نظرية السقوط والنجاة

 

“الحياة صعبة!” جملة متواترة اعتاد الجميع تكرارها في مواقف عدة، مثل ندب الحظ التعس، أو إظهار التعاطف مع آخر يمر بظروف عصيبة. وفي كلا الحالتين، يكون وراء الجملة مرارة لا تخبو جذوتها بمرور الأيام والسنين. لكن الأصعب من هذا، والذي يجعل المرارة لاذعة لأقصى حد، مرور الإنسان بمواقف صعبة قد تودي بحياته دون أن يلقي له أحد بالاً، وكأنه شبح غير مرئي، لا يستحق أن يلتفت له أحد، أو أن يشعر به أحد. وإذا وجد من يشعر به، يصاب بالهلع، ويتركه على الفور. وقد يبررالبعض أن سبب عدم المبالاة بمعاناة الآخرين انغماس الفرد في شئونه الخاصة، والتي لا تترك له فرصة يعبر فيها عن نفسه ومشاعره، ناهيك عن الاهتمام بذويهم. ومن ثم، يتحول العالم إلى ما يشبه حديقة حيوانات كبرى، كل فرد من أفرادها مسجون في زنزانة ضيقة تدعى “الاهتمام بشئون الذات”، ومن ثم تنعدم لدى الأشخاص الرغبة في النظر إلى ما هو أبعد من حدود جسده.
وإن كان ليس من السهل التعبير عن قسوة لحظة الشعور باللامبالاة بمأساة من يعاني، فإنه تقريباً شبه مستحيل تصوير لحظة الشعور باللامبالاة إزاء ما يمر به الآخرين من منايا، ولحظة إيثار الذات، والاهتمام بالشئون الخاصة. إلا أن الفنان الهولندي بييتر بروجل Pieter Brueghel (1525-1569) قد استطاع بكل حرفية واقتدارتصوير هذه اللحظة في لوحته الشهيرة سقوط إيكاروس The Fall of Icarus التي صارت واحدة من مقتنيات معرض الفنون في بروكسل، بلجيكا. وبحرفيته الشهيرة التي تمكنه من اختيار موضوعات صعبة للوحاته وتمثيلها في شكل جمالي فريد يثير الحواس، استطاع بييتر بروجل Pieter Brueghel بريشته تصوير أسطورة إيكاروس Icarus، وما كان يحدث في العالم لحظة السقوط. وأسطورة إيكاروس الأغريقية تحكي قصة هروب إيكاروس من المتاهة التي صنعها والده كبير الصناع ديدالوس Daedalus من أجل الملك مينوس، ملك جزيرة كريت حتى يتمكن من اصطياد كائن الميناتور الذي كان يهدد البلاد. لكن للأسف، كانت المتاهة التي صنعها شديدة الإتقان، لدرجة أن “ديدالوس” وولده “إيكاروس” باتا حبيسي المتاهة . ومحاولةً من الوالد لإنقاذ أنفسهما بالخروج من المتاهة، صنع لكل منهما جناحين من الريش وثبته على ظهرهما بالشمع. وبالفعل، أخذ يحلق الإثنان بعيداً عن المتاهة. لكن، انتاب الغرور الإبن “إيكاروس”، وأخذ يحلق أعلى وأعلى في عنان السماء جذلاً بقدرته على الطيران إلى أن اقترب من الشمس. فذاب الشمع، وسقط الجناحان، وبالتأكيد، هوى إيكاروس من السماء، ووقع في البحر ليغرق بلا عودة. وكانت القضية التي أثارها بيتر بروجل في لوحته ما إذا كان شهد أي فرد إيكاروس وهو يسقط في الماء. أما الإجابة فأتت في شكل لوحة مملوءة بالبشر، لكن، كان كل منهم يراعي شئونه الخاصة دون الالتفات للآخر أو حتى الاستمتاع بالطبيعة الخلابة المجسدة في مشهد الحقول الخضراء والبحر القابع في خلفية الصورة. وعلى هذا، يسقط إيكاروس في الماء، ولا يظهر منه في الصورة إلا طرفي ساقه. لكن لا يهرع أحد لنجدته. وبالتاكيد، لا يسمع أحد صراخه لتفضيل كل فرد الانغماس في شئونه الخاصة.
وكما استطاع بيتر بروجل تصوير ذاك المشهد المريع بريشته، استطاع الشاعر الكبير دابليو إيتش أودين W. H. Auden في قصيدته “متحف الفنون الجميلة”Arts Musee de Beaux أن يصور شعرياً هذا المشهد بعين سنيمائية ثاقبة، يجعل فيه المتلقي يشهد أنانية البشر، والشعور باللامبالاة حيال الآخرين، وكذلك سماع صرخات إيكاروس التي لا يحرك لها أيٍ كان ساكناً. والشاعر دابليو إيتش أودين W. H. Auden (1907-1973) يعد واحداً من أهم وأشهر القرن العشرين، الذين يتمتعون بحس شعري متمييز. وكان يصف النقاد والباحثون أودين ب”الشاعر الموسوعي”، لتناوله موضوعات مختلفة تمتد لجميع الحضارات والعصور، وإن كان له ميلاً خاصاً للأساطير الإغريقية. أما عن أسلوبه، فهو السهل الممتنع العميق ذو الحرفة الفائقة، والمقدرة العالية على تكسير جميع قواعد اللغة والشعر، مع الالتزام بأسلوب شعري عالي الجودة، وبديع الفصاحة. ولقد كان أودين واسع الاطلاع على أساليب الشعر في الحضارات الأخرى، فحاك أشعار تماثلها في الشكل والمضمون، مع الاحتفاظ بهويته كشاعر إنجليزي.
ولقد كان لانغماس دابليو إيتش أودين في الحياة السياسية أثراً واضحاًعلى أشعاره التي صارت بطانتها مجريات الساحة السياسية. وبعد أن شهد التقلبات السياسية المعاصرة، واشتراكه في الحرب في أسبانيا لمساندة الشعب الأسباني في المطالبة بحرياتأشمل وأعم، أحس أودين بأن العالم صار شراذم تاعوزه الكثير من التكاتف؛ والسبب انغماس الشعوب والأفراد أكثر وأكثر في شئونهم الخاصة دون الالتفات بما يلم بالبشر على الساحة المحلية، أو حتى الا في نفتفات لمطالب وصرخات أقرانهم في المجتمع، مما ينذر بحدوث خطر وشيك. وقبيل الحرب العالمية الثانية، نظم أودين قصيدة “متحف الفنون الجميلة”Arts Musée de Beaux، والتي يتناول فيها أسطورة إيكاروس Icarus، ويحكيها من نفس منظور الرسام الهولندي بييتر بروجل، وكأنه يعيد ترجمة الأسطورة سيميوطيقياً. وبأسلوبه السهل الممتنع المعتاد، يقول دابليو إيتش أودين W. H. Auden في قصيدة “متحف الفنون الجميلة”Arts Musee de Beauxts:
عند تصوير المعاناة، لم يحيد الصواب
كبار الفنانين القدامى: لكم فهموا حقاً
وضعها بالنسبة للبشر: كيف تحدث
بينما هنالك شخص آخر يأكل، أو يفتح النافذة، أو يمشي عبر الطريق بهدوء
وكيف، عندما كان العجزة ينتظرون بتبجيل وحماس
الميلاد الأعجوبي، كان من المحتم دوماً
وجود أطفال غير راغبين في حدوثه على وجه الخصوص، بينما يتزلجون
على الحافة الخشبية لإحدى البِرك.
لم يفارق ذاكرتهم أبداً
أن حتى الاستشهاد المروِّع كان من المحتم أن يحدث
وبأي طريقة، في أحد الأركان، في مكان تعمُّه الفوضى
حيثما تواصل الكلاب مزاولة حياتها، في حين يجرح حصان الجلاد
أيطله البرئ في شجرة.

والمثال على ذلك، لوحة بروجل التي تصور كيف يدير كل شئ ظهره
بكل أريحية للكارثة، فلربما سمع الفلاح الذي يحرث الأرض
صوت ارتطام الجسد بالماء، والصرخة التي لم يلقِ لها بال.
كان ذلك بالنسبة له فشلاً ليس هاماً، ولقد أشرقت الشمس
كما كان مقدر لها على الأرجل البيضاء اللون التي تختفي في المياه الخضراء
والسفينة الراقية الفاخرة بالتأكيد قد شهدت
شيئاً يشذ عن المألوف، صبياً يسقط من السماء.
لكن كان لها وجهة يجب أن تبلغها، ومن ثم أبحرت بهدوء.

يتناول أودين القصيدة بكلمات هادئة رصينة، أقرب إلى الحديث العادي منها إلى الشعر المنمق. فالقصيدة عبارة عن حديث مطول يدور في العقل الباطن للمتكلم الذي يشهد لوحة مؤثرة، تحفر مشهد مريع ومحزن في ذاكرته، لدرجة أنه يبدأ في شرح إحساسه وانطباعاته عن اللوحة أولاً، قبل أن يوضح محتوى اللوحة. فلشدة إعجابه بعمق اللوحة يثني على كبار الفنانين في العصر القديم الذين كان بمقدورهم تصوير أعمق الشعور الإنساني بسلاسة وحرفية، والسبب هو مقدرتهم على فهم موقع الإنسان بالنسبة لمجريات الأمور من حوله. فمهما كانت قيمة الإنسان، أو وضعه في الدنيا، فهو ليس مهم لكل البشر. والمثال على ذلك مولد المسيح واستشهاده الذي لا يزال مدوياً، لم يهتم به كل البشر، وهناك آخرين لم يرغبوا في حدوثه. فالحياة تجري في المسار المقدر لها، ولا تبالي بما يحدث لكل فرد وتغض الطرف عن معاناته. والمثال على ذلك لوحة بروجل التي تصور أسطورة إيكاروس. فالفلاح يحرث أرضه، ويصم أذنه عن صوت ارتطام جسد الصبي إيكاروس بالماء أو بصرخاته. بالنسبة له، فشل الصبي ليس ذو أهمية تذكر، والدليل أن الشمس أشرقت في وقتها المعتاد، ولمعت على أرجل الصبي إيكاروس البيضاء اللون بينما جسده يغرق في الماء. وكان المشهد بأكمله ماثلاً للسفينة الفارهة وركابها من علية القوم، لكن لم يحرك مشاعرهم المشهد الغريب الذين يشاهدونه: صبي يهوي من السماء ليغرق في الماء. فلم ترغب السفينة أن تؤخر رحلتها لتنقذ إيكاروس؛ حيث يجب أن تصل لوجهتها في موعدها. فأبحرت بهدوء وغضت الطرف عن المشهد بأكمله.
كلمات القصيدة بالرغم من سهولتها إلا أنها موجعة جداً، وتوضح أن الإنسان يعيش في وحدة اختيارية ومفروضة عليه في نفس الوقت؛ لأن أسهل ما يفعله الإنسان هو غض الطرف عما يحيط به للاهتمام بشئونه الخاصة. وخلاصة القول، أن سقوط الإنسان وفشله، أو حتى أهميته المكتسبة تأتي من عدم اكتراث الآخرين به أو العكس. فالإنسان يختار الوقوف على هامش الحياة بسبب أنانية غير متعمدة في بعض الأحيان. ولنفس ذاك السبب، تقوم الحروب، ويحاول البشر تدمير بعضهم البعض، وينتشر العنف والشرور. اللامبالاة هي أصل الشرور، والارتقاء بالذات وبالمجتمعات يتجلى عندما يشعر كل فرد بمعاناة الآخر، ويتعاون البشر على إنجاح بعضهم البعض، وليس إفشال كل منهم لمخططات الآخر.

لا تعليقات

اترك رد