حيث مشت خطى اللاجئ هطل المطر وفاح الياسمين

 
حيث مشت خطى اللاجئ هطل المطر وفاح الياسمين

إلى كل من سولت له شفتاه وكل من امتدت يده ليتناول بها الحروف، ليقولها أو يكتبها عن اللاجئ السوري أو عن أي لاجئ كان. ملايين المرات كتبنا بأن اللاجئ ليس بهذا الغباء ليختار أن يكون لاجئاً تحت سوط المطر ولسع الحر وشتى أنواع المرار والقهر؛ لكنها الظروف هي التي زجته ليكون مرمياً على حدود البلاد، ينتظر عطف الجنود وقوانين الدولة ليسمحوا له بالعبور والهرب من الموت والجوع. قبل أن تتفوهوا بكلمة عودوا إلى دفاتر التاريخ وقلبوا في أوراقه وتأملوا في ملياً بملامح الشامية؛ لم يكن السوري يجلس على الرصفات يستجدي الزمن رغيف خبز، ولم يكن يوماً نرجسياً ولم يمنع لاجئاً جاءت به الحرب إلى أرض الياسمين، ولم يتأفف ويغلق الباب في وجه أحد. فتحنا للجميع البيوت وتقاسمنا مع أخوتنا العراقيون والفلسطينيون الديار. تشاركنا لقمة الخبز وقاسمونا المكان بكل حب وبكل ود، وما تزال ذاكرة الجميع تضج برائحة الياسمين والبيت الدمشقي العتيق.

كلما حدث انفجار حيث يتواجد اللاجئون، تذمر أصحاب المكان منهم وتأففوا وانهالوا عليهم بالدعاء والكلام الجارح؛ وكأنهم هم الذين فجروا وقتلوا. مؤخراً وبعد حادث الانفجار في الأردن بدأنا نسمع ونقرأ بعض العبارات المؤلمة من أصحاب النفوس المريضة والبخيلة والتي لا تعرف المحبة والتآخي يلقون اللوم على اللاجئون بأنهم من جلب الدمار إلى بلادهم، وبأنهم أخذوا من حصتهم وأرزاقهم.
اللاجئ السوري حيث وطأت أقدامه هطل المطر وتزين المكان وجعل الحضارة الشامية حيث يعيش، لم يجلس اللاجئ السوري على الرصيف يتسول من أحد، بل وقف وسط الشارع الغريب يبيع ويعمل بكد يمينه، اللاجئ السوري غيّر من مذاق البلاد وأضاف للمكان نكهة خاصة، رسم شكل وطنه في شوارع البلاد العربية والغربية. نقل جغرافية وطنه إلى كل مكان نزح إليه، السوري مخلوق نشط يصنع من اللاشيء شيء، لم يكن عالة إلا من بقيّ في الخيام حيث لا يقدر على العمل ولا يستطيع أن يفعل من شيء سوى الألم والقهر. لكنه حين هاجروا إلى وسط البلاد فتحوا المطاعم الشامية ذات الطعم اللذيذ والشكل المخملي الراقي. أثروا الأماكن ولم يفقروها، زادوها جمالاً لا قبحاً، نشطوا من اقتصاد البلاد التي سكنوها. اذهب إلى السودان وانظر كيف أصبحت أسواقها بعد أن وطأت عليها أقدام السوريون، أذهب إلى مصر لتعرف بأم عينك كيف صار شارع التحرير بعد أن عجت بالمقاهي الدمشقية ودخان “النرجيلا” ورائحة الفلافل السورية والألبسة واللسان الشامي رقيق اللفظ وجميل المنطق. أذهب إلى ألمانية كيف استطاعت العمالة السورية أن تنقل الحضارة الشامية إلى هناك.

أما يكفي أن ظروف الحرب قد عاقبتهم بالنزوح من بيوتهم وأعمالهم، يأتي المتعصبون ليكملوا عليهم بالوجع والتذمر. لماذا على اللاجئ السوري أن يدفع ضريبة الحرب وعليه أن يدفع ضريبة اللجوء. لم كل هذا التهكم عليهم، ألا تخافون أن تعاقبكم السماء بذنوبكم وخطاياكم اتجاه هؤلاء اللاجئون؟ سبق وأن تشرد الفلسطينيون ولم نكترث لهم فأراد الله أن يعرف الجميع معاناة النازح الفلسطيني، ولم نشعر بهم إلا حين أصبح العديد من البلدان العربية نازحون ولاجئون كما أخوانهم الفلسطينيون. ثم تبعهم أخواننا وأهلنا العراقيون. الحرب لا ترحم ولا تذر أحد من شرورها.

أيها النرجسيون، كفوا ألسنتكم عن أخوانكم السوريين، ولا تزروا وازرة وزر أخرى. لا ذنب لهؤلاء اللاجئون بالتفجيرات في الأردن لتقتصوا منهم بسوط ألسنتكم، ولا ناقة لهم ولا بعير بما يفعله السفهاء والمتطرفين. هم بأمس الحاجة إلى حنان قلوبكم وسعة صدوركم، لا إلى كلماتكم الجارحة وارهاصاتكم النفسية. ارحموا عزيز قوم ذل ولا تكونوا أنتم والحرب عليهم. افتحوا عقولكم قبل قلوبكم وافهموا أن اللاجئ مسير إلى ما هو عليه وليس مخير. لا أحد يختار القدر الموجع ولا الحظ القليل. رأفة بهم أيها القساة، فلم يعد فيهم مكان لجراح جديدة. رحمة بمن تكالبت عليهم الأمم وتآمرت عليهم الدول وجلدتهم السماء بالمطر والثلج وأحرقتهم الشمس وأغرقتهم البحار. يوماً وإن طال هذا اليوم سيعود اللاجئ إلى أحضان وطنه ليرتمي على ترابه الكريم بعزة وتنتهي الذلة التي عاشها ويرتاح تحت عرائش ياسمين الشام. ليتكم تستحون كما تستحي السماء من بكائهم ومن أوجاعهم يا من تنامون على أسّرة دافية في بيوت آمنة ….

المقال السابقاهجعْ يا صغير
المقال التالىرسالة الى امراة عراقية ..
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد