افراح القبة .. وداعا للمألوف

 
افراح القبة .. وداعا للمألوف

للدراما ثوابت لامناص منها ، تجاري واقع الممكن من التمثيل، والطرح الدرامي، والمعالجة ، اضف الى ذلك اركان لا اختلاف عليها بين التأليف والاخراج ، وفي كلامي جزء من المعرقة ، لا التخصص ولكل متخصص مساحته في الطرح ، والنقد، والتشخيص .

ولوفرة المشاهدات في الشهر الفضيل ، وحديثنا عن الدراما ، فأن ربكة المتابعة توقع المشاهد في زخم المخرجات وتزاحم الاوقات ، الموازية لتخمة المعدة وثقل الدماغ بعد وجبة افطار دسمة ، والعيب هذا متوارث في كل عام ، وهل من جديد .

فلا اطالة في مقدمتي ، بقدر مافي القلب جمل شلت لساني ، من جميل ما رأيت وصدمت والذهول يعتريني ، نعم فالكلام هنا عن ” افراح القبة ” افراح من الوهم لم المسها طوال حلقاتها واني في متابعة ، وقبة شغلت بالي ، اي قبة قصدها نجيب محفوظ ، وشخوص يسلبوك الغفوة او الشرود ، بل يقتادوك اسيرا الى عالم ملؤه الكابة الملونة بطابع الشغف ، ويالها من صدفة لاتليق الا بمحفوظ .

العمل الدرامي افراح القبة ، اصابني بالخرس الوقتي وانا اتابع حلقاتها بجزيئاتها ، لا لاجل شيء في من المبالغة ماقصدت انفا ، بل لان التداخل الزمني والمعالجة الدرامية المسرحية في ذات الوقت ، رجحت كفة التمييز على حساب الطرح الرتيب في عالم الدراما ، وهو الطرح التصاعدي وفق التسلسل الزمني ، مع ظهور الابطال وتفاعلهم ، اما القصة فلها من المساحة الشيء الكبير ، ليس لمحتواها المتضمن لخلطة الكذب، والرقص ،والعهر والتمثيل، والسرقة ، بل للعودة الى الوراء واستحضار الذاكرة والربط بين الاحداث ، وانصهار الماضي مع الحاضر ، وليس هذا فحسب بل لان الموسيقى التصويرية المصاحبة للعمل ، اضفت عليه مسحة من الحزن الدائم ، كما خلت الكوميديا بشكل شبه تام عن المسلسل .

وانا لست بصدد الترويج او التمجيد ، لكن مسلسل افراح القبة بلاشك ، اعطى للمشاهد مادة دسمة متشابكة الجوانب ، لاترفق بالمشاهد ، فحزمة الحزن تؤلم القلب ، والدموع فيها حاضرة في اغلب مشاهدها ، ولا يخفى عن القارئ ان المعالجة الزمنية للمسلسل تعود الى اعوام النكبة في عام 1967 وماتلاها من جلد للذات العربية ، والخسارة والخذلان ، والذي انسحب على واقع اجتماعي مرير سحقت فيه كل معاني الشرف والعفة في اوطاننا .

كما استحضر المؤلف صفات وسلوكيات ، واكبت روح الشخصيات ، وكأنها منتخبة لاجل ذلك ، فالجشع والاستحواذ والتكبر ، عناوين بدت واضحة على شكل سرحان ، صاحب مسرح الهلالي ، اضف الى ذلك حب الذات والقفز على مشاعر الاخرين في دور ” درية ” ، والامل والطموح والرغبة والتوحش وهي توليفة بالغة الحدة والتعقيد في شخصية صعبة المراس وهي ” تحية ” القادمة من عائلة متفككة .

ولاننسى طارق الثانوي في كل شيء ، في الحب والتمثيل ، لكنه الاولي في الخذلان والقهر والحزن بعد فراقه لتحية التي تقتل على يد زوجها عباس الصغير في عمره والكبير في دوره ، والفاضح للاركان المسلسل ، امه حليمة ووالده كرم ، اللذان يعيشان غربة في بيت واحد ، ومشكلات اجتماعية اساسها الماضي والعلاقات المشبوهة .

اما لعائلة تحية والمكونة من عايدة الطموحة في مجال الصحافة واختها سنية وزوجها ، العاشق للمال والمخدرات ، جانب من الفوضى والهدف الذي يسعى الكاتب الى افشائه باعتبارها من مسلمات الخيبة الاجتماعية بعد النكبة .

خاتمة الكلام هو ان ” افراح القبة ” عمل ينصح بمشاهدته ، لرؤيته الدرامية المميزة والنادرة والتي لم يشهد لها مواز او منافس ، او تجربة سابقة للتداخل في الطرح والاستذكار وجلب المشاهد الى عوالم الماضي والحاضر ، كما ان المشاهد احتوت على الاتقان الصوري في ميول الزمن الى فترة الستينيات والسبعينيات ، والمعالجة الصورية كانت واضحة وموفقة .

بالاضافة الى المدنية الاجتماعية ، من ازياء وتعامل واجواء اتقنها المخرج ، والذي رأى في اكتمالها وعلى مايبدو ، انها ستضفي مسحة من الجمالية الصورية .

لا تعليقات

اترك رد