العذارى والهاربين سباحة من جحيم الدواعش!

 
العذارى والهاربين سباحة من جحيم الدواعش!

لم تكن الصور التي انتشرت على وسائل الاعلام المرئية وشبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) وهي تظهر مجموعة من الارهابيين الدواعش، يطوفون بالشهيد المغدور مصطفى العذارى في شوارع الفلوجة ومن ثم اعدامه بالطريقة الوحشية التي تمت لاحقا، جريمة عابرة يمكن ان تحصل في حرب، فهي ومن قبلها فاجعة العصر سبايكر، اسهمتا في صناعة راي عام، وجد في قسوة داعش واستهتاره بقيم الحياة وبالانسان، مدعاة للتصدي له وقد تجسد هذا بالصورة التي راها العالم كله، حين توحد الفعل الوطني المضاد، من اجل دحر هذه العصابات المارقة، لكن بعض الحيثيات التي رافقت الصور المؤلمة، تجاوزت داعش وجرائمه الى ما هو ابعد او الى ما اراد له داعش ان يصل ولعله نجح مؤقتا الى حد ما.

لقد كانت المشاهد الاقسى في الصور المعروضة لحادثة الشهيد العذارى، هي تلك التي ظهر فيها مواطنون من ابناء المدينة يلوحون بالتحية للقتلة عند استعراضهم به، وقد كان لهذا وقع نفسي خطير واعطت تصورا مبالغا فيه عن ابناء الفلوجة، ووضعتهم في دائرة الشك من قبل بعض العراقيين الذين تمنوا لو ان موقفا مغايرا للاهالي غير الذي رأوه منهم وهم يحيون المجرمين قبل تنفيذ جريمتهم. او قل ان هذا الفعل عمّق احساسا بالاسى من ان المدينة ذهبت الى المجهول الذي اراده لها الدواعش وانها لن تعود او باتت مدانة بالتواطؤ!
بعد ان تكسّر القيد الداعشي المفروض على الفلوجة، بدات الحقيقة تتكشف ليس امام العراقيين وحدهم، وانما امام العالم كله، عندما راحت الفضائيات تبث لقاءات مع الهاربين من جحيم داعش هم يتحدثون عن واقع الحياة في ظل ثقافة هؤلاء المسوخ، وكان منظر الفلوجيين، نساء ورجالا، شيوخا واطفالا، وهم يعبرون الفرات هاربين سباحة، اثناء عملية تحرير المدينة، فيما نيران الدواعش تلاحقهم لتوقفهم او تمنعهم لتقتل منهم من تتمكن منه وبوحشية غير مسبوقة في تاريخ الحروب، يفضح ما سعى هؤلاء المجرمين الى تسويقه من قبل ، بعد ان فرضوا سلطتهم وقيمهم الشوهاء على المدينة التي سيعرف العالم كله ان اهلها كانوا اسرى لدى عصابات لاتعرف الرحمة، وان رغبتهم في الخلاص لاتقل عن رغبة العراقيين جميعا في تحريرها.

لاشك ان هناك من تعاون مع الدواعش وبات شريكا لهم ، ومتورطا معهم في جرائمهم، لكن المدينة لايمكن ان تختزل بحفنة من المجرمين، يمكن ان يكون هناك مثلهم في اية مدينة ويمكن ان يفعلوا فعلهم، اذا ما توفرت لهم الظروف نفسها، ولعل الذين يقومون بالقتل والتسليب في أي مكان، يمكن ان يكونوا مستعدين لمثل هذه الجرائم … لقد اسهمت بعض الفضائيات العراقية، بحسن نية او بسوئها، من تسويق صورة مشوهة عن الفلوجة، ربما كان الدواعش سعداء بها، لكن سعادتهم هذه ستغدو سرابا حين بات العالم كله يتفرج على الفلوجيين وهم يتحدثون بعفوية وصدق، وعبر مختلف الفضائيات، وبلغة واحدة عن فظائع هؤلاء المسوخ وهم يضيقون الخناق على الحياة وينفون الانسان في مدينة وقعت بكل تاكيد ضحية لاجندات خارجية وداخلية متداخلة، تهدف الى ماهو ابعد منها، بعد جعلها منطلقا لمشروع كتبت بنوده في الظلام.

ليس من السهل تنظيف الذاكرة العراقية تماما مما علق بها من صور مؤلمة حفرت عميقا في النفوس، لكن قوة الحقيقة كافية لان تحرق الكثير مما علق في الذاكرة من صور مشوهة، اراد لها الدواعش ان تكون هي الحقيقة.. ولابد لنا ان نعرف ايضا ان هناك دواعش حقيقيين وهناك من (تدعششوا) تحت ضغوطات مختلفة، اي بالترهيب او بالترغيب، بعد ان باتت المدينة بايدي القتلة وهم من يحكم الناس ويتحكم بمصائرهم، وهذا امر له استحقاقاته طبعا، فربما انضم البعض للدواعش بالاكراه او بعد ان فقدوا الخيارات بغياب الدولة، وهناك من انتمى لكي يتجنب عقابا كان سيقرره عليه الدواعش لانتمائه لاجهزة الدولة المختلفة قبل سقوطها، ووجد نفسه متورطا وان مصيره بات مرتبطا بمصيرهم، وان التعامل مع هؤلاء يجب ان يكون مختلفا عن التعامل مع الدواعش الحقيقيين، كي لايتعمق الجرح الوطني في هذه المدينة التي قاسى اهلها كثيرا وقاسى العراقيون كلهم منها بعد ان تحولت او اريد لها ان تكون جرحا نازفا وميدانا لوجع عراقي مستديم.

المقال السابقليس الآن
المقال التالىسلاما الى ابطال مسلسل نوايا الكويتي
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد