بنت اليهودي


 
بنت اليهودي.. للكاتب علي ابو عراق #عراقيات

يقولون ان التاريخ يمضي الى أمام دائما ، ويرون بشكل قطعي ولاريب فيه أنه لا يمكن أن يرجع إلى الوراء حتى في حالة الانتكاسات الكبيرة ، بل من الممكن ان يتوقف او يتسمر في ذات النقطة ..ولا يمكنه الرجوع الى الخلف الا بشكل مهزلة ، كما يحدث الان لدى المجتمع العراقي الذي يعيش الان المحطة الأكثر حراجة في تلك المسالة …فبعد أن كان المجتمع العراقي قبل نصف قرن على الاقل ..من ابرز مجتمعات المنطقة العربية …سياسيا واجتماعيا ومدنيا وثقافيا….فهو قد تعرف على اسس الحداثة باكرا ، والتحق بركب المدنية ..وكانت تجربته الديمقراطية تجربة يثني عليها الكثيرون ..ومدنه من اجمل المدن واكثرها نبضا وحيوية ..والتربية والتعليم فيه من التجارب المرموقة ،

فضلا عن كونه كان موطن الحراك الثقافي وانطلاق حركات ثقافية مميزة كالحداثة الشعرية على يد السياب ونازك الملائكة ، وانطلاق اول تلفزيون عربي عام 1956 تزامنا مع تجارب مسرحية رائدة وحركة تشكيلية باهرة ابرز فرسانها جواد سليم …كان العراق حتى في زمن النظام الملكي محطة امل كبيرة للعبور للمستقبل ، وكان اهم ما يميزه تعايش مكوناته الاجتماعية تعايشا رائعا يعد مضربا للامثال واستعادة الذكريات الجميلة ، كان يعيش فيه المسلم المسلم قبل التشظي السني الشيعي الى جنب المسيحي واليهودي والايزيدي وباقي المكونات الدينية والطائفية والكردي والتركماني الى جنب العربي دون الكثير من المحددات القبلية ، وليس كالتشظي المفزع الحالي الذي ينقسم فيه ابناء المدينة الواحدة على نفسهم…يتراشقون بالعداوة والويل والدمار …لا تعرف هل هو قدر ..ان يكون ماضي العراق منذ 50 عاما أفضل بكثير من حاضره… هي نؤمن باللعنات ..أو بامكانية رجوع التاريخ الى الوراء … تقول حكايتنا التي ترصد تعايش المكونات الاجتماعية العراقية المختلفة .أن رجلا من علية القوم كما يقولون ، كان اقطاعيا كبيرا وشيخا مهيبا تمتد ملكيته على مساحة اكثر من مدينة بل اطلق اسمه على اسم مدينة كبيرة لم تزل في اوج حيويتها وتلازم اسماهما لحد الان ..ليس هذا حسب فقد انضوت تحت اسمه وسلطته الكثير من العشائر بسبب امتداد ملكيته وسعة اقطاعيته التي كان يديرها بطاقم من الموظفين الذين اسكنهم قريبا منه وجعلهم تحت رعايته وحمايته… فهم من سكان المدن واقطاعيته ريف ممتد ليس له حدود ..ابتنى لهم بيوتا قريبة من بيته وبعيدا عن عيون الفلاحين الفضولية وشرعة العشائر وعاداتهم وقوانينهم المبنية على الاعتداد بالنفس والعنف والتعالي وخصوصا على من ليس له عشيرة نافذة او من الوافدين من المدن لأشغال خاصة وهامة جدا .. كالكتاب وبعض الفنيين وغيرهم ..فلاذ هؤلاء بظله واستوطنوا تحت حمايته ،

خصوصا ان له نفوذا كبيرا وحظوة واسعة لدى الحكومة. كان الرجل في منتصف العمر مهيبا بصحة جيدة جدا بوجه اسمر مشرب بحمرة العافية ..انيقا جدا ..يستبدل ملابسه كل يوم مرتين ..نشطا لا يقر ولا يهدأ …يتفقد ادق التفاصيل في اقطاعيته الواسعة وشؤون عشائره …وكان بعد ان يتفقد مزارعه وحقوله وخيوله ومواشيه وكل ما يملك من ثروة حيوانية لا ينسى ان يمر على نزل كتابه وموظفيه يتفقد شؤونهم وحاجاتهم …وفي صباح وضيء كانت شمسه كرنفالا من الدفء والاشعة الذهبية …فقد احتشد الربيع في هذا الصباح احتشادا بهيجا …بخضرته الطاغية وطيوره الصادحة ونسماته المنعشة…وكان الشيخ يمشي جذلا كأنه خلية متحركة من خلايا الربيع عليها ان تضع لمساتها في هذه اللوحة الزاخرة بالجمال ..ومع ارتفاع حيوية احتفائه بهذا اليوم الربيعي البهي راح يغني بصوت خفيض يليق بمهابته فلا يصح ان يكون خفيفا او سطحيا او تلقائيا بنظر الجميع … راح يردد مع نفسه اغنية عن فتاة بارعة الجمال تتذكر حبيبها الذي رحل وخطفه الغياب الى أراض قصية…يترنم بصوت اشبه بالهمس خوفا من سماعه من قبل مخدوميه…..ومن شباك صغير في بيت كاتبه اليهودي …رأى قمرا في وضح النهار ..يضيء عتمة الغرفة ويندلق ضيائه من الشباك الخشبي فيبهر القلوب والعيون …كانت ابنة كاتبه اليهودي التي سمع الكثير من الاخبار عن جمالها…صبية لم تتعد العشرين من عمرها … جميلة الى حد لم يستطع الشيخ المقارنة بينها وبين كل النساء اللواتي مررن بحياته طويلة كزرافة مبهجة كطاووس تنتصب كعمود من النور وسط غرفتها بجسدها المكتنز البض… كانت تنظر باصرار ودون تردد الى الخارج ولا تخفض عينيها حتى حين التقت بعيني الشيخ والتمعت عيناها الخضراوان بألق جامح…شعر الشيخ بهزة عنيفة تقرب الى الصدمة فقد اجتاحه هذا التيار الدافق من الفتنة الباهرة اجتياحا عنيفا وراحت الاشياء تدور حوله وكأن ليس ثمة ارض تحت قدميه…بفعل جمال تلك الفتاة التي لم تغادر محلها او تتزحزح شبرا عن وقفتها .وكأنها في موقع تحد ..وهو الشيخ الذي لا يشق له غبار بدا في موقع ضعف وراح يبحث كثيرا عن حجة للرجوع ثانية والتزود من هذا الجمال …رجع يمشي وئيدا وينظر بدهشة وإصرار الى الصبية كالمأخوذ امامها حيث تقف هناك بكل القها وجمالها وكأنها امرأة من كوكب آخر ….ودون أي حرج او لوم أو تردد شعر الشيخ بأنه وقع أسيرا لجمال تلك الفتاة وان أمره انتهى و لا خلاص من سحرها وفتنتها…وهو الشيخ الذي تزوج الكثير من النساء ومر على العشرات منهن دون ان يشعر بهذا الذي يحسه اللحظة …انتبه لنفسه ..وفكر بمركزه وسمعته فسرع خطاه قليلا وراح يلوم نفسه ويقول لها (هل من المعقول ….؟ انا بكل عزي وقدري تسقطني امرأة في الجب..؟) ولكن هذا لم يخفف من صدمته وانجذابه …وراح وهو في طريقه الى مضيفه يهلوس وطيفها يتقافز كالبهلوان على جفنيه ..وكم حاول ان ينسى ويتناسى ولكن دون فائدة .فقد توغلت الصبية في دمه ..وحشرت في قلبه …ولا يبدو ان هناك فكاك …وطوال النهار صارت صورتها مرآته وثوانيه ودقائقه ..وانعقد مجلس ما بعد العشاء ودارت القهوة مع النقاشات والأحاديث الجدية والمسلية ولم يسحبه الحاضرون من عالمه الخاص، كانوا يتحدثون ..وهو كان منصرفا عنهم وكأنه في واد آخر …وحين جن الليل وخلد الى فراشه ..لم تفارقه تلك الصورة ..بل ازداد إيغالا في الإبحار بشواطئ لا يعرف تخومها ..كان يلوم نفسه ويقرعها ..ولكن دون فائدة …تحدث بصوت عال مع نفسه هذه المرة فقد نام لوحده بعيدا عن كل نسائه (شلون …شكل للناس …شتكول عني الناس …انا سيد شلون اتزوج يهودية ….لا هنا ولا هناه يهودية ) ..؟ راح يحاور نفسه ويلومها ويحاول العثور عن مخرج مما الم به …ولكن ذكرها وصورتها استحوذا على كل شيء …وكان بين فترة واخرى يتحدث لنفسه قائلا (بت اليهودي لا لا ) ويصفق براحتيه متعجبا ولائما ….كان اليهود في تلك الفترة يعيشون في المدن والقرى ويشاركون كباقي العراقيين في ادق تفاصيل الحياة ومختلف المهن …ويعملون كتبة وحرفيين وسواقا وصيارفة ومعلمين وسياسيين وشعراء ..بل كانوا يشكلون الشريحة الاكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والانجازات التقنية الجديدة فضلا عن الفن وخصوصا الموسيقى …كانوا يعيشون في الديوانية والحلة والناصرية والبصرة وبغداد وكل المدن العراقية بعد أن تم تهجير الكثير منهم من بغداد في عشرينيات القرن الماضي..وارتبطوا بمدنهم ارتباطا وثيقا .. وليس غريبا ان ترى منهم شاعرا عاميا يقول شعر (الحسجه) وكان احدهم كذلك فعلا حفظ الزمن جزء من اشعاره فقد كان شاعرا مجيدا في الحسجه يحسب له شعراء الديوانية الحساب. وبعد سنة 1948 ارادت الحكومة ان ترحله وفق مخطط التهجير ..وكان هو يعشق مدينته الديوانية التي نشأ وترعرع فيها ..وحينما كان بين شرطيين يقتدانه او يسحلانه قسرا لترحيله …قابل اثنين من أصدقائه وهو بتلك الحال …فقال بيتا من الدارمي لا اظن ان من يسمعه لا يشعر بالحزن العميق والأسف الشديد ..كان يبكي ويستنجد بأصدقائه

عاونّي اعله الروح انجرها يالمار
ما ترضه عنها تروح محرجة بالدار
ويقال ان هذا الدارمي الذي يتفجر حزنا كتبه احد اليهود العراقيين من اهل الديوانية
هذا انا حزني عليك حول ارده من حول
واكعر كعير الريل من ينحر الجول

اذ كان اليهود وقتها جزءا حيويا من المجتمع العراقي فتراهم في المدن والأرياف يعملون في مختلف المهن ..كصاحبنا هذا الذي يعمل كاتبا مع الشيخ الكبير ..والذي سلبت ابنته الجميلة قلبه وهيبته ورباطة جأشه …ظل ساهرا تلك الليلة حتـى الصباح …ومع الفجر جلس يقلب أمره …ويضرب أخماسا بأسداس دون ان يصل الى نتيجة …ودفعته حيرته واشتباك الامر عليه الى ان يستنجد برأي سعيد القهوجي الذي يعمل في مضيفه الكبير …بعد ان نفدت كل قدراته في ان يرسي على حال …
فصاح …سعيد ….؟
فرد بسرعة ……..عونك باشا
فقال له الشيخ اسمع هذا البيت …وأعطني رأيك
فأنشد الشيخ
فرضة بنظر ساهي العين شفنه
نموت وما كضينه وياه شفنه
بلاوي يصير عالمخلوك شفنه
ومثل بلواي يمكن ما تهيه
ففهم القهوجي مغزى بيت الشيخ …لكنه اطرق طويلا …فهو في امتحان عسير ..وهذا الشيخ الكبير …الباشا ….يعصف به العشق ليستنجد بمخدومه وهو في ادنى درجات السلم الاجتماعي حينها …ولكن في النهاية خرج من حيرته ..وضرب (محماس ) القهوة على مقلاتها ..ضربا قويا فكان له صدى في ارجاء المضيف …وسكت ثانية …فقال له الشيخ …ها يسعيد شتكول …وشنهو ابالك ..؟
فقال اسعيد …هل تعطيني الامان ..لو قلت لك الذي ببالي ..؟
فقال الشيخ الكبير …أيه أبختك واعطيك الامان يا سعيد ..ولكن تكلم .

ياباشا ريت رب الخلك شافاك
وما نطقن بغير الطيب شافاك
انته الماكضيت وياه شافاك
جا آنه يباشا شلون بيه
فضحك الباشا وأدرك معنى جوابه !

1 تعليقك

  1. مقال بمنتهى الروعة وتوثيق للحالة الاجتماعية العراقية الاصيلة قبل ان تتردى حال المجتمع على ما نشهده الان من انقسام بالطوائف

اترك رد