يوميات مخرج في مستشفى الرشاد للامراض النفسية – الحلقة الثامنة عشر


 
يوميات مخرج في مستشفى الرشاد للامراض النفسية - الحلقة الثامنة عشر

(( أول فيلم في تاريخ المستشفى ابطاله مرضى راقدين فيها .. ))

وهكذا وجدت نفسي امام عدد هائل من اللقطات المصورة لهذا الفيلم مابين مكررة ورديئة وجميلة وممتازة فصار عليّ ان اكون مونتيرا شجاعا احذف كل لقطة سيئة ترهّله وتشوّه هذا الجهد الكبير , كنت اعمل على برنامج قديم للمونتاج واجلس طويلا امام جهاز الحاسوب أعيد كل اللقطات وأسجّل في دفتر الملاحظات ارقام اللقطات المناسبة واختارها بعناية فائقة وأضعها امامي في البرنامج حتى اذا اصبح عندي ما اريد منها اعود مرة اخرى اختار من بينها الافضل وارجع مرة اخرى اختار المناسب منها من حيث الاضاءة والصوت وزاوية التصوير , استمرت هذه المحاولات لأسابيع وكثيرا ما كان ينتابني السام والممل فاترك كل شيء او اتناسى هذا الفيلم لبعض الوقت واذهب اقرا واشاهد العشرات من الافلام الاجنبية والعربية وأدقق في ادق التفاصيل واعود الى جهاز الحاسوب اعمل بلهفة وشغف , لكن كثيرا ما كانت الكهرباء وانقطاعاتها المتكررة تسبب لي الكثير من المشاكل واضاعة الجهود لكن الاصرار على اكمال هذه المهمة كانت حاضرة دائما والرغبة شديدة . لم تكن المهمة بالنسبة لي سهلة كما توقعتها الصعوبة كانت تكمن في كيفية ربط تسلسل الاحداث وتجميع اللقطات لكل مشهد وربطها مع بعضها وكثيرا ما كنت افقد التركيز وتختلط عندي هذه اللقطات واجد بعض المشاهد التي عملت لها مونتاج تبدو مضحكة جدا ومتداخلة مع لقطات اخرى مما يجعلني احذفها واعيد تنسيقها من جديد . كان عمل المونتاج موزّعا ما بين البيت والمستشفى في البيت اطفىء الكهرباء التي نحصل عليها من المولدة الكبيرة والموجودة في المدينة وهي تبيع لنا الكهرباء على عائلتي كي انجز ما مطلوب وكثيرا ما كنت اتعرض للنقد اللاذع من زوجتي بسبب ذلك واعرّضهم للحر الشديد ومتاعبه بينما في المستشفى كثيرا ما كنت ابقى فيها حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي لنفس الغرض ( كانت الكهرباء تنقطع عنّا لساعات طويلة بسبب رداءتها ) .

وبعد جهد كبير ومضني تمّ اكمال ربط المشاهد مه بعضها واصبح عندي فيلم من اجمل ما يكون تالق فيه المرضى الممثلين أيما تألق .. !
وبقيت مشكلة اضافة الموسيقى والمؤثرات الاخرى على الفيلم فاستعنت بالموسيقى العراقية واخترت المقطوعات التي تناسب كل مشهد وحدث واستخدمت ايضا اضافة المثرات الصورية والصوتية على بعضها . كلما كنت انجز مرحلة معينة من هذا الفيلم كانت تغمرني سعادة كبيرة لانني سوف أكلل جهود اصدقائي المرضى الممثلين بهذا الفيلم الرائع والاول في تاريخ المستشفى ووعدتهم في اخر المطاف سوف اقوم يتوزيع نسخ منه عليهم كي ياخذونه معهم الى اهلهم وذويهم كشاهد على تحسّنهم ومدى الاستفادة منهم بعد الخروج من المستشفى بعد الدعم والاسناد الاجتماعي وانفسي لهم كي يتمكنوا من الاندماج بالمجتمع .

عندما قررت في النهاية عرض هذا الفيلم لاول مرة وبدون وجود اي شخص معي لئلا يكون بائسا ومشوّها ويسبب لى الاحراج , كنت مندهشا جدا وانا اتابعه واتابع المشاهد وهي تتسلسل عذبة رشيقة ورائعة جدا , لم أنمّ الليل وكانت تغمرني سعادة كبيرة واتمنى طلوع النهار كي اذهب للمستشفى واعرض الفيلم على الاطباء والمرضى اصدقائي الممثلين , وفعلا تمّ عرض الفيلم في جلسة علاجية مشتركة وكان يدعو للفخر والمباهات به , وكان القرار ان ناعث بنسخة منه الى معالي وزير الصحة انذاك الدكتور صالح الحسناوي عن طريق المستشار الوطني للصحة النفسية وفعلا تمّ استلامه وعلى اثر ذلك تمّ تكريم الفريق المشرف على هذا الفيلم وهم مدير المستشفى الطبيب الاختصاصي جميل كاظم التميمي والطبيب الاستشاري على العامري المشرف العلمي في المستشفى والطبيب الاستشاري نعمة الياسين الطبيب النفسي المشرف على علاج المرضى الممثلين ومخرج الفيلم ومساعدي المعالج التاهيلي حسين علوان والممرضة فاطمة مولود بمبلغ ( 250 ) ألف دينار لكل واحد منّا وهدايا قيّمة للمرضى المشاركين في الفيلم , وكانت هذه اول مكافئة تصرف من وزير صحة عراقي للكوادر التاهيلية وبهذا المبلغ .

تمّ توزيع نسخ من هذا الفيلم على الاطباء العاملين في المستشفى وكذلك المرضى الممثلين والكادر المشارك وقررت ان اعرض هذا الفيلم في الردهات التي يتواجد فيها هؤلاء المرضى كتحفيز لهم وللاخرين على العمل ضمن برامج العلاج التاهيلي في المستشفى وتشجيع لهم وفعلا كانت العروض اكثر من رائعة وتفاعل اغلب المرضى والمنتسبين مع شخصيات الفيلم .

واخيرا تنفست الصعداء وكنت اشعر والمرضى الممثلين بالزهو والفخر على ماقدّمناه في هذا الفيلم وتمّ تسفير اغلب المرضى المشاركين الى عوائلهم بعدما تحسّنت حالتهم النفسية وقررت ان اعيش بهدوء استجمع قواي بعيدا عن المسرح والمونتاج .

لا تعليقات

اترك رد