الغواص


 
الغواص
لوحة للفنان عبد السلام عبد الله

علت أصوات الصبية في شارع المحلة و هم ذاهبون الى بيت صديقهم حيث اتفقوا على الذهاب الى الشط لكي يسبحوا هناك في يوم شديد الحرارة خصوصاً و هم كانوا معتادين على الذهاب فلم يمانعهم احد و لا يعترض طريقهم أب او أم لكونهم يثقون بقدرات ابنائهم في السباحة حيث من العيب على ولد يصل بعمر الصبا و لا يعرف السباحة مع الأنهر المنتشرة في كل بقعة من هذه الارض و بالاضافة الى السباحة و الاستمتاع كانوا يأخذون معهم أدوات الصيد و يصطادوا السمك مما ازداد رضا اهلهم لهم حينما يعودون و سلالهم ممتلئة بصيد يكفيهم وجبة غداء ، كان هناك لغط و صياح عالٍ امام بيت صديقهم غازي تأخر عنهم كثيراً لان صنارته ليست في مكانها المعتاد لذلك التحق مع أصدقائه و هو شديد الامتعاض و ساخط على اخوته الذين يلعبون بأغراضه و يضيعونها بأستمرار و رغم وعود أمه بأخبار والدة لجلب له صنارة جديدة الا انه اظهر الكثير من الاستياء و السخط ، قال له مالك ( لا عليك سوف أعيرك صنارتي ) قال غازي ( وانت ألا تريد الصيد ) قال( بلا اريد و لكن اعطها لك ساعة و لي ساعة ) اتفقا و مضيت الى الشط في فرح غامر و مشاكسات بينهم و مشاحنات حتى وصلوا و بدأوا بالسباحة ، كان غازي أكثرهم نشاطاً و حيوية فكان دائماً ما ينافسهم و يتراهن معهم في قطع اكثر مسافة و سرعة لم يخسر منذ ان جاء الى هذا النهر الرائع ، رغم روعته الا انه يحتوي على الكثير من المخلفات و الانقاض التي تنتشر لمساحة واسعة تمتد على طول النهر حتى يَصِل الى البحر لم يكرى هذا النهر العملاق لسنوات طويلة لم تكن هناك مساعي حثيثة لانتشال ما خلفته الحروب المتوالية و المخلفات الصناعية كما انه اصبح يستقبل الكثير من المواد الغير معالجة كيمياوياً التي تصب فيه من المعامل و المصانع و رغم ذلك كان هو المرتفع الوحيد لبهجة الفتيان و راحتهم بالمجان .
تشاحن غازي مع صبي اخر في ان يحقق اعلى قفزةً ثم ذهبوا حيث ألواح خشبية متعامدة على طرف النهر و تعود هذه الأعمدة الى بناية من الخشب تمتد الى وسط النهر كانت كازينوا رائعة يرتادها الكثير من الناس و من ضمنهم المطربين و الهدفين و كانت تقام على ظهرها الحفلات اما اليوم فهي بقايا اطلال على نهر عجوز ، تسلق الصبيان العمود الى قمته لغرض القفز الى النهر و قبل ذلك تلقيا تحذيراً من بقية الأولاد الا أنهما كانا مصّرين على اداء هذا التحدي متجاهلين تلك التحذيرات التي أكدت على انها منطقة غير نظيفة لكثرة المخلفات و العوائق من النباتات و الطحالب قفز غازي أولاً و تردد الاخر في القفز منتظراً غازي للخروج من الغوص لكن غازي لم يخرج و مر الوقت الى ان قضت دقيقة و نصف و تمدد الى دقيقتين و الى ثلاث دقائق نزل الصبي و على عجل دخل سابحاً الى البقية و اخبرهم ان غازي لم يطفوا بعد ان قفز الى الماء ذهبوا الى هناك و فتشوا كثيراً حتى تملكهم اليأس ثم هادوا بخيبة أمل و ازدادت حينما خرج صديقهم الذي يجيد الغطس و الغوص و لم يفلح بأيجاده إذن عليهم الذهاب و اخبار أهله بأسرع وقت ممكن .
تجمهر اصحاب المحلة حول بيت ابو غازي الولد المفقود في النهر يواسون الاب و يتعاطفون مع الام التي تملكتها نوبات هستيرية بعد سماع النبأ المفجع ركضت حافية الى وجهة النهر و هي لا تعي على نفسها الى ان لحقوها أبناء الحي و نقلوها الى المكان بسيارة جارهم و كانت هناك الشرطة النهرية تبحث عن الولد الغريق و هم يحققون مع الصبي الذي كان معه حيث أدلّهم على المكان الذي قفز اليه و رغم البحث من قبل غواص الشرطة الا انهم لم يعثروا عليه استمر البحث لمدة يومين بعدها أعلنت الشرطة انها لم تجد شيء و يعتبر الولد ميت و قد جرفه التيار فأغلق البحث و التحقيق أقيم مجلس عزاء بعد اليأس من وجودة بوسط قناعة تامة في انهم لم يجدوا جثته حتى جائت امرأة عجوز و قالت لام غازي يا ابنتي ان أعلنا في السابق اذا غرق ابنهم و لم يطفوا فأن ام الولد تذهب في وقت الغروب الى مكان الغرق و تنادي ولدها ثلاث مرات تكررها ثلاث ايام بعدها يطفوا كرامةً من الله جربي يا ابنتي و لم تخسري شيء ، ذهبت فعلاً الى النهر و كررت ذلك ثلاثة ايام لكن لا جدوى مما زاد من أزمة الام النفسية و كادت تجن و قد ارتأى زوجها ان يستعين بغواص لديه الخبرة في هذا المجال و فعلاً ذهب الى مكتب غواص أشاروا آيه أصدقائه مأكدين حرفيته في مجال عمله و انه كان غواص في الجيش و يخبر هذا النهر بما فئة من مخلفات داخل أعماقه توجه اليه ثم اخيره بالأمر و وفق العمل لكن بأجر باهض لكونه طلب مئة الف دينار لليوم الواحد و رغم المحاولات لتقليل المبلغ الا انه كان يزداد اصراراً حتى رضخوا للامر و اتفقوا معه .
لهذا الغواص قدرة في البحث و خبرة في مجال عمله حتى اصبح من إعلام الغواصين في البلدة فكل مهمة يكلف بها كان النجاح حليفه و حسب ما يدعي انه يصبر على عمله و لا ييأس أبداً فرغم طول الفترة الا انه يجد دائما ما يبحث عنه و في اول يوم لا بل في اول ساعة عثر على جثة الصبي و هي مطمورة في وحل النهر حيث عندما قفز الولد الى النهر كان سريع جداً بحيث وصل الى القاع و غرست يداه في الطمأ و الطحالب فلم يستطيع إفلات يديه من ذلك الشرك و الغواص وجده في وضع قريب للإفلات منه و الصعود نحو السطح لذلك ربط الولد بحبل و ثبتها في أسفل القاع حتى لا يطفوا و الغاية هي انه يريد ان يمدد الوقت اكثر للحصول على مبلغ محترم بتأخير البحث ثلاثة او أربعة ايام ، مضت الساعات و الكل يترقب خروج الغواص بنتيجة ما غير انه خرج بالسلب و قال لم افلح في إيجاده انها منطقة كثيرة المخلفات حتى أني وجدت هناك لغم بحري خطير ربما ينفجر في اي لحضة قبض المبلغ المتفق عليه لهذا اليوم و خرج مع صديقة لينفقه في شرب الكحول حيث كان مدمناً على احتساء ذلك المنكر قال له صديقه ( الخطة ذاتها إذن ربطت الجثة جيداً ) ( نعم . لحقتها قبل ان طفلتها الطين لقد كان مغروساً في الطين و الطحالب و التيار كاد ان يفلته و يطفوا لكن حظي جيداً فقمت بربطه حتى احصل على مبلغ جميل ) ( و ماذا اذا قاموا أهله بوقف البحث ( ههههههه .. يبدوا انك نسيت دهائي و مكري ، لقد حصلت على هذه السلسلة من رقبة الصبي و هي سوف تطيل امد البحث عندما اقدم لهم هذا الدليل سوف يصرون علي بأن ابحث عن الجثة فمن يجد سلسلة صغيرة سوف يجد جثة كبيرة . ههههههه)
قدرة الفلوس عجيبة جداً لدرجة ان الحصول عليها قد يذهب اما ماء الوجه او القيم الانسانية التي تكفل الانتماء الى عالم الانسان المثالي الذي الكل يطمح الوصول اليه لكن بذرة الشيطان سرعان ما تنموا و الفلوس هي واحدة من أساليب الشيطان في ان يفقد البشر قيمه و نبل فطرته السليمة و ما كان من الغواص ان يعمل بمبدأ الشيطان المنافي للانسانية و تجريد الضمير و السلوك الحسن و الغريب ان ما يجمع من أموال بهذه الأساليب النتنه تذهب الى الإنفاق في أشياء نتنه ايضا و دليلنا ان الغواص بالجرم الذي ارتكبه كسب أموال تعفنت من سوء نواياه الى انفاق في دروب عفنه مثل الخمر و القمار و البغاء .
قدم القلادة الى الاب و الام فأنهارت الام و لم تتمالك نفسها مما أظطر الاب للتوسل لذلك الغواص في إيجاد جثة ابنه انه الفوز ببعض النقود و قد طفح ذلك المكر من عينيه مما اثار شك صديق العائلة المنكوبة ( كيف لهذا الغواص ان يجد سلسلة و لم يجد الجثة وسط هذا ألكم من المخلفات و الطحالب حسب ادعائه انه شيء مقلق و مثير للشك ) اقتاد الشك هذا القريب الى التحقيق في امر مريب و بعد جلسة مع الاب اتفق ان يجلب غواص آخر بعد انتهاء الغواص الاول من الغطس و ذهابه جاء الغواص الجديد و نزل الى النهر و هم ينتظرون و بعد وقت قصير خرج الغواص و معه جثة الصبي .
قال( لقد كان يربطه بحبل مثبت في القاع حتى لا يجرفه التيار انه ماكر و نذل من اجل المال جعل من نفسه في دائرة الحرام و قد تلاعب بمشاعر الاب و الام المسكينين الله ينتقم منه شر انتقام ) بعد ان افاق الاب من الصدمة ذهب الى ذلك الغواص و أفرغ جام غضبه عليه من ضرب و التنكيل حتى كاد يغمى عليه .

لا تعليقات

اترك رد