نافذة وأربع عيون

 
لوحة للفنان تامر محمد

قرع صوتها أذنى إقتنصتنى من عز نومى , جلست فزعة وفى خطوةٍ واحدةٍ هرعت إلى النافذة دسست مقلتىَّ فى فتحة الشيش وأنا أحدث نفسى لقد جاءوا : آه ها هم قد جاءوا أتلفت حولى : إلى أين نذهب ؟ نصعد إلى السطح ؟ ثم تراجعت عن ذلك وقلت وهل يختبىء أحد فى العراء ؟ أم نختبىء عند الجيران ؟ ولكن كيف ؟ ولم نجاورهم إلا منذ ثلاثة أيام وربما كانوا من أشياعهم فلم تسلم حتى عائلتى من وجود بعضها فى أتباعهم حتى أختى الأقرب إلىَّ من بين أخوتى قد حولتنا هذه المحنة إلى ضدين يتمنى كل منا ¬لو يخذل الله الفصيل الآخر
بعد أن امتلك اليوم ميكروفونات ووعظنا حتى امتلأت قلوبنا حقداً فوزعناه بيننا بالعدل ، توجهت لزوجى وأوصالى ترتعد قم يا حامد .. قم
فتح عينيه فزعا مدهوشاً وسألنى متوقعاً … هل جاءوا ؟
أحاول أن أجد ريقى فتفشل محاولتى
– نعم يا حامد .. جاءوا .. تركنا لهم بلاد وبلاد وهاهم أسفل منا الآن , إنهض وانظر معى , إنهم الآن فى الشارع تحت شرفتنا
– قفز حامد ونسى آلام عرق النسا التى تشرخ فى ساقه كالصاروخ ووقف بجانبى يتابع من خلف الشيش وقد ملأوا الشارع بأشباحهم وسياراتهم , وبصوت خفيض يملأه الحذر قال حامد
– – ركزى أين تتجه وجوههم
– – بحروف مرتعشة يصعدون إلى العمارة المقابلة لنا , اتجه إليها عدد غير قليل منهم
– ولكن بقيت بقية من الأشباح متفرقة تجثم على أنفاس الأرض بظلها
– بصوت بحه الهمس قلت لحامد
– ألا ترى هذه الشرفة المضيئة فى الدور الخامس ؟ إنها مقصدهم فهذه المرأة التى تشير بيدها لهم تدل على ذلك .. قلبى معكم أحبابى ساكنى هذه الشقة البائسة
– بتوجس قال حامد لا تطمئنى لهم سيفرغون منهم ويأتون إلينا
– ننظر يا حامد وننتظر
دب الرعب فى قلبى بعد أن رأيت أجسامهم فى ظلام الشارع تتجه ناحية سيارتنا . هى هى الأشباح التى رأيتها منذ أيام تحيل صباح الميدان الصامد إلى دخان ونار وترعد فيه طلقات الرصاص وتحيله إلى ساحة معركة غير متكافئة بين جندى بكامل سلاحه وثائر أعزل لا يملك إلا صوتا يهتف سلمية .. حرية .. مدنية فاقتنصتهم هذه الآيدى الآثمة ببنادقهاا ووطأت هذه لأقدام الغليظة على صدور الشهداء وركلتهم بعيداً حيث أكوام القمامة , خفق قلبى خفقة شعرت معها أنى أختنق , أمسكت بيد حامد وأنا أتأوه
– قلبى قلبى
– وقد اجتمع عليه خوفان خوف على وخوف كابوس الفجر مالك ياسمية ؟ .. ماذا فى قلبك ؟
– يكاد يقفز من صدرى
– ضمنى إلى صدره قائلا : اثبتى فقلبى ليس بأفضل منه
ابتسمت له فى رثاء وقلت
– وهل تخاف يا حامد كما أخاف أنا ؟ لقد جاءوك كثيرا من قبل وكنت أقف ثابتة ملاحية لهم القول , ولكنها المرة الأولى التى أشعر فيها بالخوف
– بحزن ينساب من صوته هو نفس الذى جعلك تخافين ولأول مرة ,ثم أردف فى المرات السابقة كانوا يرون فينا بعضا من إنسانية , ولكن الآن ألم ترىْ قتلهم للبشر وحرقهم للجثث ؟ ألم تشهدى فى الميدان الجرافات تحمل الشهداء إلى القمامة ؟ لم نعد فى أعينهم بشراَ .. ولا حتى حيوانات
– صرنا قمامة يا سمية … صرنا قمامة يا سمية
– إخفض صوتك يا حامد إنهم ينظرون إلى نافذتنا
فتحت فرجة صغيرة من النافذة وأمسكت بأضلافها بقوة خشية أن تفلت منى فقد كانت لى كأنها درعى الحصينة وأطلقت نظرات تتجول فى الظلام أحاول أن أفتح عينىَّ أكثر لأرى هل أمسكوا بأحد ؟ ومازالت عيناى متوجسة قلقة ما بين الشرفة المضيئة فى الخامس ومدخل العمارة والشارع ولا أدرى لماذا وجدتنى أخاطب الشرفة قائلة من ياترى صاحب الحظ العاثر الذى وقع فى أيديهم .. ليتك أيها الإنسان صاحب هذه الشقة لم تبت فيها الليلة , وعاد حامد من الحمام بعد أن فاجأته الرغبة المتكررة فى الدخول الى الحمام
– اخترق صوتهم الصمت المخيم على العمارت
– إنزل يا سعيد .. إخلص
– صرخ طفل هناك فدوى صراخه فى فضاء الليلة الحزينة فقلت لعل هذا الطفل يبكى لانتزاع أبيه من حضنه .. مسكين يا صغيرى .. مساكين أيها الأطفال البائسون الذين يحيون فى زمن القهر ,ولدتم من آباء أحرار يعشقون الحرية ويضحون بكل غال حتى يستنشقها كل الناس ولوكنتم ولدتم لآباء تتساوى عندهم الحياة تحت القهر او فى ظل العدل المهم ان يحيوا وفقط لاستمتعتم بالنوم الهادىء والأحلام السعيدة , وكلما واصل الصبى صراخه واصلت أنا لهفى عليه وأوشك صوتى أن يخرج خارج النافذة , فنهرنى حامد أصمتى لا تتحدثى فقد عادور ينظرون الى نافذتنا
– تعتقد يا حامد أنهم سيصعدون إلينا
– بصوت متردد .. وما الذى يمنعهم من الصعود إلينا إن أرادوا
وقلت بشفتين لا يخرج من بينهما كلام
– ليتنا وضعنا الغطاء فوق السيارة حتى لا يتعرفوا عليها .. فقد اقتربوا منها جدا َ
– هامسا .. تمنيت الآن أنى قد فعلت ذلك.. ثم تساءل ترى من الذى أخبرهم عنا ونحن لم يمر علينا هنا سوى ثلاثة أيام ؟
– وكأنه تذكرشيئا .. ربما القناة الوحيدة التى مازالت تذيع بث المظاهرات خرج صوتها من شقتنا فبلغ أحدهم عنا
– بنبرة تأكيد قلت : من الغد لن أدع صوتها يعلو ويخرج عن حدود شقتنا حتى لا يتعرف أحد من الجيران على هويتنا
– فقال ساخرا : إذا جاء الغد وما زلنا هنا
وبد ا الوقت ثقيل الوطأة يجر نفسه جرا ومازالوا يملأون الشارع بأشباح تجمدت ظلالها على الجدران ومازالت الحركة مستمرة على سلم العمارة المقابلة وبرز فى الظلام بعض الخيالات للجيران فى الشرفات المحيطة ةتناثرت أصواتهم إلى سمعى من مختلف الجهات أصوات لا أتبينها ولكنها تحدث جلبة غير مفهومة
عدت لزوجى أسأله إلى أين نهرب منهم ؟ انتهكوا منزلنا فى غيبتنا , كسروا وبعثروا وسرقوا , فررنا منهم بحثا عن الأمان فلحق الخوف بنا ,وجاء صوته ثابتا مؤمنا يتلو على بعض الآيات
(( لنبلونكم بشىء من الخوف والجوع‘ ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ))
إستشعرت الآية كأنى أسمعها لأول مرة بعد أن لفت انتباهى إلى أن الله عز وجل بدأ أولا بالخوف لما للخوف من زلزلة فى النفس ,فسكنت نفسى وهدأت وعدت لانتظار فراغهم من شقة جارنا , وبعدما فقدنا الأمل فى أن نجد مخبأً خارج شقتنا , أمعنا فى سماع الهمس والظلام واختلاجات الخوف تستبد بنا نتابع حركات الأشباح ويعلو الخوف كلما كانت الحركة باتجاهنا أو اتجاه سيارتنا ودهشنا عندم سمعنا جارنا السورى يقف فى شرفته ويتحدث كعادته فى التليفون غمزت زوجى فى يده أنبهه لجارنا قائلة له
– كيف جرؤ هذا على الخروج والتحدث هكذا , إن هذه الليلة ليست كاليالى السابقة التى يزعجنا فيها حتى الصباح بمكالماته التى لا تنتهى
محاولا أت يسكتنى قال ضجرا : هو ليس مثلنا وليس مطلوبا حتى يتوارى
– ولو .. إنهم لا يسمحون أن يراهم أحد وهم يمارسون وحشيتهم .. كيف تركوه ولم ينهروه ؟
وفجأة تجمعوا من كافة أركان المربع السكنى , وعندما تجمعوا أمسكت بحامد استعدادا لصعودهم تشبثت به وأنا أترقب التفافههم لعمارتنا وأستجمع قواى للصمود أمام هذا الزلزال الذى سيجتاحنا الآن , انتظرت التقدم تجاه مدخلنا لكن حدث مالم اتخيل فقد انطلقوا جميعا الى سيارتهم . وأضيئت كشافاتها وانبعت أصوات أغانى الأفراح من داخل السيارات وتساءلت عينانا وبهتنا مما سمعنا هل زوار الفجر الآن يطلقون الأغانى وهم يداهمون المنازل ويعتقلون الثوار ؟ وفتح حامد النافذة أكثر ومازالت الدهشة عالقة بنظرات عينيه قائلا
– أنظرى ياسمية إنها سيارات خاصة وليست للشرطة , لقد كشف أضواء السيارات ما لم نكن نراه فى الظلام , تسمرت عيناى على ضوء السيارات وقلت مخاطبة الخواء الذى أمامى
– وماهذه اللحظات التى عشناها
– وهزنى مرة أخرى صوت سارينة الشرطة التى رجت الحى للمرة الثانية وهم يغادرون المكان
– تملكتنى الحيرة وهم ينزاحون من أمامنا ودخلنا الى مخدعنا بعد اختفاء الصوت بمغادرة السيارات , وقد ودعنا النوم تلك الليلة التى قضيناها نتأمل ماذا عساه قد حث فى حينا الجديد ولم نفهمه ؟
– حتى كان اليوم التالى وخرجت للشرفة أستنشق بعضا من النسيم المباح وغمزت نظراتى بعيدا فى شرفة الدور الخامس للعمارة المقابلة فرأيت ما حجبه الظلام وبالغ فيه الخوف أعداد كثيرة من السيارات ينزل منها رجال ونساء وأطفال يحملون الهدايا وعلب الحلوى وأسبتة الفاكهة وقد وقفت امرأة فى شرفة الدور الخامس تشير لهم أن اصعدوا فبادلتها احداهن بزغرودة وأتبعتها الأخرى بمثلها , أسرعت لأخبر حامد بما رأيت وأخذته من يده ليرى ( صباحية عروس ليلة الخوف ) , . . . بقيادة سارينة الشرطة
– وتبادلنا أنا وحامد ابتسامة طمائنينة عريضة حتى لو كانت طمائنينة دقائق
بقلم / وداد معروف

لا تعليقات

اترك رد