تراث رمضاني

 
تراث رمضاني

لا أدري إن كان ما سأسرده هو تراث منتشر في معظم الدول الإسلامية أم لا ، لكن سأتحدث عنه كما هو في بلدي سوريا وتحديدا مدينة طرطوس، لأني حقيقة لم أجده في الاسكندرية مستقري الحالي …

على الرغم من أن السوريين حاولوا قدر الإمكان نقل معظم العادات والأدوات والوسائل الخاصة بهم حتى تتطابق إلى حد ما مع ما كان في بلدهم ، فكانت المطاعم السورية، والمخابز السورية ، ومحلات الحلويات والمرطبات السورية، لم يفتقد السوريون الأكلات الخاصة برمضان ، كعك رمضان، العصائر ، الحلويات ( قطايف بالجبن ، قطايف عصافيري – كنافة بجبن ، كلاج بالجبن ….).

لكن ما ا فتقدناه حقا هو المسحراتي! مع أن المسحراتي أصلي في التراث المصري ..لكني وعلى مدى أربع سنوات بمصر لم أسمعه ولم أشاهده …! وأظنه إن بقي فهو يجوب فقط المناطق الشعبية .. لا أدري لست متأكدة أيضا من حقيقة وجوده .

أما في سوريا وفي طرطوس تحديدا فما زال يجوب كل المناطق ، ينشد أناشيد رمضانية جميلة فيها مواعظ تحض على السير على نهج الرسول الأعظم ، والتحلي بالأخلاق ،والحض على الصيام والالتزام بآداب هذه الفريضة ، الشيء العجيب أن المسحر ينادي بأسماء كل الأطفال ، يقف أمام كل عمارة وينادي على الأطفال كل باسمه : يا محمد وحد الله ، يا علي وحد الله ، يا سامي وحد الله ، ويسلسلهم واحدا واحدا ، يختمها : “يا نايم وحد الدايم”. كنت أستغرب دائما كيف له أن يحفظ أسماء كل الأطفال ؟ نحن في البناية الواحدة ربما أغفلنا ذكر أو تذكر اسم طفل أو أكثر …!

وعند بداية العشر الأخير من رمضان ، ينتهج المسحراتي نهجا آخر ، لا يأتي وحده ، وإنما مع مجموعة من الشباب يسمون ( المودعين ) ينشدون الأناشيد التي تحث الناس على توديع رمضان ، فها هو شهر الرحمة والمغفرة يلوح مودعا ، ويا فوز من أعتق في آخره ، يجوبون كل الشوارع يلتف حولهم وينضم إليهم الكثير من الرجال والأطفال ، ينشدون معهم الأناشيد التي فيها شوق لزيارة المدينة المنورة والكعبة الشريفة، وطبلة المسحراتي هي آلة الايقاع والعزف، وتصدح الحناجر بذكر الله والصلاة على النبي ، النساء لا يفوتن هذه التظاهرة الجميلة ، كلهن على الشرفات والنوافذ ، ويجود أهل الخير بما قسم الله على مجموعة ( المودعين ) من نقود وهدايا.

بعد أن توسعت المناطق وكبرت المدينة ، حدد (المودعون ) برنامج : اليوم في المنطقة (س) وغدا في منطقة أخرى حتى بات الكثير من الأولاد يطلبون من ذويهم أخذهم إلى كل منطقة يتواجد بها المودعين كنوع من النزهة للتشبع والتمتع الكافي بهذه الظاهرة … هذه الأيام اختلف المظهر التراثي قليلا… المسحر مع جوقة المودعين يجوبون الشوارع بسيارة مع مكبرات صوت ويتحلق حولهم الناس .. ومع ذلك بقي المظهر محببا ، لم يفقد من الهالة والرونق سوى القليل، كما لم يفقد الروحانية المميزة لسحور هذا الشهر الفضيل …. رمضان كريم

لا تعليقات

اترك رد