حوار مع الكاتب والناقد السينمائي المغربي محمد اشويكة


 
حوار مع الكاتب والناقد السينمائي المغربي محمد اشويكة

أعتقد أن الكتابة فعل واع يسعى لتحرير الذات من أثقال الاسرة و المجتمع و الدولة ، والمجتمع الغير قارئ يفسح المجال لظهور التفكير السحري و الخرافي الطي تنبثق عنه الاصوليات و الخطابات الترهيبية,

استطاع محمد اشويكة في وقت وجيز أن يصنع له مكانة في الثقافة المغربية ككاتب ،قاص و ناقد سينمائي ،انسان لا يهدئ و استاذ حمل على عاتقة مسؤولية تحسيس طلابه بأهمية التعليم والثقافة السينمائية باعتبارها احدى الوسائل الحضارية التي تعمل على انفتاح الانسان على أفق جادة و تنوير العقليات حتى لا تتأثر بالأفكار المتخلفة ، يعتبر من الشباب المغربي الذي يعملون على ارساء ثقافة جادة في الساحة الوطنية لمواجهة الكم الهائل من الاقلام الدخيلة على هذا المجال الذي له حرمته للحفاظ على الكتابة الحرة والقلم الجميل و تحصينها من كل ما من شأنه أن ينال من قدسيتها .
موقع الصدى أخضع الاستاذ محمد للعبة السين و الجيم ليرحل بنا الى عالم القلم و الحبر والصوت والصورة .

ماذا تعني لك الكتابة ألقصصية ، هل هي وسيلة للتعبير عن شعور خاص أو سرد حكايات مختمرة في خيالك أو حب في ترجمة ما يحيط بك في الحياة اليومية؟
– لم أعد أفهم معنى لوجودي الشخصي وللوجود عامة خارج ألكتابة ، فكل شيء من حولنا يريد العبث بأحاسيسنا وعقولنا، والإجهاز على حدوسنا ولأحلامنا والتحكم في رغباتنا واختياراتنا. نحن في دوامة رهيبة غير مسبوقة من التضييق وأنماط الاستعباد الجديدة والذكية التي لا يسلم منها حتى “الأسياد ألجدد” الكل في الدائرة. فما الذي يتبقى للمبدع المرهف وللكاتب المتأمل من فُسَحٍ للعيش والحياة والتفكير، أعتقد أن الكتابة فعل واع يسعى لتحرير الذات من أثقال الأسرة والمجتمع والدولة باعتبارها مؤسسات تعيد بأشكال مختلفة إنتاج المنظومات العقدية والإيديولوجية والأخلاقية والتربوية بشكل يسعى لتكريسها كنموذج ثابت ومتعال عن النقد. فالقصة القصيرة رؤية إبداعية لتفاعل الذات المبدعة مع محيطها، فقد يعتقد البعض بأن الحياة اليومية بسيطة، لكنها أعقد مما نتصور؛ إذ نظن أننا نستطيع بسهولة تَسْكِينَها داخل اللغة المتداولة، واختصارها في الممارسات العادية. هكذا تكون القصة، بهذا المعنى، حالات خيالٍ مفتوحةٍ على الممكنِ المبطنِ في العادي، والمستتر خلف التعود.

لك أيضا حضور متميز في الوسط السينمائي كناقد، فهل تعتقد أن هناك علاقة متميزة بين الأدب المغربي والسينما الوطنية، خصوصا وأن هناك العديد من المهتمين بالفن السابع يشتكون من غياب نصوص أدبية تليق ترجمتها للسينما؟
– أعتقد أن في كل نص أدبي إمكانيات كامنة للتحويل والنقل إلى السينما، فليس بالضرورة أن يمنحنا العمل الأدبي كل المكونات التي يحتاجها كاتب السيناريو لأن العملية نسبية ما دام فهمُ وتأويل الإبداع الأدبي يختلف من شخص لآخر، وهو محكوم بالتاريخ الشخصي للقراءة والذوق فضلا عن التكوين المنفتح، فلا يمكن لشخص محدودِ الاطلاع أن يمنحنا متسعا من التأمل، ولنا في غالبية الأفلام المغربية خير مثال، فهي لا تتجاوز بالكاد الحكي الاجتماعي البسيط إن لم نقل المبتذل، في حين أن السينما كالأدب، تماما، إبداعٌ يوهم بالواقع، ولا يسقط فيه. فهل يمكنُ لمُخْرِجٍ محتك بالنصوص الأدبية أن يدافع عن فيلمه التخييلي بالعودة إلى الواقع كأن يقول: إن ما قمت به موجود في الواقع؟!
أظن، والوقائع تسند ذلك، أن القائلين بأن الأدب المغربي لا يليق بالاشتغال السينمائي مجرد ادعاء، وتبرير مفضوح لمعطيات إنتاجية مكرسة تفرض نفسها داخل المجال السينمائي بالمغرب الذي لم يستطع لحد الآن أن يبلور مشروعا واضحا لسينما وطنية تشاركية تستمع فيها الأطراف لبعضها البعض خارج سياق الانتفاع الشخصي والمكاسب الصغيرة والحسابات الضيقة.

ككاتب وناقد ما هو رأيك في حال النقد السينمائي والأدبي في ظل هذا التدفق الهائل للكتابات في الموضوع واقتحام المجال بدون عين رقيبة؟
– أحوال النقد من أحوال المنشغلين به، وممارسات الفاعلين في إنتاجه. لقد صرت أكثر اقتناعا بأن المنجزات الهامة في الحقلين معا، وإن كان النقد الأدبي يكتسح الساحة الثقافية المغربية أكثر من أي نقد آخر، تعود إلى أشخاص مستقلين نوعا معا، وحاملين لمشاريع معينة في مجالاتهم، تتمركز الكتابة في حياتهم ولا تشملهم دائرتها بالصدفة، وهي بالنسبة لهم ليست مجرد تقنيات يستعملها الشخص لأغراض انتفاعية سرعان ما تنتهي بانتفاء شروط وجودها.
النقد رؤية تطمح للتجاوز، وتهدفُ التطويرَ، وهي محكومةٌ بالمجتمع الذي تصدر عنه، فإذا كان مجتمعنا لا يرغب في النقد، فمن الطبيعي أن يكون الناقد الحقيقي غير مرغوب فيه أيضا، وأن تنخرط مؤسسات المجتمع بلا هوادة في صناعة بدائل عنه، وأن نجد في صفوف النقاد من يدافع عن الطابع التقنوي للنقد، وهنا ينخرط الأصل والبديل معا في إنتاج شتى صنوف التزويق والتطبيل التي تخلق الميعة والبهرجة.
بالقدر الذي يتقدم به النقد السينمائي المغربي، تتضاعف المعوقات، فالاستقلالية والجرأة والموضوعية غير مرغوب فيها.
حقق النقد الأدبي تواجدا مكثفا داخل الساحة الثقافية المغربية بفعل تدريسه في شتى شُعَب اللغات وآدابها، وانخراط الأساتذة والمتخرجين من تلك التخصصات في إنتاجه مما ساهم في انتشاره وهيمنته والإقبال عليه في حين لم يحض النقد السينمائي بتلك الظروف مما جعله يروج داخل دائرة مفصولة، ودمجه ضمن المؤلفات الأدبية والفنية بشكل عام إلى درجة لم يحض لحد الآن، كبقية النقود الفنية الأخرى، بالاعتراف والتتويج ضمن جائزة المغرب للكتاب (مثلا)، وهنا يجب الانتباه إلى هذا الخلط الذي يفقد هذه الأعمال قيمتها.

العلاقة بين النصوص الأدبية والسينما ما زالت خجولة بالرغم من الإصدارات العديدة لكتاب مغاربة يشهد لهم بالتميز على المستوى العربي بل وترجمت رواياتهم إلى لغات أجنبية، أين يكمن الخلل؟
– المسألة بنيوية بالنظر إلى انحصار تأثير الأدب والفنون في المجتمع بشكل عام، وافتقاد الاستراتيجية الواضحة من لدن الدولة لترسيخ الفعل الثقافي داخل الفضاءات الخاصة والعمومية للناس، وبالتالي الانتقال من سياسة الدعم إلى توطيد الفعل الثقافي عن طريق التربية والتحسيس ومحاربة أشكال الأمية والجهل المستشري بين الناس، والذي يتعاظم شأنه يوميا بعد استئساد التواصل الالكتروني عبر الهواتف المحمولة التي بات المتربصون بالسلم الاجتماعي وأصحاب الإيديولوجيات المنغلقة يبثون عبرها سمومهم على شكل نصائح وكبسولات مصورة تخص المشاكل اليومية للناس، وهم يتوجهون إلى الناس البسطاء بلغتهم بينما يظل المثقف مفصولا عن هؤلاء لأن منتوجه نخبوي أو لا يصل إليهم عبر هذه الطرق.
في ظل هذا الوضع المأزوم والملتبس، يبتعد الناس عن الأدب وعن السينما ويصدرون عنهما أحكاما قد تكون قاسية في بعض الأحيان خاصة إن انتقدت هذه الأعمال أحوالهم وكشفت تناقضاتهم. لكن العمل على خلق فرص التواصل والتقارب من شانه أن يمد الجسور بين الأدباء والسينمائيين الذين، وإن دافعوا عن أنفسهم، تظل فئة كبيرة منهم لا تقرأ للأسف، ولا تعرف ما يروج خارج دائرتها المغلقة.

في كل دورة لمعرض الكتاب بالمغرب نسمع الناشرين يشتكون من عزوف المغاربة، وبالخصوص الشباب، عن القراءة، فهل التطور التكنولوجي والانترنت من الأسباب التي ساهمت في هذا الوضع؟
– لا يجب الثقة دائما في الناشر لأن الوقائع تكذبه: ترى أين يذهب ما يطبع؟ هل تبتلعه الأرض؟ يجب التفريق بين الناشر الوطني، صاحب المشروع الفكري التنويري، والناشر التاجر الذي يبحث عن الدعم والربح ولا ينشر من حوله إلا الشكوى والتشاؤم. صراحة، لم يستطع بعض الناشرين المغاربة تجاوز طرق التسويق التقليدية، ولا يستثمرون في اتجاه تجديد الصلة بالناس الذين تجذبهم وسائل التواصل وأشكال الفرجة المصورة التي تهدف إلى نشر نمط عيش واحد، ساعية إلى تنميط الذوق والخيال. فالصراع، اليوم، قائم على التحكم في الخيال عبر تصنيعه (الألعاب الإلكترونية، وألعاب الڤيديو نموذجا)، واختزاله في شبكة من الاحتمالات البسيطة التي تؤول في النهاية إلى مدخل ذي بعد ثنائي يفرض على اللاعب الاختيار بينهما، وفي ذلك قتل للقدرات الاقتراحية والخيالية للفرد، وإلهاء له عن الانغماس في الحياة بمعناها الواقعي الذي يطرح مشاكل يتطلب إيجاد حل لها. ولتفسير ذلك أكثر، نجد أن العيش أصبح مقرونا لدى الناس بتواجد الهاتف الذكي، والتواصل عبر الشاشة، وممارسة الحياة بشكل طقوسي لا يختلف عن بقية الطقوس المقدسة المعروفة. نلاحظ أن الكل أصبح مهووسا بالارتباط بإحدى المواقع أو الشبكات، ولا يمكن أن يفرط في هاتفه المحمول مع الحرص الشديد على إدامة الارتباط إلى درجة صار معها هذا الفعل تعبيرا عن الوجود داخل العَالَم، وبات غياب الشبكة يخلق حالة بائنة من القلق لدى الناس.
في ظل ذلك أصبح من الضروري تغيير المناهج التربوية والتعليمية لإرجاع الناس إلى العَالَم بشكل فعلي يفسح المجال للخيال والتأمل. فلانخراط في الحالة الافتراضية يوهم بأننا نفعل في العَالَم في حين أننا نوجد على هامشه، وما نحن إلا مجرد حسابات وكلمات “سرية”، فلا نتحرك إلا داخل شبكات تواصلية عملاقة تخضع للمراقبة الدائمة، لها استراتيجياتها الكبرى، وهي تؤثر فينا أكثر مما نؤثر فيها.
ترتبط القراءة بالتربية عليها داخل المنزل والمدرسة والشارع والمؤسسات.. وهي مسألة عمومية بالدرجة الأولى، فالمجتمع غير القارئ يفتح المجال لظهور التفكير السحري والخرافي والغيبي الذي تنبثق عنه الأصوليات والخطابات الشعبوية والترهيبية لأن العقل ينهزم فيه باستمرار، والنقد يتوارى بالتدريج لحساب اليقين.

ماذا لو تحرك المسئولون عن التربية والتعليم وأعادوا إدراج برنامج المكتبة المدرسية التي كانت تلزم التلاميذ على القراءة و تبادل الروايات كما كان عليه الحال قبل أن يغزو الانترنيت الأسواق ويستقطب الكبير والصغير؟
– تتوفر جل، إن لم أقل كل، المؤسسات التعليمية، الإعدادية والثانوية، على مكتبات مدرسية مع استثناءات قليلة، وهي تتوفر على حد أدنى من الكتب والوثائق إلا أن المشكل الحقيقي يكمن في القيمين على المكتبات، فغالبا ما تسند هذه المهمة لبعض الأشخاص الذين لا يقرؤون أصلا فضلا عن عدم قدرتهم على ممارسة التدريس أو بعض المهام الإدارية الأخرى، وبهذا تحولت المكتبات إلى مستودعات لحاملي الأمراض المزمنة (مع متمنياتي لهم الخالصة بالشفاء) والفاشلين واليائسين وناشري خطاب الأزمة واليأس. فكيف يمكن أن نطلب من هؤلاء تحبيب شيء لا يحبونه أصلا وغير مقتنعين بالانخراط فيه؟ إن هذه المؤسسات في حاجة ماسة إلى مراجعة جذرية لأن المكتبة تتطلب من القَيِّمِ عليها كفاءات ومهارات متعددة تجعله قادرا على جعلها داعمة للعملية التعليمية التعلمية، متتبعا لما يقع من حوله، ومنفتحا على محيطه الذي ينشر كافة أشكال الإحباط في صفوف المتعلمين.

من المفروض أن تكون المكتبة فضاء للتواصل الفَعَّال والخَلاَّق، ومكانا جاذبا لا طاردا.. إذ يمكن أن تخلق ديناميكة خاصة داخل المؤسسة قد لا يجدها المتعلم في الخارج، وأن تعمل على تثمين مجهوداته الدراسية وفتح عينيه على ما لا يوجد داخل تخصصه، وأن تدعم قدراته الإعلائية المتمثلة في الإبداع وغيره.

لا تعليقات

اترك رد