البعث من جديد- قراءة في رواية طارق امام ” الأرملة تكتب الخطابات سرا “

 
البعث من جديد- قراءة في رواية طارق امام

البعث من جديد
” الأرملة تكتب الخطابات سرا ”
لطارق إمام
مقاربة أولي

تنهض هذه الرواية علي فكرة ” البعث من جديد” من خلال صيرورة البحث الدائم والمتنامي عن ذات مفقودة كاد أن يطويها الجمود, فعبر لغة سحرية شفافة, أخذنا المؤلف إلي حقل الدهشة منذ السطور الأولي للرواية..
عندما نشعر أن الزمن الذي نعيشه ليس زماننا, وأننا لم نعد نملكه, وأننا أصبحنا كذات بلا دور فاعل في الحياة, وبأن الموت المعنوي يقترب منا, هنا يصبح استدعاء الحلم القديم والبحث عنه هو الملاذ الوحيد لطرد طائر الموت المخيم علي رؤوسنا. يحتاج الإنسان الفرد/ المجتمع الذي يصاب بالتوقف والجمود إلي حدث جلل ينطلق منه إلي فعل الحركة لتبدأ رحلة البحث عن ذات مفقودة وهنا ينجح الكاتب في اتخاذه من حادث الخطاب الغرامي” ا لذي استطاع أن يهشم زجاج غرفة نوم الأرملة التي تحلم ” حدثا هو بمثابة الخطوة الأولي في رحلة طويلة ممتدة أشبه برحلة البعث.” كانت المدينة غارقة في جلبتها التي حركت زمنا راكدا, والقليلون الذين شاهدوا رحلة الخطاب المرفرف بعد أن غادر اليد التي أطلقته وحطي عبوره الصاخب لم يندهشوا. اعتبروها معجزة أخري قابلة للتحقق في سماء بلا تاريخ “. هنا يمهد الراوي لحركة التاريخ الذي قد قارب علي التوقف والزمن الذي أصبح راكدا فالتوقف عند الحدث الجلل لا يفعله غير قليلون.

ارتبطت رحلة البعث / بعث ألذات الميتة بالتنقيب عن ما نملكه وبإحصاء الأشياء التي تربطنا بالحاضر” بطريقة تفكير عملية بدأت تحصي الأشياء القليلة التي كانت لا تزال تربطها بالحياة: أنفاسها, وصفي أسنان مكتملين ناصعي البياض, ويدا لا تزال تعمل.” بطريقة البحث العلمي والعملي من تجهيز أدوات البحث واختيار منهجه نوقن أنه بمقدورنا أن نحي الحلم القديم وأن تبعث فينا الروح من جديد وأن نحرك الزمن الراكد. من هنا كان اختيار الكاتب لبطلة روايته مهنيا, فهي المعلمة المنوط بها العلم والتربية في آن واحد, في زمن شهد تدني دور المدرسة التربوي والتعليمي, ليصبح استلهام عبق الزمن الجميل عن طريق إحياء الحلم القديم وبعثه من جديد مشروعا بحثيا مهما.استخدم الكاتب أساليب بحثية من خلال الرحلة الطويلة الممتدة لبطلة الرواية بدء من نقطة المعرفة الأولية ” أن الوقت قد حان لتتعرف من جديد علي المدينة ” . إعادة بعث الذات المفقودة تتطلب البدء من نقطة الصفر المعرفية , يتبعها التأمل فالملاحظة فالتدوين فالمقارنة فالاستنباط , وأظن أن الذات هنا قد تكون مجتمع ما أو حضارة , قد شاخت فكان عليها البحث ومن ثم البعث من جديد لتنهض علي أسس جديدة أساسها الاطمئنان والسكينة. لقد اتكأت عملية البحث علي عدة مفاهيم سندلل عليها تفصيليا كما جاء في فضاء السرد الروائي نفسه.

1- الداخل والخارج ” الشكل والمضمون “/ الجوهر والمظهر.
استخدم الكاتب المفارقة السردية ليبين من خلالها المواقف الدرامية لتكون عامل مساعد قوي في بناء الدلالات اللغوية, لقد تصاعد البناء البحثي ليصل إلي نتائج ليس من شأنها أن تغير الزمن الذي أصبحنا بعيدين عنه فحسب بل تجعلنا نبعث زمنا جديدا, نمسك بتلابيبه فيصنع حياة تتحقق فيها الطمأنينة علي نحو بين.
ما بين القديم بما كان يحمله من جمال ومابين الجديد الغير واضح المعالم تدور عجلات لغة الكاتب مستخدمة المفارقة تارة والتضاد تارة أخري بين الشكل والمضمون أو الجوهر والمظهر.” خرجت إلي البلكونة, كان الصبح مظلما كأنه الليل . رأت أسراب فتيات في ملابس كحلية وبيضاء, يتضاحكن وعلي شعورهن أحجبة مرتجلة. تحسست شعرها المطلق بقدر من الخجل.”
في زمن لا نملكه يصبح الصبح كأنه الليل, والأحجبة مرتجلة, ورغم شعورها بالخجل من إطلاق شعرها فإنها مازالت تحمد الله علي أنها مازالت تحمل مسؤولية المحافظة علي بعض روائح الزمن الجميل.
الرحلة مازالت ممتدة, والبحث جاريا علي قدم وساق في الزمن الحاضر الذي لا نملكه, فالشوارع تمتلأ بأسراب رجال بجلاليب بيضاء فضفاضة” عوراتهم تكاد تكون مكشوفة. الحصر الخضراء تفترش الشوارع علي عجل . وماهي إلا لحظات حتى انطلقت مكبرات الصوت في كل مكان. عبارات مكررة يتردد صداها وتتلاحق بلا نهاية ”
” أصل شكلك مش من هنا خالص .. سايبة شعرك وبتلبسي هدوم قصيرة.. الستات هنا كلهم بحجاب وفاستين واسعة.. زمان ما كانش كدا … انتي طبعا فاكرة. ”

2- الموت الطريف:
بطلة الرواية التي عادت للمدينة الصغيرة بعد غياب طويل كي تدفن بها بعد موتها , وخلال رحلتها في البحث عن مقبرة ” رحلة معكوسة ” كانت تتهيأ للموت وتعد نفسها لاستقباله ومن خلال استعدادها للموت كانت تتأمل الحياة وحدها بعين فاحصة ناقدة لزمانها , حالمة ببعث الزمن الجميل من مرقده ” فكرت ملك كثيرا في مشهد موتها , والذي بدا دائما قريبا منها , خاصة وأنها شاخت قبل زمن ليس بالقليل . لم يتبق من أسرتها سوي أقارب بعيدين , وأبناء عمومة لا تعرف عنهم شيئا . بدا لها مشهد موتها طريفا رغم كل شيء. نعشها يتحرك علي أكتاف أربع مراهقات.. ومن خلفه قطيع التلميذات في الرداء المدرسي الموحد.”
– في حاجات غريبة يتحصل في البلد.

3- المراجعة التاريخية والمعلوماتية واستقراء النتائج:
” ليس هناك ما يعوض خطابا كتبته يدك تلك” بتلك الجملة بدأت البطلة لحظات المراجعة لتاريخها الممتد وهي تضاهي تماما المثل القائل ” ما حك جلدك مثل ظفرك ” , تلتها ” أن الوقت قد حان كي تعيد كتابة خطاباتها القديمة كما كان يجب أن تكتب في حينها ” . لذا فإن المراجعة التاريخية الصادقة يجب أن تبني أساسا علي معالجة الأخطاء السابقة وإلا فلا فائدة حقيقية ترجي منها, ليس ذلك فحسب وإنما يسبقها الاعتراف بالأخطاء نفسها.لذا فالشطب ومن ثم التجديد والتطوير والبعث من جديد هي ثوابت المراجعة التاريخية بعد الاعتراف الصادق بالأخطاء ولعل ذلك لابد أن يتزامن مع حركة مجتمعية كلية وليست لفئة دون الأخرى وخاصة السلطة التي تمثلت في محافظ المدينة, فرغم أن البطلة منهمكة في مراجعتها التاريخية بدقة متناهية نجد محافظ المدينة يعيد رصف شوارعها لكنه في نفس الوقت يضحي بالجوامع وبالآثار القيمة فيهدم الجوامع ويغير من تاريخ شارع له في النفوس قيمة.” بدأ المحافظ الجديد عمله بتحويل المدينة كلها إلي آلات رصف وهواء ترابي ”
– ده كمان بيوسع الشوارع ويهد الجوامع.”
” فكرت فجأة أنها – ومنذ سنوات – لم تعد تعرف شيئا عن المدينة إلا من خلال هؤلاء البنات , اللائي لا يعرفن شيئا بدورهن إلا من خلال الآباء, وأن لا أحد هنا تقريبا يعرف شيئا من تلقاء نفسه .”
وهنا يتضح أزمة هذا الزمن المعرفية والتي تتمثل في النقل والتلقين والحفظ دونما تمحيص أو جهد بحثي ذاتي يعتمد علي فهم الأمور واعماد العقل في شتي مجالات الحياة.

4- المادي والروحاني
ثنائية الجدل القائم ولأن البعث من جديد قد يكون حتميا فيكون البحث عن كل ما يحي الروح. تأتي صورة الزوج اوألف:في أحلامها في فترة المراجعة فلا يكون إلا ” شاحب كالعتمة ولكن الذهب الذي يملأ جسده يلمع في الظلام ” وعندما ” تسألها فتاة, وثانية, وثالثة: من كان زوجك؟ وتجيب مرة وثانية وألف: رجل… كأي رجل في الدنيا . لن أقول لكن: كان صائغا في المدينة الكبيرة, يربي كلبا ليحرس ماله, وأثاث البيت وجسدي. وكنت أنا المرأة التي لا تغادر الغرف.” حياة هكذا لامرأة تحيا كجسد يحرسه كلب, تحبا بلا روح فلابد للمراجعة التاريخية أن تعيد الروح للجسد.

5 – عودة الروح وانبعاثها
” خطابتها القديمة , كما يجب أن تٌكتب , اكتملت اليوم ”
كان طبيعيا بعد أن اكتملت الرحلة أن تبعث الروح من جديد , وأن تعود لحياتها الحركة , حتى وإن ظلت حياة مرتقة ؟, وغير قابلة للاسترداد” مرة بعد أخري كانت تري ثقوب شبابها الواسعة تضيق .. وأخيرا شعرت بالرضا .

لا تعليقات

اترك رد