آثار العراق الخالدة منارات عزٍ، وفنارات هداية


 
آثار العراق الخالدة منارات عزٍ، وفنارات هداية

لسنا ممّن يرى في التقدم مجرد تتابعٍ بسيط للواقع. وسوانا يجد في التراث.. والتاريخ تتابعاً وتسلسلاً مكروراً للظواهر.

امّا نحن فنراهما: حُقَباً متتابعة من الجهد البشري الإستثنائي، والكفاح الانساني المرير.. صبراً، وصموداً.. ومقارعةً، لتطويق الظروف.. وتركيع الصعاب.. وتذليل العسير.. وليِّ المستحيل، وترويض الزمن، من اجل تسخير الأمور وتمهيد الحياة الحرة الكريمة لبني البشر.

وقد ينظر غيرنا للموروثات كأساطير.. وخرافات بدائية ويتصور الروائع الآثارية، أطلالاً ورُقُماً، وأختاماً، والواحاً.. فطرية. يتعامل معها كأي تحفةٍ صناعية تزين المكاتب، والمعارض، والبيوت الفارهة، بينما نعدّها نحن موسيقىً حجرية أزلية.. بانوراما حيةً طبيعية.. بل نحسبها محاريباً مقدسةً تجسّد فيها ايمان ومعتقد ولا غرابة.. ولسنا مبالغين فهذا نابع من صميم معرفتنا المسبقة بأن هذه الإبداعات الأثرية عُجنت بعرق أجدادنا الغيارى، وشمخت بجهودهم المرهقة.. وتخضبت بدمائهم الزكية ذابت بهم، وذابوا بها وهم ينحتونها بأسنانهم وأظافرهم.. وعيونهم المسهّدة لتنتصب، بزهو حاملةً بصمات عراقيتهم الأصيلة، مشيرةً للذهنية الصناعية المتألقة والذوق المرهف والفكر الوقاد لبناتها الرواد، ودالةً على عمق وشدة الترابط بين الصانع و المصنوع. فإن صمدت على وجه الأديم كانت منارات عزٍ، وفنارات هداية وإن غيبها التراب صارعت الإندثار، وصارت مفخرة المدافن و الأجداث.. تنجذب النجوم لشعاعها الوهاج، وتتصارع الحضارات على الإستحواذ عليها، ويتنافس العلماء على إستكشافها، بها إكتشفنا أسلافنا.. وبها نستعيد ذاكرتنا.. ونكتشف كل يوم الجديد الجديد من أنفسنا كونها تمثل السند الشرعي لذاتنا التاريخية، ولأنها مدعاة فخرنا وإعتزازنا، نستمد منها الحافز المضيء في سعينا الحثيث للحاق بركب الانسانية الزاحف ابداً نحو الرقي، حتى وإن كساها الغبار وأصيبت بالتوقف والجمود.. او تلاقفتها الايدي، وغيبتها متاحف العالم.

فالسومريون، والآشوريون والبابليون.. بناة حضارة فجر الانسان تركوا خلفهم أقطاباً تتمحور حولها كل الإبداعات التي جاءت بعدهم وحاولت جاهدةً محاكاتهم وتقليدهم و إقتفاء أثرهم، فمع ظهور اول الكنوز الأثرية المطمورة تحت أنقاض مدن الإمبراطوريات القديمة في العراق، ومعاول الطامعين تسبق خطاهم نبشاً وبحثاً وتنقيباً بعدما صادروا الظاهر منها طوعاً او كرهاً فقد تابعوا الملك الآشوري آشور ناصر بال الثاني 883-859 ق.م الذي نقل عاصمة امبراطورية آشور من ضفاف دجلة شمالاً الى مدينة “كله” نمرود حالياً وتعاقب عدة ملوك على بنائها وتشييد قصورها ومعابدها، حيث قام البريطانيون بعمليات الحفر والنبش والتنقيب منذ أربعينيات القرن التاسع عشر وانهمكوا بإستخراج كل ما وصلت اليه معاولهم حتى خروج آخر جندي بريطاني من العراق عام 1958، ونقلوا كل تلك الآثار الى المتاحف والجامعات البريطانية ولا تزال هذه المدينة “المنجم” تتحف ضيوفها، ومسترفديها.. وكل من يزيل الغبار عن وجهها الصبوح تتحفهم بعطائها الثرْ من أنفس الكنوز والمقتنيات.

فقد اكتشف علماء الآثار العراقيون في أواخر التسعينيات ثلاثة قبور ملكية غنية في هذه المدينة يرجع تاريخها الى سنة 750 ق.م وعثروا في احد هذه القبور -التي تقع اسفل غرف قصر الملك آشور- على تاجٍ ملكي أعجوبة، صيغ من الذهب الخالص وطُعِمَ بأنفس الأحجار الكريمة النادرة ينُم تصميمه عن ذهنيةٍ حرفيةٍ فذة، وحذاقة ومهارة فائقة، ومخيلة واسعة خلاقة، تعلو هذا التاج الفخم ورقة فاكهة العنب الثلاثية الأطراف تتأرجح من نصلها عناقيد عنب مزدانة بالأحجار الكريمة النفيسة، تتصل الورقة والعناقيد بغطاء على شكل مخلوقات ذوات أجنحة رباعية تقف على صفٍ من الرمان والورود تتناسق أجزاء هذا التاج وملحقاته وتصطف بشكل دقيق وإنسجام رائع يبهر العقول، ويسر الانظار، ويعجز الوصف ويفوق التصور، ولا ادري لماذا ذهلت وإنصرف ذهني عن بقية الآثار وإنصّب خوفي على هذا التاج ان يكون قد سرق مع المسروقات اثناء فوضى دخول قوات الاحتلال الى العراق، بعدما اخبرني زميلي الفاضل الاستاذ سعد حسين ان احدى الجامعات الأمريكية المختصة حددت عمر بعض الأختام الأسطوانية بـ 3500 ق.م وكانت هذه الأختام قد سرقت وهربت فيما هُرّب مؤخراً. والله تعالى وحده والراسخون في سرقة الآثار أعلم بما هُرّب ونُهب!.

كان الأخ الفاضل يروي لي الخبر بغصة ومرارة مما اثار الشجون، وقلّب المواجع.

خاصة بعدما علق زميلنا الفاضل “حسن عبد الوهاب” سرقة آثارنا لن تمحو هويتنا، فبدا لي وكأنه يرثيها، أو كأنه يطيب خاطري بمفردة عزاء رقيقة، أحسست ونحن نناقش الخبر- وكأن جراحنا المندملة قد نكئت.. وجراح العراقيين ينزُّ منها البلسم!.
تلقت جوانحي الموضوع بشغف.. لقاء محرورة الصحراء بالمطر.. لقاء الشرارة بالهشيم!، ومشت خواطري مبهوتة تبعثر السنين الخوالي، تشدني حبال تاريخنا الزاخر بقوة.. لتجلسني على (رحلة) الصف الأول المتوسط، وجهاً لوجه مع الاستاذ (يونس) مدرّس مادة التاريخ القديم- تاريخ بلادك وامتك- وقتها كنا نلقبه (كورش) ولا أتذكر كيف لحقه هذا اللقب وها هو يتحدث عن مسلّة حمورابي وكيف جزئت ونقلت الى متحف اللوفر، أو متاحف برلين ولندن والثور المجنح الذي نقل هو الآخر الى متحف لا اعرفه.. وتاج ملكة أريدو.. وحلي الملكة شبعاد، والُرقُم والاختام، واللوائح السريانية، حضارة سومر وأكد وبابل وآشور تقاسمتها المتاحف العالمية..

وبأنفاس محبوسة، وأصوات متهدجة سألناه بحزن كظيم.. ببراءة طفل نهبت لعبته الثمينة من بين يديه.. كيف .. لماذا؟!.
يرمي المدرس (يونس) الطبشور من يده بعصبية، ويضرب كفاً بكف فيتطاير غبار الطباشير على وجهه وبدلته الأنيقة، ثم يعقب متحسراً”ليس هذا فقط.. سيوف الخلفاء .. والأئمة والقادة.. ودروعهم، ومقتنياتهم، لا بل حتى المخطوطات من المصاحف والاناجيل والعهد القديم ونهج البلاغة، والصحيفةالسجادية، ومختلف العلوم، ونفائس ودرر مقتنيات الملوك والأمراء توزعت بشكل( فرهود ) على متاحف العالم وقصور السلاطين والنبلاء!!”.

ونزداد حنقاً.. ونتحرق غيضاً متسائلين باستغراب ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة؟!.. يطرق استاذ (يونس) ويقول بصوت خافت وكأنه يهمس بسر: “الحمد لله على بقائها حتى وإن كانت بعيدة عنا، فبعض الهجمات الهمجية على العراق أحرقت الحرث والنسل.. ودمرت وخربت الكثير منها!.. بعدها.. غادر الصف وإتكأ على جدار الممر.. وأشعل سيجارة “غازي” نفث دخانها بحرقة أحسسته يملأ أنفي، أفقت من سرحان خواطري لأجد نفسي بين أسرتي في تحرير الجريدة وكان بودي أن أقول للمدرس يونس أو كورش:
دعْ عنك نهباً صيح في حجراته.. وهاك حديث النهب الجديد، نهب تقاسمته أيادِ متعددة الجنسية.. وأياد عراقية الجنسية، بعد أن اسلمت البلاد الى الفوضى العارمة والهرج والمرج المقصود- قاتل الله الطغيان والاستبداد.. السبب- فضاعت دماء القتيل السليب وتوزع دمه المهروق على الأمم.. وعبرت دروعه وقلائده القارات!!.

بكل هذه المشاعر نؤكد حرصنا على احتضان آثارنا.. وموروثنا بكل تنوعاته وأشكاله.. يعصرنا الحنين شوقاً لفراقها، لا نريد بذلك حصرها في إطار التاريخ الاقليمي.. ولا عزلها عن التفاعل مع حضارات عالمنا الكبير.. لكننا نعتقد ان أي ممارسة أجنبية تجاه موروث يخص شعباً بعينه تعد أمراً تعسفياً سمجاً.. وذلك لأن الاجنبي سيقف في نقطة خارج إطار ذلك الموروث بينما يتمحور أهله حوله كقطب الرحى..فآثارنا- وإن كساها غبار السنين، وأرهقتها عاديات الزمن.. وإن طالتها أيادي التخريب واللصوصية.. وإن عبثت بها مخالب الخبث مقتلعة جدران معابدها لتضع بدلاً عنها بكل صلف ووقاحة أحجاراً دخيلة منبوذة مدنسة وإن ..- ستظل عراقية: سومرية.. أكدية.. بابلية.. آشورية.. عراقية.. وحسبها فخراً تسمر العيون على روائعها وتباهي الجدران والسقوف والمناضد بحملها ألقاً تسرق الاضواء عن كل التحف التي تجاورها، وتضفي بهاءاً على الاماكن التي حلت بها. تتنافس الامم على إقتنائها ولا تجرؤ على نكران عراقيتها وأصالتها:

وحسبنا عزاءاً أنها هويتنا.. العراقية. وبصرف النظر عن الاتجاهات الاربعة.. والابعاد الستة التي احتضنتها.. خارج خطوط الطول والعرض التي احتوتها في دارة الشمس .. أو في هالة القمر!.

لا تعليقات

اترك رد