الفيلم السياسي وسينما مابعد نكسة 67

 
الصدى - افلام بعد النكسة - ياقوت الديب
فيلم القضية 68

“القضية 68” نموذجا

زلزال ضخم ، وصدمة هائلة ، وهزيمة مريرة ، ومفاجئة مذهلة ، وتركة ثقيلة ، تنوء بحملها جبال بحرنا الأحمر الشامخة ، وتعجز عن مواجهتها أهرامنا الراسخة ، وتعكر أحداثها مياه نيلنا المتدفقة … وقل ماشئت من مصطلحات اليأس ، والانكسار ، والهزيمة ، والتردي ، تلك التي لاتفي بغرض وصف ماحدث لمصر في 5 يونيو 67 ، بعد تدمير قواتنا المسلحة في صحراء سيناء ، ونسف طائرتنا الحربية الجاثمة علي الأرض بلا حراك ، وتحطيم وسائل دفاعنا الجوي دون اشتباك ، وضرب كامل مدن القناة الثلاث وتحويل مبانيها لأنقاض وسكانها لأشلاء ، حتي عم الخراب كل أرجاء مصر ، وباتت روح الهزيمة هي الغالبة ، وأصبح الأمل مستحيلا في استعادة الكرامة وإعادة البناء ، وعودة هيبة مصر في عالمها العربي ، ومكانتها في منطقة الشرق الأوسط ، ودورها وسط كتلة عدم الانحياز … ضاعت الثقة وتحطمت الآمال وكسرت النفس. ولم يكن أمام القائد إلا أن يعود لصفوف الجماهير ، ويتنحي عن السلطة السياسية ، بعد اعترافه بالهزيمة العسكرية ، والسقطة الأخلاقية ، وتعريته لغرور القادة العسكريين وصلفهم ، وكشفه أكاذيب الإعلام وخداعه … هكذا كان وقع نكسة يونيو وانعكاساتها علي كل المستويات: العسكرية والشعبية ، وكان لها آثارها الرهيبة علي المستوي: السياسي ، الاقتصادي ، والاجتماعي ، وبشكل مباشر في حياة الناس ونفوسهم.

وكان علي السينما أن تتعامل مع هذا الواقع المؤلم وتتناوله بالتحليل والشرح والتفسير ، وتتصدي له بوسائلها المؤثرة ، بعد أن توفر لها كل الإمكانات الفنية والدعم المباشر من الدولة متمثلا في القطاع العام ، وعلي الجانب الأخر ، توفر لها عددا من صناع السينما وفنانيها ، يفي بتحقيق الهدف من وجود السينما ذاتها ، بالتوازي مع الظروف العصيبة التي تشهد فيها البلاد أحداث مصيرية كبري … كان علي السينما أن تتفاعل مع هذا الواقع وتعكس جوانبه: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وأثاره علي الناس. إلا أن السينما عقب نكسة 67 كان لها رأي أخر ، فعلي الرغم من كم إنتاجها ، بعد النكسة ، الذي وصل عام 1968 وحده إلي 39 فيلما ، بدأت بفيلم “أرض النفاق” إخراج فطين عبد الوهاب عن قصة يوسف السباعي ، نجد أن معظم الأفلام جاء بعيدا عن الهدف ، ومخيبا لكل الآمال والتوقعات ، باستثناء بضع أفلام يمكن وضعها علي استحياء ضمن قائمة الأفلام المعتبرة ، وهي تحديدا: “قنديل أم هاشم” إخراج كمال عطية عن قصة يحي حقي ، “البوسطجي” إخراج حسين كمال ، “المتمردون” إخراج توفيق صالح ، وفيلم “القضية 68” إخراج صلاح أبو سيف عن قصة علي عيسي … باستثناء هذه الأفلام ، ظني أن باقي أفلام عام 1968 جاءت علي شاكلة الأفلام التجارية ، التي تهدف إلي التسلية والترفيه الكاذب ، وتغييب العقل في بعض الأحيان … ربما كان ذلك الاتجاه متعمدا ، وربما تغلبت روح اليأس والهزيمة والانكسار لدي السينمائيين ، علي روح المواجهة مع الأخطاء والسلبيات ، وكشف حقيقة النكسة وتوابعها وآثارها … ربما هذا ، وربما ذاك السبب الذي أبعد السينما عن الواقع والتعبير عنه ، من خلال أفلام علي غرار: “شنبو في المصيدة” ، “السيرك” ، “عالم مضحك جدا” ، “بابا عايز كده” ، “عدوية” ، “عفريت مراتي” ، “ابن الحتة” ، “حب وخيانة” … وغيرها من باقي أفلام عام 1968.

جاءت نكسة يونيو 67 بمثابة زلزال ضخم ، عجز مؤشر ريختر عن قياسه ، وفقدت معه مصر مهابتها   في كل أركانه ، ربما تختلف الآراء وتتباين الرؤى حول مفهوم “الفيلم السياسي” عند نقاد السينما ومنظريها ومبدعي الأفلام وصناعها في أحيان كثيرة ، ويكون لكل منهم وجهة نظره وتفسيراته القائمة علي مدي فهمه لمصطلح “السياسة” ذاته ، ففي الوقت الذي تصل فيه بعض الآراء للتعميم ، بمعني أن كل الأفلام السينمائية ، تعتبر أفلاما سياسية بشكل أو بأخر ، حيث أنها في النهاية تعكس وجهة نظر في الحياة والواقع المعاش في ظل نظام حكم له أيدلوجيته ومنهجه الفكري وممارساته علي الأرض … هناك من يبعد عن التعميم ، ويحدد معالم واضحة للفيلم السياسي ، لايمكن توافرها فيما عداه من أشكال أخري مثل أفلام الواقع الاجتماعي ، أفلام المغامرات والحركة ، الأفلام الاستعراضية ، الأفلام الرومانسية و العاطفية … إلي غيرها ، وهناك من بقول مثل المنظر السينمائي “أ.ن كازاجانوف“: ” أن “الأفلام السياسية ، تلعب فيها الأحداث والنزاعات والخلافات السياسية دورا رئيسيا ، وبذلك تكون السياسة هي مضمون الفيلم” … نحن نتفق مع عدم التعميم ، ونجزم أن لكل فيلم معالمه وعلاماته التي تضعه ضمن مفهوم أو مصطلح خاص ، لالبس فيه ولاغموض ، تجنبا للخلط وسوء الفهم. والرأي عندنا أن الفيلم السياسي يعني الفيلم الذي يتصدي بالرأي في مواجهة أيدلوجية نظام حاكم ، يقيد حرية الرأي والفكر والتعبير والإبداع ، سواء عن طريق: الكلمة المكتوبة أو المسموعة أو العمل الإبداعي الفني: سينمائي أو مسرحي أو تشكيلي أو غير ذلك من وسائل التعبير، التي تتخذ من النقد الموضوعي لممارسات هذا النظام أو ذاك ، وسيلة للدعوة أو التحريض في بعض الأحيان ، علي الثورة وتغيير نظم الحكم المستبدة ، بالوسائل الناعمة وبالحوار ، قبل التحول للمواجهة بالعنف وفرض القوة ، والعودة لشريعة الغاب.

والمتأمل لتاريخ السينما المصرية الذي تعدي المائة عام ، لاتعوزه الفطنة في إدراك أن الفيلم السياسي تحديدا يعود تاريخ إنتاجه لعام 1939 بفيلم “لاشين” إخراج فريتز كرامب. وعلي الرغم من مرور أكثر من سبعين عاما علي ظهور هذا الفيلم ، إلا أن حصيلة إنتاج مثل هذه النوعية من الأفلام جاءت لاتتفق علي الإطلاق مع الأحداث الكبري التي مرت بها مصر عبر تتابع الأنظمة الحاكمة التي كان لكل منها أيدلوجيته في الحكم ، فقد كانت الحصيلة لاتتعدي خمس وعشرين فيلما فقط ، خلال مراحل: ماقبل ثورة يوليو 52 ، ثم المرحلة الناصرية (1952 – 1970) ، حقبة حكم السادات (1970 – 1981) ، وانتهاء بفترة حكم مبارك … وقد يقول العض أن هذا الرقم غير صحيح ، والصحيح هو أن هناك من يدرج بعضا من الأفلام التي تتناول عرضا حدثا أو قضية سياسية عامة بشكل عابر أو غير دقيق ، في إطار قصة حب رومانسية أو التعبير عن واقع اجتماعي معاش ، ألا أن هذا لايعني أن هذه الأفلام ينطبق عليها مايطلق عليه مصطلح “الفيلم السياسي” ، ومن هنا نزعم أن السينما المصرية شحيحة إنتاج هذه النوعية من الأفلام.

وثمة ملاحظة نظن أنها لاتقل في أهميتها عن ملاحظتنا سالفة الذكر ، وهي أن الأفلام السياسية التي جاء إنتاجها في ظل الحكم الملكي ، تحسب لأصحابها ، علي الرغم من تعسر عرضها أو محاولات منعها ومصادرتها ، وعلي الرغم من مستواها الفني المتواضع في هذا الزمان ، إلا أنها بلا شك كانت بمثابة إرهاصات للفيلم السياسي المصري ، ولعل أبرز هذه الأفلام: فيلم “لاشين” عام 1939 إخراج الألماني فريتز كرامب من إنتاج ستوديو مصر ، الذي قدم الحوار له شاعر العامية الكبير أحمد رامي ، الذي يعبر عن قصة الحاكم الظالم المستبد . وفيلم “من فات قديمه” عام 1943 إخراج فريد الجندي ، الذي تعرض بالنقد لشخصية رئيس حزب الوفد وحرمه ، وفضح انتشار الرشوة والمحسوبية وتوزيع المناصب في عهد حكومة الوفد. وفيلم “السوق السوداء” عام 1945 إخراج كامل التلمساني الذي يدور حول تجار السوق السوداء المتمثلون في البقال والفران والترزي وغيرهم من مصاصي دماء البسطاء. فيلم “العامل” عام 1948 إخراج أحمد كامل مرسي ، الذي يفجر قضية العلاقة بين العامل وصاحب العمل في ظل القوانين الظالمة التي تهدر حق العامل في الأجر الكريم وتجرده من إنسانيته وتبيح حق استغلاله.

وفي فترة الحكم الناصرية (1952 – 1970) ، التي كانت تحكمها الشرعية الثورية ، بعد التحول للنظام الجمهوري والقضاء علي النظام الملكي ، وماقد يسميه البعض بالحكم الشمولي ، أو حكم الحزب الواحد في مرحلة لاحقة … شهدت السينما المصرية العديد من الأفلام ذات الصبغة السياسية التي تدور مضامينها جميعا حول قضايا الحرية والديمقراطية والتعبير عن الرأي ، إلي جانب القضايا الاجتماعية للمجتمع المصري ، وبشكل خاص قضايا الإقطاع في الريف واستغلال النفوذ والسلطة ، ويأتي علي رأس هذه الأفلام: فيلم “القاهرة 30” عام 1966 إخراج صلاح أبو سيف ، “القضية 68” عام 1968 إخراج صلاح أبو سيف أيضا ، “المتمردون” عام 1968 إخراج توفيق صالح ، “ميرامار” عام 1969 إخراج كمال الشيخ ، “شيء من الخوف” عام 1969 إخراج حسين كمال ، “غروب وشروق” عام 1970 إخراج كمال الشيخ ، وفيلم “الأرض” عام 1969 إخراج يوسف شاهين. واللافت للنظر هو أن غالبية هذه الأفلام جاءت لتنتقد فترة الحكم ماقبل ثورة يوليو 52 ، باستثناء فيلمي: “القضية 68” ، “ميرامار” الذين تعرضا لانتقاد نظام الحكم الناصري ، وسيطرة الحزب الواحد ، ولم يمنعا من العرض أو يتعرضا للمصادرة في عهد عبد الناصر نفسه.

وفي مرحلة الحكم في عهد أنور السادات (1970 – 1981) ، التي تميزت بظهور مايسمي بالمنابر السياسية كمقدمة لإقامة الأحزاب السياسية ، كما شهدت ماسمي بظاهرة الانفتاح الاقتصادي والاقتصاد الحر ، وغيرها من أيديولوجيات الحكم وآلياته … شهدت السينما المصرية إنتاج عدد من الأفلام السياسية التي كانت موجهة بالدرجة الأولي لانتقاد فترة حكم عبد الناصر ، والممارسات الخاطئة وانحرافات بعض المسئولين الكبار في أركان نظامه ، والتي تمثلت في قضايا: الرأي وحرية التعبير ، مراكز القوي في السلطة ، وقضية نكسة 67 ، حرب الاستنزاف بعد النكسة … تناولت السينما تلك القضايا في عدة أفلام من أهمها: فيلم “ثرثرة فوق النيل” عام 1971 إخراج حسين كمال ، “أغنية علي الممر” عام 1972 إخراج علي عبد الخالق ، “أبناء الصمت” عام 1974 إخراج محمد راضي ، “العصفور” عام 1974 إخراج يوسف شاهين ، “زائر الفجر” عام 1975 إخراج ممدوح شكري ، “الكرنك” عام 1976 إخراج علي بدرخان ، “عودة الابن الضال” عام 1976 إخراج يوسف شاهين ، “المذنبون” عام 1976 إخراج سعيد مرزوق ، “التلاقي” عام 1977 إخراج صبحي شفيق ، وفيلم “طائر الليل الحزين” عام 1977 إخراج يحي العلمي. ومن الطبيعي أن يشهد إنتاج تلك الأفلام قبولا لدي السلطة الحاكمة في عصر السادات ، لمجرد أنها تتعرض بالنقد الذي يصل لحد القسوة لنظام سابق علي نظامه.

ونصل إلي فترة حكم مبارك (1981 – 2011) التي امتدت لقرابة الثلاثين عاما ، وعلي الرغم من طول هذه الفترة إلا أن السينما المصرية شهدت إنتاج أقل القليل مما يمكن تسميته بالأفلام السياسية ، لأسباب تحتاج للبحث والدراسة ، وعلي الرغم أيضا من أن هذا العصر شهد أسوء تحولات في المجتمع المصري علي المستوي: السياسي ، والاقتصادي والاجتماعي ، لعل أبرزها: التدمير الكامل للقطاع العام وفرض نظام الخصخصة ، زواج المال والسلطة الغير شرعي ، إدارة ملف لتوريث الحكم في جمهورية هي أقدم الجمهوريات في العالم العربي ، التقارب المصري الأمريكي لصالح العدو الصهيوني ، فقدان هيبة مصر في عالمها العربي ، الفساد العام في كل أجهزة الدولة ومفاصلها ، وانتشار الرشوة والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص ، ظهور العشوائيات وساكني القبور ، انتشار أمراض السرطان والفشل الكلوي والكبد الفيروسي ، وغيرها من القضايا التي عادت بمصر لعصور الرأسمالية المتوحشة ومجتمع الطبقية والتمييز.

وقد شهدت السينما المصرية إنتاج بضع أفلام ، ربما تنتمي إلي الأفلام السياسية ، إلا أنها لم تكن علي مستوي القضايا الكبري التي يئن منها المجتمع ، ومن أبرزها: فيلم “أهل القمة” عام 1981 إخراج علي بدرخان ، “الغول” عام 1983 إخراج سمير سيف ، “البداية” عام 1986 إخراج صلاح أبو سيف ، وفيلم “العصابة” عام 1987 إخراج هشام أبو النصر ، الذي تمت مصادرته ومنعه من العرض بحجة إدانته لاتفاقية “كامب ديفيد” وانتقاضه لنظام حكم السادات ورفضه لدعوة التطبيع مع الكيان الصهيوني.

يبقي أن نشير إلي أن هذه الأفلام جميعها ، لم ترتق بعد لمستوي الفيلم السياسي ، الذي يعبر بصدق عن قضايا المجتمع السياسية ، ونعني إحداث القوة التأثيرية في نفوس المشاهدين ، باستثناء النذر القليل منها … فهل نعيد النظر في شكلها ومضمونها؟ أشك.

                                                 

لا تعليقات

اترك رد