الثورة الثقافية العربية القادمة – ج٢

 
الثورة الثقافية العربية القادمة - ج٢

في هذه المرحلة بالذات، يجب التركيزعلى جوهرالأهداف التي ترمي إلى تحقيق أمن الفرد وسلامته كشرط ضروري لوجوده، تحرير المرأة العربية من النزعة الذكورية ومن الموروث الخاطئ الذي يلاحقها، هامش واسع من الحرية الفكرية والإبداعية، محاربة الفقر والجهل وسبل العيش الكريم وإرساء نظام سياسي حر وعادل بعيدا عن الإستبداد والسلطوية.

من أجل صحوة ثقافية جديدة نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جاد يعيد المجتمع إلى سكته الصحيحة، يعيد ترتيب البيت الداخلي من جديد حتى يتسنى له الإنطلاق نحو المستقبل. عقد اجتماعي يأخذ بعين الإعتبار كل الإختلافات والأقليات والإيديولوجيات الموجودة داخل البيت العربي من أجل تقديم مصلحة الوطن، أي عقد يسمح بوجود كل هته الإختلافات لكن يتجاوزها حين يتعلق الأمر بالمصلحة العليا.

إنه تعاقد بين العامة والسلطة العليا بموجبه تتخلص كل طائفة أو جماعة أو طبقة من قيمها الخاصة ومن نظامها العشائري والقبلي الذاتي لتنصهر في علاقات اجتماعية متبادلة تؤدي إلى إجماع تمايزات المجتمع المدني وتشكيل قيمة موحدة تمنح حق الإختلاف لكن داخل الإطار العام للمجتمع المدني. ومن شروط هته القيمة الموحدة التسامح والتعايش الإختلاف واحترام الأخر وخصوصا حرية الفكر والتعبير.

كما أن هذا العقد لا يمكن أن يتحقق ويوفر إجماعا عاما إلا إذا كان نتيجة اتفاق بالتراضي بين كل مكونات المجتمع، كما أن الصراع الحاصل الآن (إذا تم استغلال نتائجه ودراسة واقعه) سيفضي بالأساس إلى صياغة مفهوم ووعي بضرورة إنتاج تسوية متوازنة ومستقرة من خلاله تستطيع كل فئة أو جماعة أن تطمئن على وجودها واستمراريتها.

في أوربا على سبيل المثال قاد الحلف العقاري البورجوازي الألماني هذه التسوية وفي فرنسا قادتها الطبقة الوسطى البورجوازية، في مجتمعنا العربي أرى من الضروري أن يتحملها طبقة المثقفين الشباب الجدد الغيورين على مصلحة الوطن والذين يملكون بصيرة فهم الواقع الداخلي وكل ما يحاك بالخارج. عليهم أ ن يتحملوا مسؤولية النهوض بالفكر الثقافي المجتمعي وترسيخ ركائز العقد الإجتماعي الجديد.

ببساطة لا يمكن أن تتحمل هذه المهمة طبقة أو حركة سياسية أو مذهبية، لأنه خلال أكثر من نصف قرن برهنت كلها عن إخفاقات في تسيير شؤون المجتمع وانحازت لمصالحها الضيقة على حساب مصلحة الوطن والشعب. فقد بنت تسويتها على الزيف والتزوير، وأكدت وجودها بالعنف والإقصاء فكانت بذلك تسوية هشة معرضة لاحتمال السقوط في أي لحظة وإلى انهيار المجتمع بأكمله. وهو ما حدث في العديد من البلاد العربية.

فالدولة التي لا تبنى على قدر معين من التراضي بين كل أطياف المجتمع مآلها التفكك وتولد وتفسح المجال لحالات العنف والصراع وتبرز حالات شاذة داخل التركيبة الإجتماعية. فلا العلمانية (أو لا دينيون) ولا الاشتراكية (المستوردة من الخارج) ولا الأحزاب ذات المرجعيات الدينية استطاعت جمع شمل وتوحيد كل فئات المجتمع ( وحتى وإن ظهر للبعض أنها نجحت في فترات معينة، فلظروف سياسية تحقق إجماع مرحلي مؤقت لم يدم طويلا).

كلها سياسات وبرامج أخفقت إلى حد كبير، منذ الإستقلال، في توفير إجماع سياسي عام إيجابي يوحد كل الخيارات لتصب في مصلحة الوطن قبل كل شيء وبناء دولة قوية فكريا وسياسيا واقتصاديا وينعم أفرادها بالمساواة والعدالة الإجتماعية.

لذا تبدو فئة المثقفين الشباب أكثر قدرة على حمل المشعل التنويري الذي من خلاله يمكن إعادة بناء المجتمع المعرفي العربي من جديد بعيدا عن التطاحنات السياسية والعرقية والمذهبية وإرساء قواعد بناء وطن أخر يتسع للجميع.

يتبع الجزء الثالث.

اقرأ ايضا: الثورة الثقافية العربية القادمة – ج١

لا تعليقات

اترك رد