الفساد والوجه الآخر لمعركة الفلّوجة..!


 
الفساد والوجه الآخر لمعركة الفلّوجة..!

الحسم العسكري في معركة الفلّوجة أصبح واقعاً، حتى وإنْ بقيت بعض الجيوب والألغام، واحتمالات القيام بأعمال انتحارية يائسة، إلاّ أن الأمر قد قضي، لكن النصر لم يتحقّق بعد، حتى وإن تمّت هزيمة داعش عسكرياً، ما لم يتم تجفيف المنابع الفكرية والثقافية والتربوية والدينية للإرهاب لاجتثاثه من جذوره، ناهيك عن قطع طرق إمداده وتمويله وملاحقة قياداته لتقديمها للعدالة.
والنّصر لكي يكون وطيداً يحتاج إلى إدامة وأمن وإعادة إعمار ووحدة وطنية ومصالحة سياسية وخطوات عاجلة للتنمية وإعادة النازحين، وتعويضهم عمّا لحق بهم من غبن وأضرار، سواء في الفلّوجة بشكل خاصّ أو لأهالي الأنبار عموماً، وكذلك لأبناء محافظة صلاح الدين، وكركوك وديالى، ناهيك عن التهيئة لتحرير الموصل التي طال ليل احتلالها.

وإذا كانت الحرب هي الوجه الآخر للسياسة، أو حسب الاستراتيجي النمساوي كلاوزفيتز “هي استمرار للسياسة بوسائل عنفية”، فإنها سياسة أولاً وأخيراً، وكثيراً ما تبدّدت انتصارات عسكرية بسبب سياسات خاطئة ما بعد انتهاء الحروب، وأحياناً تنفتح ثغرات جديدة، يتمكّن العدوّ التسلّل منها مرّة أخرى، وهكذا يجد له موطىء قدم بعد هزيمته العسكرية، وهو الأمر الذي حدث مع تنظيم القاعدة وربيبه تنظيم داعش، بعد الهزيمة العسكرية الماحقة التي لحقت به في العام 2008 وما بعده، لكنه عاد وتسلّل إلى مناطق طُرد منها، لأنه ظل يتغذّى من بنية الفساد المالي والإداري المستشري، إضافة إلى سياسات الإقصاء والتهميش، حيث تمّ في جنح الظلام وصول أعداد من سيارات الدفع الرباعي وبضعة مقاتلين من تنظيم داعش قادمين من عمق الصحراء، ليتمكّنوا بكل “ارتياح” ودون مقاومة تُذكر من احتلال الفلوجة، وكأننا أمام فيلم من أفلام هوليوود.

الفساد وفّر البيئة المناسبة لعودة الإرهاب، وكان ولا يزال الوجه الآخر له، يعيش منه وعليه، وهكذا تم احتلال الموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، بعد احتلال الفلّوجة قبلها بنحو 6 أشهر في 2 يناير (كانون الثاني) 2014، وتمدّد داعش إلى محافظتي صلاح الدين والأنبار، وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى، ولكن مرّة أخرى، وبسبب الفساد تمَّ التستر على المسؤولين الذين لم تتم محاسبتهم حتى الآن.

لقد أصبح الفساد بفعل استحكاماته والحصانات المعروفة وغير المعروفة التي يتمتع بها من حُماته، أقرب إلى مؤسسة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، وترافق ذلك مع المباشرة بنظام المحاصصة الطائفية – الإثنية، الذي دشّنه بول بريمر بمجلس الحكم الانتقالي، بحيث تتكوّن زبائنية معتمدة ومتناظرة للجماعات والكتل السياسية.

وإذا كانت الطائفية تمثّل أحد أبرز الإشكاليات الخطيرة التي واجهت الدولة، فإن الفساد وصنوه الإرهاب، شكّلا معولين أساسيين في تدميرها، حيث استفحلا بوجود ميليشيات ومسلّحين وتقاسم وظيفي، سواء كانوا ضمن تشكيلات تعود لأيام المعارضة مثل لواء بدر والبيشمركة التي تحوّلت إلى جزء من الجيش النظامي، أو تشكيلات جديدة، حيث تم تأسيس جيش المهدي كما هي في البداية، ثم تأسست قوات الصحوات ولاحقاً الحشد الشعبي وأبناء العشائر، علماً بأن بعض القوى الجديدة هي امتدادات لكتل وجماعات انشقّت عن بعضها وشكّلت ميليشياتها الخاصة بها.

ومع وجود جماعات مسلّحة خارج نطاق حكم القانون، فإن الفساد استشرى، لا سيّما وأن الحكومة والبرلمان والقضاء والجهات الرقابية هي الأخرى متّهمة به. وقد وصف تقرير بريطاني صدر مؤخراً البرلمان العراقي بأنه أفسد مؤسسة في العالم، بسبب كثرة الأموال والامتيازات التي يحصل عليها عضو البرلمان دون تقديم ما يقابل ذلك من جهد وعمل. وحسب صحيفة ديلي ميل: إن عضو البرلمان يحصل على 80% من راتبه حين يترك عضويته في البرلمان، واعتبرت ذلك قانوناً مفبركاً للتقاعد.

ولا تتناسب رواتب أعضاء البرلمان أو الدرجات الخاصة أو المستشارين وكبار الموظفين، ناهيك عن الوزراء ووكلائهم، والرئاسات الثلاث مع متوسط الدخل الذي يحصل عليه الموظف الحكومي، إضافة إلى الامتيازات المنظورة وغير المنظورة، الأمر الذي أجّج الشارع العراقي، فقام باقتحام المنطقة الخضراء ودخول البرلمان.
لقد بدّد بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وحده وخلال عام واحد (13 مايو/ أيار 2003- 28 يونيو/ حزيران 2004) أكثر من 8 مليارات دولار، وكانت الحكومتان اللتان أعقبته قد أهدرت ما يزيد على 20 مليار دولار خلال أقل من عامين، ولم تسلم حتى مؤسسات المجتمع المدني من الفساد الذي قال بريمر إنه وزع عليه ما يزيد على 780 مليون دولار دون أن يعرف أحد أين ذهبت ووفقاً لأي اعتبار تم توزيعها؟.

وبلغت ميزانية العراق بين العام 2006 ولغاية العام 2014 ما يقارب 700 مليار دولار، لكنه على الرغم من ذلك، فما زالت الخدمات متدنّية مثل الكهرباء والماء الصافي، إضافة إلى الخدمات الصحية والتعليمية، والبيئية والسياحية، وغيرها، إلى تدهور البنية التحتية ومياه الصرف والمجاري، بحيث تكفي زخّات مطر لسويعات كي تغرق بعض أجزاء العاصمة بغداد والكثير من المدن العراقية.
وبسبب طبيعة نظام المحاصصة، فإن الكثير من ملفّات الفساد لا تزال معطّلة، بما فيها ملاحقة المفسدين، ويوجد أكثر من 1000 موظف حكومي رفيع المستوى، بمن فيهم أكثر من 15 وزيراً وعدد من النواب متّهمين بالفساد، لكنه لم تمتد إليهم يد العدالة أو تطالهم المساءلة.

ولأن الحلول التي لجأت إليها الدولة لا تزال قاصرة، ولاسيّما على المستوى السياسي، فإن ظاهرة الإرهاب استمرت مع ظاهرة الفساد، خصوصاً في ظل نهج التهميش والإقصاء. واليوم وحتى لو تمت هزيمة داعش في الفلوجة وغداً في الموصل، وهو أمر حاصل لا محال، لأنه ضد منطق الحياة والتطوّر، إلاّ أن النصر السياسي الحقيقي والمستمر، لن يتحقق دون وضع حد لتأثيراته الفكرية والسياسية.
إن ظاهرتي الإرهاب والفساد ظاهرتان سياسيتان مرتبطتان بضعف الدولة وعدم قيامها بواجباتها المطلوبة، ومن أهمها حماية النظام والأمن العام والحفاظ على أرواح وممتلكات الناس بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية وانحداراتهم الدينية والقومية والمذهبية. ولم تستطع الدولة بالحلول الأمنية أو بالوسائل العسكرية لوحدهما من القضاء على الإرهاب واجتثاث العنف من واقع البلاد، دون معالجات سياسية، تنموية اقتصادية واجتماعية شاملة وطويلة الأمد لاجتثاث هذه الظاهرة، خصوصاً بتوفير فرص عمل وتقليص البطالة وتحسين الخدمات، وإشعار الناس بأنهم أمام مواطنة متساوية ومتكافئة وبلا تمييز.

لا تعليقات

اترك رد