دروس رمضانية في الخيمياء: غيبوبة إكلينيكية (6)


 
دروس رمضانية في الخيمياء: غيبوبة إكلينيكية (6)

وفي اليوم التالي عادتِ السيّدةُ خديجة قُبيل ساعة الإفطار بساعة من الزمن، وجلستُ وإياها أرضاً فوق السجّادة الخضراء الطويلة، أمّا جدّي وصاحبه الشّيخ أحمد فبقيا حول المائدة، وفتحنا جلسة النقاش والدرس باكرا هذه المرّة، وحينما رويتُ لهَا حكايتي مع الفقيه أحمد، قالت لي: «أظنّ أنني أعرف سبب عدم احتراق صورة بيان، الفتاة الكاملة الجمال والبهاء!». عندئذ أشرقتْ عينا الشيخ أحمد وقال متلهّفا: «سأكون أسعد النّاس سيّدتي لو حللتِ لي هذا اللّغز»، «أريدُ أوّلا أن أسمع رأي أسماء، ثم بعد ذلك أُسْمِعُكم رأيي المتواضع» قالت السيدة خديجة، وعقّبتُ على ردّها، «أعتقدُ أنّ السرّ يكمن في نوعية ورق الصّورة، أو نوعية عود الثقاب، أو القدّاحة التي استخدمها الفقيه في بيته، أيْ في العناصر التي يتكوّنُ منها ورق الصورة، فمن يدري فقد يكون من النوع غير القابل للاشتعال، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلا حتمَ في طبيعة الشعلة التي أنتجتها القدّاحة أو عود الثقاب، غير هذا فأنا نفسي ليس لي أدنى فكرة عن سبب عدم احتراق الصّورة!»، «هذا إيضاح غير مكتمل الجوانب العلمية عزيزتي أسماء، أمْ تراكِ نسيتِ أنّه ليست وحدها صورة بيان التي لم تحترق، بل كذلك ورقة من دفترك المدرسي، هذا يعني أنّه ثمة سبب آخر وراء هذا الأمر»، قال جدّي وهو يحاول الوصول إلى الجواب الصحيح، وحسناً فعل، لأنه بردّه هذا استحثّ السّيدة خديجة على الحديث بشكل أكثر وضوحا ويسرا ذلك أنّها قالت وهي تستدعي بعضا من الإشارات من الزمن البعيد: «أنا يا ابنتي أسماء أعرفكِ مُذ كنت طفلة لا يتجاوز عمرك الخمس سنوات، لقد كانت ابنتي الوحيدة تأتي مرّة في الأسبوع لمساعدة والدتك في الأعمال المنزلية الكبيرة، وكنتُ من حين لآخر أرافقها لمنزلكم، مما سمح لي بالتقرب منك أكثر فأكثر، فقد أصبحتُ بمثابة أمٍّ ثانية لكِ، وأصبحتُ أسهرُ على شؤونك الصغيرة والكبيرة بعدما رأتْهُ والدتكِ منْ تعلقكِ الشديد بي، وتغيّرتِ الظروف ومرّت السنون سريعة، وتزوجتِ ابنتي واضطررتُ للرحيل معها إلى مدينة أخرى، ومنذ ذلك الحين لم أرَكِ إلا بعد أن مرّ ما يقارب الثماني أعوام، ومع ذلك لمْ أحاول الاقتراب منكِ، خوفا عليك من المفاجأة، وكذلك من قصّة ابنتي الحزينة التي ودّعتِ الحياة وزوجها بعد حادثة سير مروعة، واكتفيتُ بإرسال بعض فقراء حينا إلى بيتك كلّما اقترب شهر رمضان. واليوم وبعدَ الذي رأيتُه منكِ من قوة شخصية وشباب وعنفوان وذكاء وسرعة بديهة، قررتُ أن أروي لكِ كل شيء، وأخبر جدّك وصاحبه عن سبب عدم احتراق الصورة والورقة: إنّ أسماء كثيرة الصلاة على النبيّ وآله، ولقد سمعتُها ورأيتها تفعل ذلك منذ طفولتها البعيدة، وإني لأظنها مازالت كذلكَ، وأنتم تعرفان جيّدا ما للصلاة على النبي من فوائد، ويستحيلُ على جسد أبدا أن تحرقه النار وصاحبه من المصلين على النبي، والأمرُ ليس له أية علاقة بالروحانيات أو الكرامات، وما إلى ذلك من قبيل المعجزات، وإنما الأمر حقيقة علمية لها ارتباط قوي بعلوم الطاقة. والذّكر عبر الصلاة على رسول الرحمة يولّدُ طاقة أو هالة نورانية عجيبة في جسد الذاكر وحوله وبالتالي في كل شيء يلمسه، وهذه الطاقة هي من نوع ((البرد والسّلام))، التي بها حفظ الرحمن إبراهيم (ع) وأنجاه من نيران النمرود، وإني لأظن ابنتَنا اليوم قد بلغت مقام البرد والسلام الذي هو أساس العشق، وهي من باب عشقها هذا، أصبحتْ تفيض بالمحبة على الجميع وإن كانت لا تعرفهم، وبالتالي تتحركُ نحوهم من واجب العناية والرحمة وكفّ الأذى…»، « صدقتِ يا سيّدة خديجة، لا أعرفُ كيف فاتني هذا الأمر، لكن يبدو أنّكِ تعرفين أسماء أكثر منّا جميعا، أكثر من جدّها وأكثر حتّى من جميع أهلها»، قال الشيخ أحمد ثم اختفى جسداً وصورة، واختفى بعدَهُ جدّي، ولمْ يبقَ في الغرفة سواي وخديجة، وبعضٍ من آيات سورة الحديد كنتُ أسمعها قادمة من بعيد. أجل، من مكان بعيد يبدو كأنّهُ بئر وأنا نائمةٌ وسطه. لا، لمْ أكن نائمة، لقد كنتُ في غيبوبة إكلينيكية دامتْ لما يزيد عن العشرين يوما. وكلُّ ما مررتُ بهِ من أحداث، بدءا من لقائي بالشيخ أحمد إلى أن ظهرت السيدة خديجة لم يكنْ له أيّة صلة بواقعي المعيش، وإنّما كان تجربةً عشتُها وأنا ممددة على فراشِ المرض في بيتنا طيلة شهر رمضان من عام 1982، والذي كانَ آنذاك بمدينة أخرى غير تلك التي رأيتُ فيها النّور، وكانتْ والدتي إلى جانبي تبكي ليلا ونهارا، أما أبي فكان لا يكفُّ عن تشغيل شريطيْ سورتَيِ “الحديد” و”طه”، محتاراً هو والأطبّاء في سبب هذه الغيبوبة المفاجئة، والتي أفقتُ منها بشكل مفاجئ أيضا حينما سمعتُ المُرتّل يقول: « يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».
فرحتْ والدتي بعودتي من سفري الغيبوبي كثيرا، لا سيما وأنّها كانت قدْ هيّأت نفسها لسماع خبر موتي بشكل نهائي، فحضّرت كلّ شيء استعداد لاستقبالِ المُعَزّين أيضا. إلا أنّ عودتي قلبتْ كل الموازين، وكنتُ آنذاك أبلغ من العمر عشر سنوات، ولم يسبق لي أن رأيتُ جدّي أبدا، ذلك أنه توفي سنة واحدة بعد ولادتي، ولا أعرفُ حتّى من يكون الشيخ أحمد ولا حتّى السيدة خديجة، إلا أنني أعرفُ جيدا المدينة التي مرّتْ فيها كلّ الأحداث التي عشتُها في غيبوبتي، وكذلكَ المدرسة؛ لأنّهما أصبحتا معاً فعلا مدينتِي الجديدة ومدرستي بعد خمس سنوات مرّت على حياتي من واقعة المرض والغيبوبة.
لمْ أروِ لليوم شيئا عن تجربتي تلكَ لأحدٍ، ولا حتّى للمقرّبين من أهلي، فقد تعلّمتُ باكرا أنّ ما كُلّ شيء يُروى، خاصّة إذا كان له علاقة بالتجارب العرفانية: فتلكَ كانت تجربتي لوحدي، وكلُّ دروسها الخيميائية كانت مُوجّهةً لي، وذاك السّيدُ كان حقا جدّي وفقاً لما كانت تحكيه لي والدتي عنهُ من أوصاف وملامح وكرامات، أمّا الشيخُ أحمد فقد كان شخصاً آخر لم يظهر حقيقة في حياتي إلا مرّتين، مرّة حينما علمتُ أنه زوجُ أستاذتي لمادّة الرياضيات، أيْ حينما كنتُ في السنة الأخيرة من المرحلة الإعدادية، ومرّةً حينما بلغت التسعة والعشرين من عمري، ولقد عرفته في كلتا المرّتين ولا أظنُّه عرفنِي، واحتفظتُ بالسرّ لنفسي. لكن ماذا عن السيّدة خديجة منْ تراها تكون؟
(يتبع في الحلقة القادمة من (دروس رمضانية في الخيمياء))

لا تعليقات

اترك رد