رفيق الصبان والسينما رحلة لاتنتهي


 
الصدى- رفيق الصبان

 عرفته شخصيا ، عندما كنت أتحسس خطواتي الأولي في عالم السينما وسحرها ، وتشرفي بعضوية مجلس إدارة نادي سينما القاهرة ، الذي كان بمثابة كيانا ثقافيا رفيع المستوي ومتنفسا معتبرا لمتذوقي السينما في مصر ، وقت أن كان رئيسه شيخ النقاد أحمد الحضري وعضوية نخبة من نقاد السينما في مصر وعلي رأسهم أستاذي رفيق الصبان ، كان ذلك في ثمانينات القرن المنصرم.

عرفته أكاديميا ، عندما تشرفت بمناقشته رسالة الماجستير المقدمة مني للمعهد العالي للنقد الفني عام 1996 ، لم تكن مناقشته لي تحصيل حاصل أو تأدية لمهمة يجيدها باحتراف وشفافية ، بقدر ماكانت درسا تعلمت منه الكثير علي المستويين: الأكاديمي و الإنساني … تعلمت منه الرفق بكل صاحب جهد وتلمس العذر لهنات لم تكن مقصودة في العمل الفني ، تعلمت منه القياس بموضوعية بعيدا عن الهوي والغرض ، تعلمت منه معني التذوق واكتشاف جماليات الفيلم السينمائي.

عرفته سينمائيا ، عندما شرفني بعضوية لجنة المشاهدة والاختيار لأفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الخامسة والثلاثين لعام 2012 ، وثناؤه علي آرائي وتقييمي لهذه الأفلام ، وكتاباتي في جريدة القاهرة الأسبوعية … قبل شروعنا كلجنة في المشاهدة ومن ثم الاختيار أكد علينا الصبان أننا نتمتع بكامل الحرية ولاسلطان لأحد علي اختياراتنا إلا مايمليه علينا الضمير ويفرضه الواجب ، نيابة عن جمهور عريض يتطلع لرؤية سينما تكون علي مستوي الحدث وتليق باسم وعراقة مهرجان القاهرة ، بعيدا عن أية اعتبارات أخري أو ضغوط من أي من كان. وقتها عرفنا قيمة هذا الرجل المتواضع لأبعد الحدود وأدبه الجم وثقته في فريق عمل اختاره لهذه المهمة ووضعه أمام تلك المسؤولية.

تشرفت أخيرا بإهدائه لي أحدث كتبه “السينما كما رأيتها” جاء نصه: “الدكتور ياقوت … جوهرة من جواهر النقد” ، وهي شهادة من أستاذ عظيم القيمة ورفيع المقام ، لواحد من تلاميذه ، شهادة اعتز بها وأفخر مابقيت علي قيد الحياة. أما الجوهرة الحقيقية فهي المتمثلة في شخص الدكتور المعلم رفيق الصبان الذي شمل بعلمه وثقافته الموسوعية.

جوانب متعددة من حياتنا الفنية ، وتحديدا السينمائية علي جميع مستويات صناعتها وإبداعاتها ، فهو الناقد ذو العين الثاقبة والقلم الرشيق والأسلوب الراقي ، وهو الأستاذ الأكاديمي الذي نهل من علمه أجيال وأجيال في أروقة معاهد أكاديمية الفنون ، أستاذا للسيناريو ومادة التذوق الفني ، وهو المؤلف السينمائي المرهف الحس الذي قدم للسينما مايقارب خمس وعشرين فيلما ، شكل الكثير منها علامات مضيئة في تاريخها ، فهو صاحب “زائر الفجر” عام 1972 اخراج ممدوح شكري و “الأخوة الأعداء” عام 1974 للمخرج حسام الدين مصطفي و “قاهر الظلام” عام 1978 من اخراج عاطف سالم و “حبيبي دائما” عام 1980 اخراج حسين كمال و “كفرون” عام 1990 إخراج وبطولة “دريد لحام” و “ليلة ساخنة” عام 1994 إخراج عاطف الطيب … وغيرها من الأفلام المتميزة علي المستويين: الموضوعي و الفني ، والتي وصل عددها مايزيد علي الثلاثين فيلما روائيا طويلا ، قام بخراجها أمهر مخرجي السينما المصرية.

رفيق الصبان الحاصل علي شهادات من “الكوميدي فرانسيس” و “مسرح الشعب” من فرنسا ، والذي يعد بحق أحد علامات المسرح السوري في العصور الحديثة ورجالاته … أسس المسرح القومي السوري ، واخرج له عدة مسرحيات تنوعت مصادرها من الأدب العالمي لكبار كتاب المسرح من اليوناني القديم وحتي الكتاب المحدثين … قدم الصبان : “براكساجورا” لـ أريستوفانيس ، “الخروج من الجنة” لـ توفيق الحكيم ، “العادلون” لـ ألبير كامو ، “طرطوف” لـ موليير ، “بنادق الأم أمينة” لـ بريخت ، “حكاية حب” لـ ناظم حكمت ، “الزير سالم” لـ ألفريد فرج ، “ليلة الملوك” و “تاجر البندقية” و “يوليوس قيصر” لـ وليم شكسبير ، “أنتيجونا” لـ سوفوكليس ، “رجل الأقدار” لـ برنارد شو … وغيرها من المسرحيات ومشاريعها بعضها التي لم تكتمل ، مثل مسرحية “حلم ليلة صيف” لـ وليم شكسبير إعداد يوسف إدريس التي لم تري النور بعد رحيل ادريس من ناحية وضياع ماكتبه ثلاثة منها كان إدريس قد كتبها بالفعل.

رفيق الصبان الذي نهلت من موهبته الدراما التليفزيونية في سهرة بعنوان “عندما تشرق الأحزان” من إخراج “إبراهيم الشقنقيري” في أوائل سبعينيات القرن الماضي ، ثم قدم ثلاث مسلسلات هي علي التوالي: “وعادت الأيام” عام 1983 إخراج “تيسير عبود” ، “الدغري” للتليفزيون السوري عام 1992 إخراج “هيثم حقي” ، و “رجل علي الحافة” عام 2002 من إخراج “عادل صادق” … وهكذا يثبت رفيق الصبان إمكانية عطائه الفني وموهبة في الكتابة وامتلاكه ناصية الفكر لمختلف وسائل التعبير: المسرحي و السينمائي و التليفزيوني و الإذاعي.

رفيق الصبان كرمته وزارة الثقافة في سوريا يوم 23 فبراير من عام 2010 ، علي خشبة مسرح الحمراء بدمشق ، وتسلم درع التكريم من الوزير رياض نعسان أغا ، لدوره البارز وما قدمه خلال مسيرته الطويلة للمسرح و السينما والتليفزيون السوري. وبهذه المناسبة والاحتفاء بالدكتور رفيق الصبان ، عرض فيلما وثائقيا تناول حياته وانجازاته المتعددة في مسيرة العمل الثقافي في سوريا. جاء التكريم اعترافا وتقديرا للصبان … مؤسس المسرح القومي في سوريا ، مؤسس ندوة الفكر والفن والثقافة الفنية ، مدير برامج في التليفزيون ، مؤسس فرقة الدراما التابعة للتليفزيون والتي اخرج لها بضع مسرحيات منها: “العادلون” تأليف “البير كامو” ، “الخجول في القصر” تأليف “نيرسو دومولينا” ، و “السلطان الحائر” لـ “توفيق الحكيم” .. شارك الصبان في تأسيس نادي سينما الكندي ، وعمل مدبرا للسينما في المؤسسة العامة للسينما ، ومقدم البرنامج الإذاعي “الفن السابع” مع “صلاح ذهني” ، والمشرف علي صفحة الفن في جريدة “الرأي العام” السورية ، والمترجم المتمكن للغة الفرنسية وآدابها ومنها “في النقد السينمائي الفرنسي” تأليف “جان لويس بوري وآخرون” ، كتاب “الإسلام والمسرح” تأليف الدكتور “محمد عزيزة” الذي درس الحقوق في جامعة السوريون ، كما هو الحال عند رفيق الصبان ، و رفيق الكاتب الأدبي للعديد من الكتب التي تشكل إضافة جادة للمكتبة العربية ومنها: “حسين كمال عاشق المستحيل” ، “الظلال الحية” ، “أضواء علي الماضي” ، حتي أحدث مؤلفاته “السينما كما رأيتها” ، و رفيق الصبان الحاصل علي وسام الفنون والآداب الفرنسي بدرجة فارس ، والعديد من الجوائز وشهادات التقدير والدروع من الهيئات والمهرجانات الفنية العربية منها والدولية.  

رفيق الصبان لايحتاج منا أو من غيرنا شهادة علي أنه رمز إنساني جميل ، وناقد سينمائي بارع ، ومؤلف ومترجم من طراز فريد ، وعاشق حتي النخاع للسينما مهوس بسحرها ومتذوق لجمالياتها … من الصبان الأستاذ نتعلم ، وعلي طريقته نتذوق ، وفي محراب عالمه نغوص ، لعلنا نصل إلي مفاتيح هذه الشخصية التي يتفق الجميع في أنها شخصية تتمتع بأدب جم وعلم غزير وحب لكل البشر … لامجاملة وخلق توازنات ، بقدر ماهو حب حقيقي ينبع من فهم الطبيعة البشرية والاعتراف بكل جهد بذل في عمل فني ، مهما كان ضئيلا أو مهما شابه بعض القصور ، يقف الصبان دائما أمام الجميع علي مسافة واحدة ، دون تحيز أو تمييز.

رفيق الصبان عالم من السحر والإيثار ، كرس جل حياته للارتقاء بالثقافة السينمائية لدي محبي السينما وهواتها ومحترفيها ، انطلاقا من ثقافته الموسوعية في شتي مجالات فنون: السينما و المسرح والتليفزيون وفنون الأوبرا والموسيقي ، إلي جانب تمتعه بحاسة التذوق العالي واكتشاف جماليات العمل الفني وسبر أغواره الفكرية … كل هذا تعكسه وتؤكده كتاباته ومحاضراته وندواته وحضوره أينما حل وأينما ذهب ، ليس علي مستوي عالمنا العربي فحسب ، بل بلا مبالغة علي المستوي العالمي والإنساني … رجل أخلص للكلمة وشرف كتابتها ، ينتقي عباراته ومفرداته ، ويصيغها معان وقيم تتسم بجزالة الأسلوب وتلقائية التعبير وجمال السرد … رفيق الصبان فنان شامل متعدد المواهب فهو مثقف موسوعي ورجل مسرح وسينما وتليفزيون وإذاعة ، وفي كل منها هو المتذوق العاشق و المتلقي المثال … أليس هذا دافعا لأي من لديه قلم ليكتب ويسطر لمحات من حياة إنسان بحجم رفيق الصبان وقيمته وقامته؟ أظن الإجابة بـ نعم … وهو يستحق بكل تأكيد ، وقد تشرفت بالقيام بهذه المهمة.

 

لا تعليقات

اترك رد