قصيدة النثر و إشكال الحداثة


 
لوحة للفنان نصر سامي

إثر بدء:
إن ظهور “قصيدة النثر” كأسلوب شعري جديد، يعد ثان التحولات التي عرفها الشعر على مستوى المفهوم، وكذا الشكل و المضمون. فالقصيدة الجديدة تعتبر انقلابا نوعيا حيث قطعت كل خيوط القرابة مع أوزان الخليل، خلاف “الشعر الحر” الذي ظل مرتبطا به من خلال” وحدة التفعيلة” هذا من ناحية الشكل. أما على مستوى المضمون، فقد تجاوزت “قصيدة النثر ” المواضيع القديمة، من مدح وهجاء ورثاء و غيرها…”فالشاعر الحديث يرفظ أن يقسم عباراته تقسيما يراعي نظام الشطرين ، و إنما يريد أن يمنح السطوة المتحكمة للمعاني التي يعبر عنها”(1)، فهي وليدة تطور، يسعى من خلاله أصحابها إلى رفع هذا النموذج إلى مستوى ” النص الشعري” بعيدا عن القوالب والأشكال التنميطية.

قصيدة النثر: التاريخية و التطور
و إذا ما اعتمدنا على ما كتب حول ” قصيدة النثر”؛ في الثقافة الغربية، من خلال كتاب سوزان بيرنار “قصيدة النثر من بودلير إلى اليوم الراهن” الصادر عام 1959م، نرى أن جذورها ضاربة في أعماق التاريخ، تاريخ الآداب العالمية، حيث نجد أن الخطابة اللاتنية كتبت بمثل هذا النوع من النثر ،” إلا أن المتتبع لتاريخ الآداب العالمية لا يمكن أن يتجاهل اسم آرثر رامبو الذي التصق باسمه أنه مبتدع قصيدة النثر”(2)،وهذا لايعني أنها ارتبطت بفرنسا فقط، فقد كان سائدا هذا الأسلوب الشعري الجديد في روسيا و ذلك في كتابات “غوغول” و”تورجينيف”، وكذلك في انجلترا ف “قد حاول باترسون pattersson في كتابه”إيقاع النثر” أن يعلل الايقاع بنسق من الترقيم المفصل، كما أكد جورج سانتسبريsaintsburyG. صاحب كتاب “تاريخ ايقاع النثر الانكليزي” على أهمية التنوع للنثر الايقاعي”(3).

أما بخصوص الشعر العربي الحديث، فيظهر أن الإشكال الذي وقع فيه هوإشكال النثر وإلحاق النثر بالشعر، وربما يرجع السبب في ذلك –كما ذهبت نازك الملائكة-إلى المترجمات، حيث إن المترجمين كانو يدققون في ترجمة الشعر الأوروبي، فيكتبونه على شكل نثر وذلك لضرورة علمية، وحتى ينتفع به الطلبة، وهذا مبرر قد يكون عاملا من عوامل ظهور “قصيدة النثر” كما هي الآن، وإن كان متعصبة للقوالب الشعرية القديمة أو الحرة، حيث “يعد فرانشيس مراش من أوائل الكتاب العرب الذين أفادوا من الاسلوب العربي المسيحي وأسلوب الرومانتيكية الفرنسية،وبخاصة في كتابه “غابة الحق (بيروت1886)و”رحلة باريس”(بيروت 1867) إذ فيهما فقرات يمكن أن تعد شعرا منثورا”(4)، وإن كان بعض الدارسين يرجعون بواكيرها الأولى إلى الأربعينات في محاولات “حسن عفيفي” و “ألبير أديب”، وهي محاولات يمكن اعتبارها شعرا منثورا، وكذلك كتابات “جبران خليل جبران” و “أمين الريحاني” “(…) صاحب أول تجربة في الشعر المنثور الذي ضمنه كتابه “الريحانيات” إلى جانب مقالاته وخطبه، وعلى تجربته هذه أطلق هو مصطلح “الشعر المنثور””(5). ويظهر هنا علاقة “قصيدة النثر”ب”الشعر المنثور” فقد كان نقطة انطلاقة لها بالرغم من احتفاظه بالقافية والايقاع، بعيدا كل البعد عن قوانين الخليل.

ولعل من أبرز الثائرين على مفهوم الشعر بالنظرة القديمة، وقوالبه الشكلية والمضمونية ،التنميطية،”جبران خليل جبران”و”ميخائيل نعيمة”، فالحركة التجديدية التي كانت بقيادة شعراء المهجر كان لها تأثير كبير على الشعر العربي جملة وتفصيلا. يقول جبران في مقالة له بعنوان :”لكم لغتكم ولي لغتي”:”لكم لغتكم ولي لغتي،لكم من لغتكم البديع و البيان و المنطق، ولي من لغتي نظرة في عين المغلوب و دمعة في جفن المشتاق وابتسامة على ثغر المؤمن…لكم منها ما قاله سيبويه و الأسود و ابن عقيل …ولي منها ما تقوله الأم لطفلها و المحب لرفيقته ،و المتعبد لسكينة ليله…”(6).

و إذا كان النقاد، قد صنفوا كتاباته ضمن “الشعر المنثور” الذي اعتبر مرحلة أولية ل”قصيدة النثر”؛ فإن الدكتور نذير العظمة يذهب إلى اعتبار كتاباته خارج الأجناس الأدبية،وهذه نقطة تشكل محط نزاع بين النقاد. يقول نذير العظمة:”و أول من حاو ل الانتقال بايقاعاتنا الشعرية من الكم إلى الكيف هما جبران خليل جبران، و أمين الريحاني، أما جبران فلم تكن القصيدة وحدها من همومه بقدر ما كانت الكتابة عموما، ولم تستهوه الأنواع والأجناس الأدبية لذواتها بقدر ما استهواه الانسان و الحياة”(7)، وقد شاع هذا النمط من الكتابة -الشعر المنثور- عند جبران في كتاباته:”العواصف”و “البدائع والطرائف”وكذا عند “أمين الريحاني”، إلى أن جاء الشاعر اللبناني “فؤاد سليمان” الذي بدأ من النثر الجبراني و مهد “للقصيدةالنثرية”، ثم جاءت مجلة “شعر” عام 1957 وشجعت على كتابة القصيدة النثرية، بخلاف مجلة “آداب ” التي كانت في الموقف المعارض بزعامة سهيل إدريس.
و”تسمية” قصيدة النثر ” يظهر أنها اطلقت لأول مرة في مجلة “شعر”في دراسة لأدونيس (صيف1959) بعنوان”محاولة في تعريف الشعر الحديث “وهي مقالة أتبثها في كتابه زمن الشعر”(8). وسنسوق هنا مقطعا من هذه المقالة يقول أدونيس :”إن تحديدالشعر بالوزن تحديد خارجي سطحي، وقد يناقض الشعر أنه تحديد للنظم لا للشعر، فليس كل كلام موزون شعرا بالضرورة، وليس كل نثر خاليا بالضرورة من الشعر .إن قصيدة نثرية يمكن بالمقابل أن تكون شعرا”(9).

وقد هوجمت هذه المجلة من قبل نقاد و شعراء، من مثل “نازك الملائكة” و إن كان رأيها بادئ الأمر جريئا نوعا ما في مقدمة ديوانها؛ “شظاياورماد”، حينما أكدت أن الشعر المعاصر لا يتقيد بنموذج سابق، وتقول مهاجمة “في لبنان قامت دعوة صريحة تبنتها مجلة (شعر) تدعو فيها إلى أن الوزن ليس شرطا أساسيا في الشعر، و من تم أسموا النثر شعرا لمجرد أن يحتوي على مضمون معين و أسموا قصائده بقصيدة النثر أو(الشعر المنثور) …ذلك أن القصيدة إما أن تكون قصيدة وهي إذ ذاك موزونة، وليست نثرا وإما أن تكون نثرافهي ليست قصيدة”(10).

ويبدو أن هذا الطرح يؤصل ل”قصيدة النثر” من وجهة نظر غربية، حيث أوصلوها بشكل مباشر بقصيدة النثر الفرنسية. إلا أن هناك طرح ثان، يربط “قصيدة النثر” بجذور عربية محضة، حيث يرجعونها إلى زمن أبكر من زمن “الشعر المنثور”، أي لها جذور في “القرآن الكريم”و كذا في الشعر الصوفي، “فالشاعر العربي المعاصر لا يكتب من فراغ، بل يكتب ووراءه الماضي و أمامه المستقبل، فهو ضمن تراثه، ومرتبط به. و لذا نرى الروافد الإبداعية الأصلية في التراث تلون الشعر العربي المعاصر بأضواء مختلفة، و يأتي القرآن في الدرجة الأولى (…)مما أدى إلى خلق صياغة شعرية جديدة “(11).

ونود في هذا الاطار، أن نتساءل بخصوص القرآن الكريم هل هو شعر أم نثر؟ وحينما نعتته قريش بأنه شعر؛ هل هي غير متمكنة من الوزن والتقفية و البحور الشعرية أنذاك؟ وهناك من اعتبره نثرا. و بذلك نجد “نازك الملائكة” تقول:”(…) وبعد فهل أجمل من القرآن في اللغة العربية ؟و القرآن نثر لا شعر، وفيه مع ذلك كل ما في الشعر من إيحائية و خيال وثّاب و صور معبرة و ألفاظ مختارة اختيارا معجزا فهل ينقص من قيمة القرآن الجمالية أنه نثر لا شعر؟ وأي شعر في الدنيا أروع وأحب من هذا النثر القرآني البديع”(12). وبقدر ما تم ربط “قصيدة النثر” بالقرآن الكريم، ارتبطت بالشعر الصوفي، نظرا لتأثر الشعراء الحداثيين بتجارب المتصوفة و رؤاهم و اللغة الغريبة التي تحاول الكشف عن مكنونات النفس البشرية، ويقول في هذا الشأن الدكتور عبد الرحمان محمد القعود:”فقد تأثر شعراء الحداثة العربية بالصوفية ورؤاهم و تجاربهم الباطنية وتوسلهم بالخيال والحدس الشعري إلى المجهول، و خروجهم على الدلالات المألوفة للالفاظ وعلى الأبنية الشائعة للأساليب”(13). وهذا يرتبط بشعراء الشعر الحديث عامة، وشعراء “قصيدة النثر” خاصة.
ويعد هذا الطرح الذي يربط” قصيدة النثر” بجذور تاريخية عربية التي تبناها مجموعة من الشعراء و النقاد، شأن الشعر الحر، الذي تم التأصيل له ب”البند” الذي نسب ل”ابن دريد” في القرن الرابع الهجري.

و”قصيدة النثر” –كما يؤكد أدونيس- هي قصيدة عربية لكونها نستكشف في معناها العميق وضع الانسان العربي الحضاري و تطلعاته، “مع أنها في الأساس مفهوم غربي، وقد أخذت بعدها العربي، خصوصا بعد تعرف كتابها على الصوفية العربية، فقد اكتشفوا في كتابات النفري خاصة و التوحيدي و البسطامي وابن عربي و السهروردي، أن الشعر لاينحصر في الوزن وأن طرق التعبير و طرق استخدام اللغة هي جوهريا شعرية وإن كانت غير موزونة”(14).

وأدونيس في خضم هذا الاشكال المرتبط “بقصيدة النثر” في إطارها التاريخي، يحاول أن يجد مخرجا، فهو يرى أن “قصيدة النثر”العربية ليست انتحالا أو سرقة للنموذج الفرنسي و إنما يشبهها ب”الآلة” و”استخدام الآلة ليست في ذاته سرقة ولا انتحالا (…)فالجامع بين “قصيدة النثر”العربية و”قصيدة النثر”الفرنسية أو غيرها (…)”الاسم الواحد””(15) مع العلم أن هناك اختلاف، و مفارقات شعرية و فنية عظيمة و عميقة، لكننا إذا ما اعتبرنا هذا الطرح الأخير صحيحا، فإننا لا نكون خاطئين حين نقر بأن هذا لا ينفي تأثير قصيدة النثر الغربية عليها، حيث نجد على سبيل المثال أن جبران يحتدي حدو وليم بليك، وأمين الريحاني يحتدي حدووالت ويتمان.

و من الطبيعي أن مسألة ” قصيدة النثر العربية” ترتبط بفعل التطور الذي تسهم فيه مجموعة من العوامل حسب الشرط التاريخي و الموضوعي. و الحداثة من أهم هذه الشروط التاريخية التي أسفرت عن وجود نمط شعري جديد يتلاءم مع متطلبات الإنسان الحداثي في ظل التغيرات السريعة التي أصبح يعيشها. لكن الأمر يحتاج إلى تبيان، لأن الأمر لا يرتبط بالقشور و السطحية، بقدر ما نعتبر أن التطور هو “رؤيا” ذات مفهوم عميق فلسفيا و وجوديا.

 الحداثة الشعرية: الوهم الزمني عصب الإشكال
إنه من خلال اطلاعنا على مفهوم الحداثة، و مدى تأثيرها في الثقافة العربية، خاصة الشعرية بمختلف اتجاهاتها، يظهر أن هناك من يربط الحداثة بالعصر، وبالتالي يربطها بالزمن الذي نعيشه، و هنا يبدو خلط بين كل من الحداثة و المعاصرة وإن كانا متقاربين فهما ليسا متطابقين .
فالمعاصرة ترتبط بعلاقة وطيدة بالعوامل الزمانية و المكانية، و في مجال الشعر،يمكن لشاعر أن يطعم بقضايا و إيقاعات عصره قوالب شعرية تقليدية ترجع للزمن الماضي. أما الحداثة فهي مرادفة للتطور و التجديد خارج حدود الزمان و المكان، نظرا لأن طبيعة الانسان بكل مكوناته اللغوية والفكرية تتوق إلى التجاوز و الابتكار، ويظهر هذا في مجموعة أعمال إبداعية حد التفرد ” فالموناليزا منذ وجدت حتى الآن، و الإنسان يستمتع بما فيها من حيوية طازجة خارج كل الحدود، و مثل هذا القول ينطبق على الأعمال الذكية لأنجلو وسوفيكليس وشكسبير و المتنبي و ابن الرومي بما تقدمه من إعادة اكتشاف العلاقة بين الذات و الموضوع على نحو يضمن للصورة التعبيرية دوام الجدة من خلال الابداع المنفرد الذي لايمكن مقارنته بغيره “(16).

و الحداثة على هذا الاعتبار، يمكن أن تتواجد في كل زمن و عصر، إلا أنها تلبس خصوصياته المكانية والثقافية و الحضارية، تختلف من عصر لآخر و من أمة لأخرى. وهذا ما ذهب إليه “أدونيس”، فيما أسماه ب “أوهام الحداثة” في إطار الظاهرة الشعرية؛ إنه وهم الزمنية، و يبدو هذا الوهم ذو قيمة لأنه في نظري يضم الأوهام الأخرى من مغايرة، و مماثلة ووهم التشكيل النثري…و غيرها، فالزمن هو المتحكم في كل هذه المتغيرات الشكلية والمضمونية، وفي هذا السياق يقول :”فهناك اتجاه يرى أن الحداثة هي الارتباط المباشر اليقظ باللحظة الراهنة، هكذا يرى أن التقاط حركة التقلب في هذه اللحظة دليل على حداثة الملتقط. واضح أن أصحاب هذا الاتجاه ينظرون الى الزمن على أنه نوع من القفز المتواصل التراتبـي، بحيث أن ما حدث الآن متقدم بالضرورة على ما حدث أمس، و أن ما يحدث غدا متقدم عليهما معا “(17).

و يظهر من خلال هذه اللهجة النقدية الساخرة ،خطأ الربط بين الزمن والحداثة، و يردف قائلا :”وخطأ هذا الاتجاه، هو في أنه يحول الشعر إلى زي، عدا أنه يغفل أمرا جوهريا هو أن الشعر الأكثر حداثة صدر و يصدر عن عمق زمني يتجاوز اللحظة الراهنة و يستبقها. فلا يكتب الشعر حداثته من مجرد راهنيته و إنما هي خصيصة تكمن في بنيته ذاتها”(18).

وبهذا المعنى، نجد أن الحداثة ليست رهينة العصر بقدر ما هي ضاربة في أعماق الزمان والتاريخ البشري عامة، والعربي خاصة، و في إطار الظاهرة الشعرية نجد شعراء حداثيين نسبة للعصر الذي يحيون فيه، فمنذ العصر الأموي، ومنذ اتساع رقعة الاسلام و بفعل انفتاح العرب على أمم و أجناس أخر، بحضاراتها وتاريخها و ثقافتها عرف الشعر العربي نفحة التغييرو التطور الذي يمكن نعته بالحداثة “فهذا أبو تمام أول شاعر عباسي أثار تجديده الشعري جدلا حاميا و كان غموض شعره من أهم العوامل التي أخرجته عن عمود الشعر القديم و من أمضى الأسلحة التي تسلح بها خصومه ضده”(19).

فيمكننا أن نتحسس حداثة في شعر قديم زمنيا، لا توجد في شعر معاصر أو آني،فالشعر لم يرتبط بالزمن كزمن بدقائقه وساعاته، و إنما الزمن هنا تاريخ و ثقافة و حضارة و كلها مظاهر تتجاوزالمفهوم الضيق للزمن. وهذا ما يؤكده أدونيس:”يمكن القول في أفق هذا المنظور، إن امرؤ القيس، مثلا، في كثير من شعره أكثر حداثة من شوقي في شعره كله،وإن في شعر أبي تمام، كمثل آخر، حساسية حديثة و رؤيا فنية حديثة لا تتوفران عند نازك الملائكة”(20). وهذا ما نجده كذلك عند “أبي نواس” و “بشار”، وغيرهم من الشعراء الذين أبدعوا على مستوى المضمون الشعري، ولم تقتصر الحداثة على هذا الجانب، بل هناك من الشعراء الذين حاولوا التجديد حتى على مستوى الأوزان والتمرد على قوانين موسيقى الشعر، وهيكل القصيدة العام “ففي العصر العباسي نجد أبي العتاهية قد اخترع أوزانا جديدة لم تكن معروفة من قبل، يورد أمثلة منها صاحب الأغاني، وأنه حين قيل له ” خرجت عن العروض” قال :”سبقت العروض”و”أنا أكبر من العروض””(21).

وهنا يتبين أن “الحداثة” مرادفة للابتكار والخلق والابداع الرهين بثقافة وعصر ما لدرجة لم يسبق إليه أحد أو اقترب من ذلك الإبداع، وفي هذا السياق نورد قولة ابن الرشيق التي يعرف فيها المبدع “مالم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء نظيره أو ما يقرب منه “(22)، إلا أن هذا لاينفي علاقة الماضي بالحاضر وتلاقح النتاجات الأدبية والثقافية والفكرية، والتي يمكن أن يصطلح عليها في ثقافة النص ب”السرقات” في النقد القديم و”التناص” باللغة النقدية الحديثة .

وفي هذا النطاق، يصعب ربط الحداثة بالزمن المعاصر واعتبارها وليدة اللحظة، و إن كان مفهوم اللحظة- الذي ظهر عند بودلير- مرتبط بالحداثة باعتبارها “سمة الحركة الدائمة المستمرة اللانهائية، الحركة العابرة أبدا، وكونها عابرة أبدا يعني أنها لا تسمح لشيء ما بالتمركز النموذجي أو النمطي”(23). ومن ثم فالحداثة الملتصقة بشعرنا الآن ليست زمنية بالمعنى التحولي من قديم إلى جديد، فكل شيء يعاصرنا حديث بالطبع حديث لكنه يتقادم بمرور الزمن، فالحداثة إذن هي حداثة إبداعية تمتح من الماضي، وتساير روح العصر، و تمتد نحو المستقبل البعيد إنها “الرؤيا” المتجددة نحو الوجود والانسان.

و ملاك القول:
إن التحولات التي عرفها الشعر العربي من حيث المفهوم، او على مستوى الشكل و المضمون ترتبط أساسا بالحداثة، و على وجه الخصوص “الحداثة الشعرية العربية”، في ارتباطها بثقافة الآخر، و تشربها من الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العربي على إثر النكبات التي عرفها الشارع العربي. وحنينها الموسوم بالنفس التراثي.

لكن، هذا لم يمنعها – أي الحداثة الشعرية العربية- من أن تعاني أزمات، أو ما اصطلح عليه محمد العبد حمود ب”مأزق الحداثة”. هذه الأزمة التي تفجرت في إيقاعات القصيدة العربية،وفتحت آفاق الغربة والرؤيا المأساوية التي خنقت الشاعر العربي. ومن جملة ما خلص إليه الناقد(رئيف الخوري) “أن مأزق الحداثة يكمن في أمرين بارزين:
عدم قدرة هذا الشعر – أو القسم الأكبر منه – المحافظة على الايقاع والمحافظة على تلك اللشحنة المستمدة من أجواء مثيرة بفنها و صور موحية بجلوها.
عدم قدرة هذا الشعر المحافظة على الأصالة العربية”(23).
وإذا كان الشاعر يعتقد أنه انتصر شعريا من خلال الحركية التي قد ساهم بها ضمن المشهد الثقافي الشعري بفعل منابرإعلامية وثقافية، فهو في حقيقة الأمر؛ غلب الجانب الايديولوجي على الجانب الابداعي والشعري، الأمر يتعلق بثلاثة توجهات “الآداب” و “شعر ” و”الثقافة الوطنية ” وعلى اختلاف إيديولوجياتها، ورؤاها الفنية كلها تجندت في سبيل الدفاع عن الشعر الحديث، لكن “ما يهمنا من هذه المعركة هو أنها لم تستخدم أسلحة النقد للدفاع عن شعر ية الشعر، بل استخدمت أسلحة من خارج الميدان كالايديولوجيا (القومية ،الوحدة) والصراع الطبقي والعقلانية ضد التخلف و الجمود…”(24). و الأمر في الحقيقة يحتاج إلى “الإبداع” أولا قبل “النقد” كما كان في سابق التاريخ العربي. لكن العكس هو الصحيح الآن في الواقع العربي المأزوم.
• هوامش:
(1) نازك الملائكة : قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين. بيروت.ط7 /أبريل 1983. ص63.
(2) بسام قطوس : قصيدة النثر بين حد الشعر و تجليات السريالية. مجلة أم القرى للبحوث العلمية المحكمة. السنة7. 9/1994. ص219.
(3) نفسه : ص219.
(4) نفسه:ص220.
(5) عبد الرحمان محمد القعود:الابهام في شعر الحداثة. مجلة عالم المعرفة. ع 279 . مطابع السياسة. الكويت. مارس 2000. ص152.
(6) محمد العبد حمود:الحداثة في الشعر العربي المعاصر بيانها و مظاهرها. دار الكتاب اللبناني. الطبعة1/1986.ص18.
(7) نذير العظمة : حركة الشعر الحديث المصطلح والنشأة . مجلة المعرفة. سنة: 28. ع 253. مارس 1983. ص64.
(8) عبد الحميد جيدة: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر مؤسسة نوفل. بيروت. لبنان. ط1/1980. ص320.
(9) أدونيس : زمن الشعر. دار العودة. بيروت. ط 3/1983. ص16.
(10) نازك الملائكة : سابق. ص157.
(11) عبد الحميد جيدة :سابق.ص65.
(12) نازك الملائكة : سابق.ص217.
(13)عبد الرحمان محمد القعود :سابق.ص 152.
(14)أدونيس: الشعر العربي ،الشعر الأوربي ، مجلة مواقف. ع41/42.بيروت.1981 ص39 (نقلا عن عبد العزيز بومسهولي:قصيدة النثر و الشعريات اللاعمودية. مجلة تفوكت عدد1/1996 ص86).
(15)عبد الرحمان محمد القعود : سابق. ص153.
(16)السعيد الورقي:لغة الشعر العربي الحديث مقوماتها الفنية وطاقاتها الابداعية. دار النهضة العربية بيروت،لبنان. ط 5/1984. ص40/41.
(17) أدونيس :الشعرية العربية. دار الاداب. ط2/1989. ص93.
(18) نفسه.
(19) محمد العبد حمود:سابق.ص18.
(20) أدونيس : فاتحة لنهايات القرن بيانات من أجل ثقافة عربية. دار العودة. بيروت.
ط1/1-3-1980.ص314.
(21) محمد العبد حمود: سابق. ص22.
(22) عبد الحميد جيدة: سابق.ص62.
(23) محمد العبد حمود: سابق. ص242.
(24) أحمد المعداوي :أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث. الشركة المغربية للطباعة و النشر. الرباط. ط1/1993ص5.

المقال السابقدم ..رخيص !
المقال التالىاستقالة ديفد كامرون … ظاهره وباطنه
رشيد طلبي ناقد و شاعر من المغرب. أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي. له ديوان بعنوان : " الرقص على إيقاع الصمت". منشورات وزارة الثقافة بالمغرب. عضو هيئة تحرير مجلة " الموجة الثقافية" بالمغرب. مكلف بالفضاء الثقافي في جريدة " المسائية". و عضو هيئة مجلة " كتاب الشاعر" التونسية.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد