصيدة من البحر الطويل.

انتظروني مع الفصل الثاني بعنوان ” حفلة تعارف صغيرة على شرف ما كان وما سيكون

المقال السابقرسالة أم : طاقة الحب في مواجهة العوق
المقال التالىايام جدتي وايام الخير
روضة السالمي صحفية من تونس. حازت على الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل لسنة 2009، المركز الأول عن مسرحية "غيمة الأحلام الدائرية". لديها قيد الطبع: مجموعة قصصية "أبعد من اللون" عن دار زينب للنشر والتوزيع و مجموعة قصصية الكترونية "لاشيء في السماء مجموعة مسرحية الكترونية: عصابة جندب ومسرحيات أخرى ل....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد