اغتراب الذات

 

اكثر الانماط وضوحاً وشيوعاً لأن بنية الايديولوجيا الماركسية بوصفها تعبيراً حضارياً غربياً قد اسست مقولاتها على هذا الاغتراب سياسياً واقتصادياً فيما تأسس اطاره الديني عبر مقولات فيورباخ وغيره ، ومن الواضح ان الاغتراب يمثل خواء الفرد الاوربي بصفته منتجاً حضارياً، وعجزه عن اخراج نفسه من بؤرة مركزيته وقطبيته الاحادية التي بنى تصوره للعالم وفقاً لركائزها.
ولذا فأن أي انهيار انساني اوشك في الماهية وعلاقة الذات بالحضارة المنتجة لها، سيولد اغتراباً هو اقصى واقعاً من اغتراب العمل او اغتراب الروح او اغتراب السياسة، لأنه يتضمن هذه الانواع كلها، في سياقه الحضاري ، أي ان اغتراب الذات حضارياً يعني موتها فعلياً، وليس انقطاع حوارها مع محيطها مع ان هذا الانقطاع حاصل بوصف مقدمة للموت الحضاري.
وايروتيكياً يتجلى اغتراب الذات في فقدانها الامان الجنسي وليس في قمعها فحسب لأن فقدان الامان اشد تأثيراً من القمع الذي يمكن تسويغه بالإيهام الحضاري وتغطيته اخلاقياً وثقافياً. اما فقدان الامان فيعني الخوف والشره، وهما اعدى عدوين للأيروتيكيا، لأنهما يحولانها إلى موضوع لتلبية الحاجة وكسر الخوف وخلق الاطمئنان الزائف، وهذا ما يلغي بعدها الحواري حتى لو كان الاخر المشارك في الفعل الايروتيكي ((يسعى إلى التلبية ذاتها)) وعلى مستوى التعبير الفني يجد اغتراب الذات لغته السينمائية ايروتيكياً، وفقاً لأطر الوعي المنتج لعناصر هذه اللغة والرؤية المحاثية لها، ولعل تغيّيب ((الموجة الجديدة)) في اتجاهاتها كلها لماهية الجسد في سعيها لتأسيس الحب بحجة (الجنس القذر الذي يخالف النقاء الثوري) ، لعل هـذا التغييـب اقوى تعبيرا ايروتيكي عـن ازمة الذات المغتربة رغم سعيها إلى كسر القمع الحضاري بالعري الذي يمثل لازمة حاضره (لها دلالتها الحضارية أيضا في السينما الفرنسية والسينما الايطالية).
غير ان اكثر صور الاغتراب الايروتيكي مأساوية ودلالة حضارية انما هي صورة الدكتور البطل في فلم كوبريك (عيون مغلقة باتساع) الذي يصحو فجأة ليجد نفسه مغترباً تماما عن ذاته وعن محيطه بسبب جنسي خالص، فكلمات زوجته عن أ ستيهاماتها لا تثير غيرته كما تصور بعض النقاد، بل هي تنفي صلته بذاته وبزوجته وحين يسعى لتحقيق حواره مع الاخر طمعاً في استعادة حواره مع نفسه يفاجأ بالانفصام التام وعدم الفهم، فبعد تجربته في محل بيع الاقنعة وحواره مع ابنة مريضه المتوفي وصلته العابرة بالمومس وبعد الذروة المهولة في الطقس الجنسي الدامي الذي نجا منه بعد ان افتدته امرأة لا يعرفها، يتيقن الطبيب من اغترابه الكلي ويكون بكاؤه واحساسه بالهشاشة في واحدٍ من اجمل مشاهد الفلم واكثرها ايحاءً دليلاً ساطعاً على هذا الاغتراب، غير ان اطرف ما في رؤية كوبريك انه يقدم الجنس حلاً لهذا الاغتراب، بمعنى أن الجنس هو خيط الاتصال الوحيد الباقي في هذه الحضارة الهرمة المتداعية وان الحفاظ عليه، بشرط انسانيته، هو طريق النجاة الوحيد لأن كوبريك وفقا لرؤيته في عموم افلامه وفي فلمه هذا بالأخص (يؤكد على نحو يذكرك ببونويل على خواء الحضارة الغربية من العقل والعاطفة على السواء).

zefeghtrbb

ان هذا النمط التعبيري يتجلى كذلك في معظم افلام بونويل لكنه يغطيه بضرب من السخرية المرحة ، لكن تجليه الاكثر وضوحا مع غياب بعده الحضاري تحت غطاء فلسفي، أنما هو عند (برجمان) الذي يكاد يكون وعي الاغتراب ولو فلسفياً عنصراً حاضراً في جميع اعماله كما هو حاضر في رؤيته ((ذات الاصول الوجودية اصلاً)).
غير ان نقطة اختلاف برجمان عن كوبريك هي فقدان ايمانه بالجنس بوصفه حلاً منقذاً للحضارة، فعلى الرغم من ظاهرة تبجيله لمبدأ اللذة والمتعة التي ((تنهض على مذهب المتعة الذي يقول بان اللذة والسعادة هي الخير الاوحد في الحياة ، تظل مع ذلك مجرد خط اولي، فالإثارة الجنسية تكتشف عن مصدر سعادة زائلة لا تستطيع تحرير الانسان من الشعور الكامن فيه بالحرمان) . وهذا التشاؤم المبني على وعي فلسفي يتجلى في اغتراب بطلة (الصمت) جنسياً وفي اغتراب بطلة (اللمسة) وفي الاغتراب الطاغي في (برسونا) و(العار) والذي أنبنى على اسس جنسية في اصله و لكن (برجمان) يبقي بعض الامل في امكانية الجنس بإنقاذ الحضارة عبر انقاذ الذات المغتربة في (صرخات وهمسات) وفي فلم (ثمار الكرز البري) وان كان بقاؤه على الامل في هذه الافلام يبدو حلاً فنياً وتلويناً اسلوبياً اكثر من كونه موقفاً فلسفياً او حضارياً مخالفاً لموقفه المتشائم حول مستقبل الحضارة الغربية والانسان الرازح تحت قيودها.

zefeghtrba

المقال السابقمحاكمة الاشباح: صدمة وإحباط وخيبة
المقال التالىطيور نادرة
فراس عبد الجليل الشاروط مخرج من مواليد بغداد 1967*خريج كلية الفنون الجميلة/ بغداد 1996*ماجستير بالإخراج السينمائي عام 2002 عن رسالته (توظيف الوعي الايروتيكي في بنية الفلم الروائي ودلالاته السينمائية).*له تحت الطبع (سينمة النص القرآني).*له مخطوطة: (السينما العراقية: الذاكرة والتاريخ الـ (99) فلماً ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد