الانتظار

 
لوحة للفنان احمد قليج

القاعة ملآى بالمنتظرين، رجال ونساء أثقلتهم الهموم، ودّوا لو يجدون عنها براحا، أوقاتي مثقلة، تتراكم علي الأعباء، لا أجد متنفسا لأخلو إلى نفسي أو أؤدي عملا أثيرا أحبه، فكل ما أقوم به مفروض ..

الحاضرون يحدّث بعضهم بعضا، يسرد عليه همومه ويقصّ عليه متاعبه، وأنا لا أجدُ من ينجدني من حالتي، أمنياتي قليلة، أتمنى لو أحظى بلحظات حرة، لا يملكها الآخرون، أتمدد، أجلس مسترخية، أفكر بشيء لا محدود، أسير بلا هدف، لا أهرول، وأهرب من أمور لا أعرف كنهها، تدفعني متاعبي إلى مضاعفة سرعتي، وتدفع بي قوة غامضة، فلا أقوى معها على التقاط أنفاسي ..

عملي جميل مع كونه مرهقا، يسخرون مني حين أخبرهم باني عاشقة لمهنتي، تفكيري باحتمال فقدانها يثير فيّ رعبا أخطبوطيا، بدأت أفقد العديد من الأصدقاء المقربين، لا يريدون تصديقي وحالتي ميئوس من برائها ..

تنادي السكرتيرة على اسم رجل من الحاضرين، يقف المعني بالنداء ويدخل… هذا الطبيب مشهود له بالكفاءة، لكني لم ألحظ تحسّنا في وضعي النفسي، وقد عدته مرات عديدات، لم يعد الأمر يطاق، ماذا ألم بي ؟ لم يعد نسياني مما يستهان به، أضحى لا يغتفر، أدخلني في مآزق لم أستطع لها تبريرا….. إحدى الحاضرات وجهها مألوف، هذه الأناقة وذلك الجمال رأيتهما، أنا واثقة من هذه الحقيقة، تحدّثت مع صاحبة هذا الوجه، ولكن أين ؟ ومتى كان ذلك اللقاء ؟ وما نوع الأحاديث التي أجريناها ؟ وأين تمّ ذلك ؟هل تشاركني عملي ؟ أم تجاورني في سكني ؟ وهل تشترك معي في هواياتي واهتماماتي ؟ من يدريني ؟ قد أكون حدثتها أو استمعت إليها

عند ذهابي إلى السوق آخر مرة…..إنها تبتسم محيية إياي، فمن تراها تكون ؟ ولكن ما بالي وماذا جرى لي ؟ حتى المقربين مني لم يعودوا بمنأى عن تفاقم حالتي، التي كثيرا ما بررتها بضغط الأعباء عليّ وتراكمها ..
لم أعرف للوهلة الأولى، مديري في العمل، فقد ناله مع زوجته نصيب من نكراني….. لم يقولا شيئا، ربما لم يلحظا نسياني…..

تذكرتهما بعد لحظة فتلعثمت وسال عرق الخجل مني، ثم بادرتهما بالتحية…… السكرتيرة تنادي على اسم امرأة، تنهض الزائرة بارتياح،

كمن يحقق انتصارا، المرأة الأنيقة تقوم ، أتابعها وأحاول تذكر من تكون ؟ تتصفح المرأة الجميلة إحدى المجلات النسائية، الطريقة المتبخترة في السير أعرفها،أنا على يقين ،وقد رأيت تلك الإبتسامة ، ولكن ما حسبي ؟ كثيرا ما أصادف أشخاصا في الطريق، وأجد وجوههم مألوفة، وأشعر أنني أعرفهم وأبدأ بسؤال نفسي عمّن يكونون، ولا أهتدي إلى الجواب إلا بعد أن يبتعدوا عني.

الوقت يمرُّ بتثاقل وبطء، الطبيب بارع يضع يده على موضع الداء، ولكن كيف يمكنه تشخيص الدواء إن تعددت مواضع الألم.

يُقرع الباب، يدخل رجل جاوز الخمسين، وخطه المشيب، عركه الدهر بنابه، أنا متيقنة أنني أعرفه ولكن كيف ؟ يقترب الزائر بأدب جم وابتسامة تزيل تجاعيد وجهه المتغضن، يحييني الرجل، يستفسر عن الزوج والأولاد، أجيبه بكلام عام، ولكن هل أساله عن الزوجة والأولاد كما فعل هو؟ أم اكتفي بالابتسام، هل هو متزوج ؟ أله أولاد ؟ كم عددهم ؟ يخبرني الرجل أن سميرة تسأل عني وهي تشتاق إلى رؤيتي ، فمن تكون سميرة هذه ؟ أقرر أنني سأخبره أنني اشتاق إليها أكثر مما تشتاق إلي، ولكن من يدريني أن الرجل يعرفني حقا ؟ألا يحتمل انه يشبه ،وهو يعني امرأة أخرى ؟ هل أحاول أن أستفسر منه عمن يكون ؟ ومن سميرة هذه ؟

ينقذني من حيرتي، والورطة التي تكتنفني، أن السكرتيرة تنادي على اسم آخر، يبتسم الرجل ويجلس بعيدا عني، لعله أدرك أخيرا أنني لا أعرف عن عائلتهم الموقرة شيئا، وأنني أعاني من متاعب نفسية، قد تكون أكثر مما يعانيه هو، أتظاهر بقراءة موضوع في إحدى المجلات، والحيرة تتضاعف في نفسي ،يبتسم لي أحدهم، أشعر انه قد حان دوري للاستفسار عن العائلة وعن صحّة الأولاد، يبدو الاستغراب واضحا على محيا الرجل وما أن أحاول الإجابة،حتى يأتي إلي الإنقاذ ، تنادي السكرتيرة على اسمي، أتنفس الصعداء، ادخل مهرولة كعادتي

لا تعليقات

اترك رد