أنشودة الحياة – الجزء الثاني (نص مفتوح) – ٣٠

 
أنشودة الحياة - الجزء الثاني (نص مفتوح) - ٣٠
لوحة للفنان صبري يوسف

يمورُ  الحنينُ  في مفازاتِ غربةِ  الرُّوحِ
زنبقة سوداء
جذورُها معرَّشة في تلالِ “الدّرباسيّة”
رمتْهَا عواصفُ هذا الزَّمان
في غربةٍ كثيفةِ الاخضرارِ

تصوِّرُ وروداً ورذاذاتِ الصَّباحِ
تعشقُ الزُّهورَ البرّيّة
تهوى نضارةَ الأقحوان ..
وجهٌ يحملُ رحيقَ الزُّهورِ
تتمتّعُ بحياةٍ هادئة
منبسطةٍ على اِمتدادِ بهجةِ الطَّبيعةِ

زنبقةٌ سوداء
نقيّةُ العطاءِ كدموعِ الأطفالِ
متجذِّرة في سهولِ الشِّمالِ
ترعرعَتْ في بيتٍ مِنَ الطِّينِ
على تخومِ الدّرباسيّة
على مقربةٍ من ينابيعِ الفرحِ
على أمواجِ الرَّحيلِ
زنبقةٌ سوداء
متوغّلة في وهجِ الشَّمسِ
هاربة من ظلالِ المرافئِ الخاملة
عابرة هضابَ الغربةِ

تبحثُ عن أنواعِ النَّفلِ
عن قبّراتٍ مختبئة
تحتَ أغصانِ الفرحِ

تلتقطُ صوراً متطايرة من أهدابِ الحياةِ
تخصِّصُهَا لاستراحاتِ مرافئِ العيونِ

زنبقة مسربلة بالخجلِ والحياءِ
تنضحُ حبّاً مستتراً
لقلوبٍ عطشى للربيعِ
لفراشاتٍ حالماتٍ بعشقِ النُّجومِ!

هداهدُ الرُّوحِ طارَتْ
حطَّتْ على أغصانِ القرنفل
تاهَتْ عصافيرُ الجنّة من الجنّة
ما كانَتْ تعرفُ أنَّ الجنّة جنّة
طارَتْ صوبَ القمرِ
اختطفَهَا نيزكٌ من بين وجنةِ القمرِ!

شواطئٌ مفروشةٌ بالدُّفءِ
ملتحفةٌ بمنحدراتِ الفرحِ
تهفو نحوَ حقولِ الشِّمالِ
نحوَ صحارى الشِّمالِ
نحوَ مللِ الشِّمالِ ..

وهجٌ انزلقَ من خاصرةِ ذاكرةِ الشِّمالِ
حيثُ مروجُ الحنينِ تزدادُ سطوعاً
انزلقَ من خاصرةِ الذَّاكرةِ البعيدة
عَبَرَ ظلالِ الرُّوحِ
آخذاً غفوةً بينَ أحضانِ الياسمين ..
أقراصُ العسلِ مجبولةٌ بوهجِ الشِّمالِ

بحارٌ هائجة
تصرخُ في وجهِ الرِّيحِ
أحلامٌ مبعثرة
تتبرعمُ بينَ بتلاتِ الزُّهورِ
صورٌ نابعة من هسيسِ الطَّبيعةِ
من وهجِ المسافاتِ
تخبِّئُ ليالي الشِّمالِ
في تعاريجِ غربتِهَا
تغزلُ من المساءاتِ الطَّويلة
صوراً ناضحةً بالشَّوقِ
إلى مفاصلِ الرُّوحِ!
زهرةٌ بيضاء كقلوبِ العذارى

وشاحٌ بنّي ضاربٌ إلى السُّمرةِ
يعانقُ ضفائرُهَا المتدلّية
على خدودِهَا
في وسطِهَا دائرةٌ صفراء
منقطّة بزهورٍ ناعمة
ملوِّنة بالمرجانِ والنّعناعِ البرِّي

تضحكُ الزّهرة في وجهِ ناظرها
تنطقُ براءةً ..
عذوبةً

زرقةٌ شفّافة فاتحة
بضعةُ بتلِّات غامقة الزُّرقة
في وسطِ زهرةٍ مكثَّفةٍ
بالنَّقاءِ والهدوءِ
تبدَّدَ ضجري
أغصانٌ خضراء
مزنّرة بالشَّوقِ إلى بيوتِ الدّرباسيّة
إلى أزقّةٍ غائصةٍ بالحزنِ

إلى مساءاتٍ بعيدة
إلى قبورٍ نبتَتْ عليها
أوجاعُ الغربة
إلى أخٍ تاهَ في سراديبَ هذا الزَّمان
إلى صديقاتها المتدلدلة
في تجاويفِ الذَّاكرة!

صباحٌ من جليد!

غابَتِ دمعةٌ طافحةٌ من مآقيها
عبرَتْ سهولَ القلبِ
اهتاجَ البحرُ
من خصوبةِ الاشتياقِ!
ثمَّة صورٌ تداعبُ الخيال
تنمو على شواطئِ العمرِ

تحطُّ الطُّيورُ المهاجرة
على أكتافِ المساءِ
تستريحُ من عناءِ الإنتظارِ

تاهَتْ الرّسائلُ
غرقَتْ في أعماقِ المحيطِ
انتشلتْهَا عروسُ البحرِ
جمالٌ أبهى
من اخضرارِ الغاباتِ
أعبق من الزَّيزفونِ

غروبٌ متوهِّجٌ بحمرةِ الشَّفقِ
غيومٌ هاربةٌ من دكنةِ اللَّيلِ
تفرشُ بياضَهَا
على بقايا خيوطِ الشَّمسِ
ملتحفةٌ بوشاحِ البحرِ
…… …… …. يتبع!

المقال السابقكازاخستان بلاد الفنون والجبال والحرية
المقال التالىاوس الشرقي… الجرأة في الابداع في (سيلفي)
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد