باب شرقي

 
الصدى-باب شرقي

تعظم قيمة السينما عندما تتفاعل مع وقائع الزمن وأحداث التاريخ وهموم البشر ، ويكون تأثيرها بليغا وصورتها صادقة وجمالياتها مؤثرة ، عندما يدرك صانعوها مدي قوتها التأثيرية وقدرتها السحرية ورسالتها التحريضية ، لتغيير الواقع للأفضل ، بما تملكه من عناصر فنية جامعة لكل ماسبقها من فنون ، حيث اصطلح علي تسميتها بـ “الفن السابع” ، فقد جاءت لاحقة علي فنون: الرسم ، النحت ، العمارة ، الشعر ، الموسيقي ، والرقص … السينما إذن نتاج لفنون كل منها قائم بذاته ، يملك أدواته وعناصره وقدرته علي التعبير والعزف منفردا في عالم السحر والتخييل والجمال ، كل الفنون ، بما فيها السينما ، تتداخل وتتفاعل ، تتجاذب وتتنافر ، لكنها تتفق علي هدف إحداث التأثير الوجداني والدهشة والانفعال العاطفي ومعايشة التجربة الجمالية.

فيلم “باب شرقي” يقدم لنا المخرج “أحمد عاطف” من خلاله ، تجربة جمالية من نوع خاص ، معالمها سينمائية وباطنها قسوة نظام ودموية فكر وضياع شعب … تجربة تثير فينا الشجن ، وتؤلب علينا المواجع ، وتستفز عندنا الضمائر ، بمشاهد القسوة والعنف والقتل والتشويه والسحل والركل ، لكل صوت حر ، يرتفع ضد ممارسات القمع والديكتاتورية وغطرسة حاكم مستبد ، هانت عليه أرواح الأبرياء ودماء الشهداء من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال ، حاكم قابع وزبانية نظامه في دمشق وريفها ، امتدت آثار عدوانه وقذارة ممارساته وهمجية رجاله ، لكل شبر علي أرض سوريا العروبة. ولما لا ؟ فذاك الشبل من ذاك الأسد ، ذهب حافظ وجاء بشار ، ومشاهد التاريخ الأسود لنظام السلف في حماه وحمص وحلب ، تتكرر برمتها علي يد السلف ، في كل أرجاء سوريا من بوابات دمشق وريفها ، لدير الزور شرقها ، وحلب شمالها ، وحماة وحمص في غربها …الخراب والدمار ، التهجير والتشريد ، القمع والقتل الجماعي ، كلها كوارث بشرية ، صنعتها آلة نظام يحكم بالحديد والنار منذ عشرات السنين.

باب شرقي” الذي يرصد أحداث ووقائع الثورة في سوريا ، يأتي باكورة لثلاثية سينمائية ، يعتزم أحمد عاطف تقديمها ، لتشمل ما اصطلح علي تسميته بثورات الربيع العربي ، في كل من: تونس ، مصر ، ليبيا ، سوريا ، واليمن … تلك الثورات التي أظنها لم تكتمل بعد ، فكل منها ثورة إلا ثورة. وهنا أتذكر مقولة الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ، في توصيفه لثورة 23 يوليو بأنها “ثورة إلا خمسة” علي اعتبار أنها حققت معظم مبادئها ، فيما عدا مبدأ “إقامة حياة ديمقراطية سليمة” … فهذه الثورات الثلاث ، في ظني ، لازالت في مراحل الانتفاضات الشعبية الكبري ، إذ لم تأتي أي منها ، بنتائج ملموسة علي أرض الواقع ، ولم تشعر الشعوب بعد ، أن أي من أهدافها تحقق ، أوكان لها نتائجها وانعكاساتها علي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في حياة الناس ، أوعلي الأوضاع السياسية التي تحكم البلاد … هي ثورات لازالت تتحسس خطواتها الأولي ، ولازال أصحابها ومفجريها الحقيقيون يعيشون صراعا مريرا ، ويواجهون مؤامرات خسيسة ، من قبل رموز نظام فاسد نظنه مضي ، وأنظمة لاحقة نحسبها فاشلة وعاجزة ، تعمل بالمبدأ النفعي الميكيافلي … حال من الفوضي والتردي وانعدام التوازن وفقدان الثقة ، والصراع علي كسب الغنائم والاستئثار بالسلطة والاستحواذ … إذن هي جميعا ثورات لم تكتمل ، ولم تصل لسن الرشد بعد ، ولم تتضح معالمها أو تصل لمنتهاها ، لذا فهي ثورات إلا ثورات.

السينما ، عندما تتصدي بالتناول والتحليل لقضايا الوطن وهمومه ، ومصير شعب وحياة أمة ، يكون لصناعها حرية الرأي و التعبير عنها بأدوات مغايرة ، وبصور ذات أبعاد جديدة وبأساليب لايعجزها توصيل الرسالة … وانطلاقا من هذه المفاهيم ، جاء أحمد عاطف ليقدم أول الأفلام الروائية الطويلة “باب شرقي” حول الثورة السورية ، وهو جزء من ثلاثية فيلمية ، تشمل فيلما عن ثورة 25 يناير في مصر ، وثالث حول ثورة ليبيا … أحمد عاطف علي المستوي السينمائي سبق أن قدم للسينما الروائية ثلاثة أفلام ، كان أولها فيلم “عمر 2000 ” مؤلفا ومخرجا ، الذي ينتمي إلي نوعية أفلام الفنتازيا الاجتماعية ، والثاني “ازاي البنات تحب” عام 2003 من نوع الكوميديا الرومانسية الخفيفة ، أما فيلمه الثالث “الغابة” عام 2008 من نوعية أفلام الواقع الاجتماعي ، وهذا يحسب له ، إذ تتنوع القوالب الفنية عنده وتتعدد الأساليب السينمائية لديه ، وفقا لطبيعة الموضوع المطروح ، ووفقا لرؤية المخرج نفسه ، في التعبير عن أفكاره ونظرته للحياة وللكون وللإنسان … وفي جانب إبداعي أخر قام أحمد عاطف بالتمثيل في سنة أفلام أهمها: “مهمة في تل أبيب” ، وفيلم “دم الغزال” ، كذلك ظهر كممثل في ثلاث مسلسلات تليفزيونية طويلة ، ومسلسلين “ست كوم” . وفوق هذا وذاك فهو دارس للسينما في: مصر وأمريكا ، فرنسا ، أسبانيا ، وألمانيا ، وممارس لكتابة النقد السينمائي … إذن نحن أما سينمائي متميز علي المستويين: النظري ، والمهني ، ومثقف يمتلك الرؤية ووجهة النظر. ومن هنا جاء فيلمه الأخير “باب شرقي” تتويجا لمشوار سينمائي معتبر ، في تجربة من نوع خاص ، تجيء هذه المرة ، لتعبر عن هموم الوطن في سوريا ، ومعاناة أهله في تحمل ويلات وكوارث نظام مستبد يحكم سوريا بالحديد والنار منذ عقود عدة ، الأمر الذي أفضي في نهاية المطاف إلي إجبار الناس علي الهجرة القسرية والجماعية ، خوفا وهروبا من آلة القمع والقتل والتنكيل ، من قبل جيش النظام وأعوانه من الشبيحة والبلطجية ، وظهور مايسمي بـ “الجيش الحر” … قصص بطولة ومعاناة وتشريد وملاحقات ، أدت إلي انقسام المجتمع إلي فئات متناحرة ، وبات الأخ يتربص لقتل أخيه ، بعد عمليات غسيل المخ ، التي استسلم لها حفنة من مؤيدي وأنصار النظام القمعي الذي يمثله بشار الأسد ، وأركانه ، القابضين علي كل مفاصل الدولة ، داخل جهازها الحكومي القمعي.

فيلم “باب شرقي” كتبه الثلاثي: الأخوين أحمد ومحمد ملص وأحمد عاطف ، وتحملوا وحدهم عبء إنتاجه وخروجه إلي النور كنموذج للسينما المستقلة الفاعلة والمشاركة في ثورات الربيع العربي ، بما تملكه من أدوات بسيطة وميزانيات شديدة التواضع ، لكنها السينما عالية القيمة التي تسجل بطولات الشعوب وصمود المناضلين وتضحيات الشهداء بأرواحهم ودمائهم من أجل تحقيق مجتمعات الحرية والعدل والمساواة … لم تقف الإمكانيات المادية حائلا أمام تحقيق الفيلم ، قدم كل أفراد العمل من المحترفين والهواة والمتحمسين ، قدموا كل طاقاتهم بمقابل غاية في التواضع أو متبرعين بلا مقابل علي الإطلاق … واحدا من الأفلام التي تحسب لهم وتسطر في صفحات تاريخهم ، مدي وطنيتهم وحماسهم للمشاركة ، في عمل سينمائي هو الأول من نوعه علي مستوي عالمنا العربي ، نأمل أن يستتبع بأعمال أخري تكتمل بها ثلاثية أحمد عاطف الفيلمية حول أبرز ثورات الربيع العربي في: سوريا ، مصر ، وليبيا.

باب شرقي” ربما ركز صناعه علي الجانب السياسي في حياة مجموعة المطاردين من قبل نظام بشار المستبد ، وملاحقة زبانيته للثوار أينما كانوا ، وربما تناول بعض ممارسات هذا النظام وجرائمه البشعة التي ارتكبها في حق الثوار والرجال والنساء والأطفال ، في مشاهد تدينه ، وتفرض محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب في حق الإنسانية ، أبسط الحكم فيها الإعدام لمرتكبيها في ساحات الحرية وميادين النضال … لكنه في جانبه الفني ، ظني أن المخرج أحمد عاطف لم يقنعنا بأسلوب سرده لأحداث الفيلم ومشاهده ، أو بمعني أخر لم يدهشنا طريقة التديم أو أسلوب المعالجة ، وكان الرأي عندي ، بعد حضور العرض الخاص للفيلم في ندوة الحوار أن الجانب الفكري تفوق علي الجانب الفني له ، كذلك لم أتفق مع النهاية المباشرة التي تنهي الثورة السورية بسقوط الطاغية بشار الأسد أو موته ، كما جاء بالفيلم … لكنها علي أية حال وجهة نظر المخرج الذي دافع عن أسلوبيته ونهاية فيلمه ، وظني أن أحمد عاطف ، بحكم ثقافته ووعيه الفني ، لديه مايمكن تقديمه في مشروعيه القادمين حول: ثورة ليبيا ، وثورة 25 يناير ، وهو أهل لذلك بالتأكيد.

يبقي أن نشير إلي أن مخرج الفيلم وصانعوه ، قدموا للسينما العربية فيلما يتناول الأحداث التي مازالت تدور علي أرض الواقع ، وفي عز جبروت الأنظمة التي يدينها الفيلم ، وهذا بلا شك يحسب لفريق العمل بكامله من فنانين وفنيين ، وتجدر الإشارة إلي الأداء التمثيلي المقنع للنجمين الأخوين ملص ومعهم النجمة لويز عبد الكريم ، وفريق الممثلين الهواة ومنهم: فرحان مطر ، حسام ملص ، سلمي الجزايرلي والطفلة الموهوبة ناتالي مطر … الموسيقي التصويرية للفنان خالد داغر أضفت علي الفيلم تناغم وجداني بينها وبين الصورة ، ربما لم تحالفها الحظ في بعض مناطق الفيلم حيث جاءت زاعقة بلا مبرر أو في غير موضعها … المونتير محمد الشامي أصابه التوفيق لحد بعيد ، فيما يتعلق بالإيقاع العام للفيلم ، والذي يحسب له مشهد الفلاش باك بالأبيض والأسود ، الذي يفسر الطبيعة النفسية لكل من الأخوين: هلال و بلال … مدير التصوير (لأول مرة) حسام حبيب ، ينبئ بقدوم فنان متمكن من أدواته ، تفوق في التصوير النهاري والليلي ، الداخلي والخارجي من حيث زوايا التصوير وتصميمات الإضاءة … الفيلم في مجمله يمثل حدثا كبيرا في السينما الروائية نأمل أن يكتمل بالثلاثية التي وعد بها أحمد عاطف.

 

لا تعليقات

اترك رد