في مرآة الذاكرة


 

تجري بنا قاطرة الزمن على سكة تستقيم تارة ً ، تنحني تارة ً، وتتلوى ثالثة ً مثلما يتلوى مسرب أفعى على تراب ناعم، وتقف بنا في محطة بعد أخرى قبل أن تركن الى محطتها الأخيرة . قد تجري جري حصان جامح أو قفد تخب خبب فرس تستكين للهدوء ، تغذ السير على طريق رحلة قد تطول أو قد تقصر . وفي المحطات التي تقبف فيبها ثمة ما يبهج الروح ويثريها ، أو ما يكربها ويفقرها: محطات مسكونة بالمسرات أو متخمة بالمواجع قد تفوح منها رائحة الدم ويسمع فيها فحيح الفجيعة . غير ان الذاكرة لا ترفع راية الاستسلام أمام جبروت هذه القاطرة عندما تحتمي بجدار يقظتها . انها تراوغ هذه القاطرة أحيانا ً وقد تخدش ببعض نتوءاتها المدببة في ظل مناخات الألم والعذاب والحرمان أو القهر والاضطهاد ، غير انه يحدث أن تسترد بعض ما تكتنزه بين طياتها . لكأن تحت قحف الرأس خزينا ً خفيا ً من احتياطي الخلايا الروحية الحية التي تمتلك القدرة على أن ترمم ما ينثلم من نسيج الذاكرة ويمد المرء بنسغ روحي صاعد ، متجدد ، دون أن يشعر هو بذلك، وإلا ما الذي يجعلنا نسترجع تفاصيل زمن طفولتنا وكأننا عشناها أمس حسب وليس قبل أكثر من نصف قرن من الزمن؟ أهو طبع متأصل في الذاكرة ، أم اتها تظل مأخوذة ً بسحر الطفولة فيستبد بها الحنين اليها ؟

لماذا يستبد بنا الحنين الى طفولتنا ونحاول ، ولكن عبثا ً أن نغري قاطرة الزمن بالرجوع بنا اليها ولا تستجيب لهذا الاغراءلأنها يستعصي عليها أن تفعل ذلك ، فنلوذ بالذاكرة ؟ أهو شكل من أشكال النكوص أم شكل من أشكال التشبث بأذيال الحياة أم شكل من أشكال الهروب من واقع مثقل بالمرارة ؟ مهما يكن الأمر ، فإن نزوع الحنين الى الماضي ، أعني الى واحة الطفولة الغائبة على وجه التحديد ، ، إنما ينطوي على هاجس خفي بالرغبة في اعادة استكشاف تضاريس محطة لم نستكشفها من قبل مع اننا مررنا بها وتوقفنا عندها ، ذلك اننا مررنا بها مرور القلِق ن العجِل ، وتوقفنا عندها توقف العائش في حلم . . لقد كانت الأيام تفر من بين أصابعنا دون أن نشعر فرار طيور يلاحقها بصر صياد ماهر يتربص بها في كل مكان. حين نحن الى الماضي فإنما نريد أن نقبض على بهجة ذلك العالم الذي اسمه الطفولة وأن نمسك جمرة قدرته على الإدهاش ، مثلما نريد أن نجيب على أسئلة كانت راودتنا آنذاك دون أن نتوافر على القدرة على الاجابة عليها . وحين نريد أن نفعل ذلك ، فليس أمامنا سوى أن نلجأ الى الذاكرة ، نستجير بها فلا تخذلنا أو تبخل علينا ، شرط أن تكون مرآتها ما تزال صقيلة وصافية

المقال السابقالتجربة اليابانية
المقال التالىاسلوبي رمزي تعبيري ميال للسريالية
قاص وروائي وناقد ومترجم. ولد في بلد / العراق 1937 .عضو اتحاد الأدباء في العراق واتحاد الأدباء والكتاب العرب. تخرج من قسم اللغات الأجنبية في كلية التربية ــ جامعة بغداد عام 1960و نشرفي العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية .عمل في الصحافة الثقافية وكان سكرتيرا ً لتحرير مجلة ” الأقلام ” ثم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد