” وأنت كذلك ” .. مغالطة المتطرف الإسلامي ضد العلمانية

 

تلقيت العديد من الطلبات والرسائل والاتصالات التي تدعوني لإفراد أحد مقالاتي للحديث عن مسألة يرونها، وأراها أنا أيضا، مهمة وتستحق الكتابة حولها، حول ما يقوم به البعض من رجال الدين، ومن بعض المثقفين، ومن بعض الغوغاء والعامة، بإيجاد رابط أو صلة، أو تمازج وتوافق، بين التطرف الإسلامي وما يسمونه أو يطلقون عليه بالتطرف العلماني.
وقبل أن ندخل الي تفاصيل وتفنيد الفرق بين الممارسة الاسلامية والممارسة العلمانية، حريا بنا أن نقدم التعريف المناسب للتطرف، حتى يمكننا أن نفهم نتائج التطرف، وما يمكن أن يؤدي اليه من سلوكيات ممجوجة وأخلاقيات بائسة وثقافة داعمة للشر والعنف والقتل في أحيان كثيرة، خصوصا إذا ما اندمج التطرف بالفكر الايديولوجي للأفكار والمعتقدات والثقافات المختلفة.
تقدم العديد من القواميس والمرجعيات اللغوية العربية، مفهوم ومصطلح التطرف بأنه “تجاوز حد الاعتدال” أو “عدم اعتدال، إفراط مجاوزة الحد”، وأيضا “نزعة سياسية قائمة على العنف”. وللتطرف أنواع مختلفة، منها التطرف الديني، والتطرف المذهبي، والتطرف السياسي، والتطرف الفكري والتطرف الاقتصادي. ويمكن لنا أن نضيف مصطلح التطرف على كل شخص يتعصب لظاهرة أو حدث أو فكرة أو دين، تجعل هذا الفرد قادرا على الايذاء والتنمر والاعتداء على الآخرين لمجرد اعتقاده بأفضلية ما يؤمن به. فالتطرف هو الغلو والتشدد، وهو احد الامراض النفسية المنتشرة مؤخرا بعد الانفتاح العلمي والتكنولوجي والسياسي، وبعد التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي فرضتها القوى المختلفة على الشعوب الأخرى. وتحديدا برز مصطلح التطرف الموجه للمسلمين بعد احداث سبتمبر في العام 2001 وما أفرزته من مواجهات عسكرية ضد الاسلام السياسي وتيارات الجهاد الراديكالية. مما جعل البعض من العرب والمسلمين يأخذ منحى التشدد والتطرف في محاربة الثقافة الغربية والشعوب الغربية في أكبر صورة للصدام بين الحضارات كما قدمها صامويل هانتينغون في كتابه الشهير “صدام الحضارات.. إعادة صنع النظام العالمي”، حيث يقول فيه هانتينغتون “أن الاختلافات بين الأمم لم تعد ذات طابع اقتصادي أو سياسي أو ايديولوجي، فالصراعات الحديثة ذات منشأ متعلق بالفروقات الثقافية بين الشعوب والأمم”. وهذا الجانب المتطرف لدى الأفراد يجد بيئته الحاضنة في المجتمعات المنغلقة والأحادية وذات التعليم المنخفض، ورغم عدم اقتصار التطرف على مجتمع محدد وشعوب معينة، كما حدث في عدة دول غربية ديمقراطية علمانية بحدوث عدة تفجيرات ارهابية قام بها متطرفون ذوي خلفيات عقائدية ويمينية، الا أن الظاهرة العامة الواضحة للتطرف كما سنناقشها في هذا المقال، تسكن مجتمعاتنا العربية والاسلامية في صورة محايثة لنمط الثقافة والتعليم والسياسة والاقتصاد والتاريخ.
وهنا ننتقل الي لب الموضوع، ونقاش خفايا العقول، واتهامات الفاعل والمفعول. يقول أوسكار وايلد “في جميع مسائل الرأي، فإن خصومنا دائما مجانين”. ويقول نيتشه أيضا “إن أضمن طريقة لإفساد الشباب هي أن توعز له أن يعطي أكبر تقدير لألئك الذين يفكرون مثله لا أولئك الذين يفكرون بشكل مختلف عنه”. وفي علم النفس، يمارس المتطرف الاسلامي حيلة ذهنية داخلية في تبرير تطرفه أمام تفوق ما يراه عدوه، والعدو هنا دائما في العقلية المتطرفة، ذلك التفوق الكبير والتقدم العملاق الذي يرنو الي هزيمة تطرفه وعنفه وسيطرته ونفوذه على الناس والمجتمع، وهو العلمانية الحداثية بكل ما تحويه من آليات سياسية وثقافية وفلسفية وأخلاقية وديمقراطية، قدمت ولا تزال، العديد من التجارب الناجحة والدول العظمي والتاريخ الناصع في التخلص من هيمنة الكهنوت الديني لصالح العقل والانسانية والحضارة. هنا يمارس المتطرف الاسلامي، في اتهام العلمانية بالتطرف والعلماني بالمتطرف، عملية ما يسمى بالإسقاط، وهو حيلة دفاعية يستخدمها المتطرف للتخلص من تأثير التوتر النفسي بتفوق غيره، بنقل ما يشعر به من أخطاء وعيوب وعنف وتشدد، الي غيره المتفوق وهو هنا العلمانية باتهام الفرد العلماني بالتطرف أيضا لحماية نفسه وإبعاد الشبهات عن تطرفه. هنا ينكر المتطرف وجود النواقص في داخله ليرميها بكل بساطه على غيره في وسيلة لاقناع الناس بأنني لست المتطرف الوحيد، وبأن ما تدعونه من علمانية وليبرالية، هي ايضا في داخلها تطرف وتشدد وعنف. وقد ظهرت كلمة اسقاط التي يمارسها المتطرف الاسلامي بكل جدارة، لأول مرة في علم النفس في عام 1894 عندما كتب فرويد مقالة له عن عصاب القلق، ومنذ ذلك الوقت اتسع استخدامها ليشمل العديد من أنواع السلوك البشري ضد الآخر المختلف. نصل هنا الي فهم نفسي يقول أن محاولة المتطرف الاسلامي بإلصاق تهمة التطرف الي العلمانية والعلماني، هو بمثابة هجوم لا شعوري يحمى المتطرف نفسه بإلصاق عيوب التطرف بالآخرين، كما أن عملية الإسقاط التي يمارسها المتطرف الاسلامي ماهي الا شكل من اشكال لوم الآخرين على ما فشل فيه المتطرف الاسلامي بتحقيق ما يصبو اليه غالبا وهو تحويل العقل الفردي الحر الي عقل جمعي مستنسخ من افكار التطرف وغلوائه.
ولكن بعد أن شرحنا عقلية المتطرف الاسلامي في دفاعه عن تطرفه عبر اتهام غيره بالتطرف كحل للتخلص من تفوق العلمانية وعقلانية العلماني، نجد أنفسنا أمام سؤال آخر حقيقي وجدير بالطرح، وربما هو سبب كتابة المقال لتفنيد أو توضيح ما تعنيه كلمة المتطرف العلماني. فهل العلمانية كفكرة ومفهوم ومصطلح متطرف أساسا؟. وهل التطرف مسار ينتهي بالدفاع عن الفكرة والرأي دون أي أذى معنوي أو جسدي؟، أم ينتقل الي العنف والأذى والقتل؟. وهل الدول العلمانية اليوم دول متطرفة قاتلة كما يتهمها المتطرف الاسلامي؟. أم دول حضارية انسانية يلجأ اليها الكثير من العرب والمسلمين هربا من بطش أنظمتهم الاسلامية؟. في الحقيقة لا يمكن المقارنة ابدا بين التطرف الديني والتطرف العلماني، إن وجد، في أي مجال، وهذا ليس بتطرف دفاعي عن العلمانية كما يتهم اتهامي دائما، بل رأي قد يكون صحيحا أو خاطئا بالمرة، ولكن ما يثبته هنا هو الدليل والبرهان، وليس إلقاء الكلام على عواهنه ليصدقه الغوغاء والدهماء ومن لا عقل له.
لننتقل إذن الي الاتهامات التي يلقيها المتطرف الاسلامي كي نستطيع أن نقدم الأدلة على متانة ورزانة العلمانية من أي اتهام شخصي له مآرب آخرى. يقول المتطرف الإسلامي بأن العلمانية قتلت الملايين ايام هتلر وموسوليني سابقا، وحاليا أيام أمريكا وبريطانيا وفرنسا. في الحقيقة ولكل مطلع على التاريخ، يجد أن العلمانية لم تكن تحكم في زمن هتلر وموسوليني وغيرهما في زمن المستبدين والطغاة، ورغم أن هتلر قد جاء بانتخابات ديمقراطية، الا أن العلمانية لا تتوقف عند الانتخابات، بل هي منهجية حكم وإدارة دولة وتنظيم مجتمع، وهذه جميعا لا تتواجد في مجتمعات ودول تحكم بالفرد الواحد والشمولية المطلقة. كما أن العلمانية من جهة أخرى، وفي مفهومها الاصطلاحي هي فصل الدين عن الدولة أو عن السلطة السياسية، ولا تتحمل، بل ولا تمثل أي تصرف سياسي يقوم به أي حاكم مستبد، فهنا تسقط بالضرورة علمانية الدولة لتكون مجرد شعار لإبعاد تهم القتل والاستبداد عن النظام الحاكم. وكثيرا ما نرى في مجتمعاتنا العربية هنا، من يدعي، كتهمة ايضا ضد العلمانية، بأن بعض الانظمة العربية، مثل سوريا ولبنان والعراق أيام صدام حسين، بأنهم دول علمانية ولكن أنظر الي أين وصلنا معهم، وهنا يغفل من يتهم العلمانية بهذا، بأن العلمانية لا يتواجد فيها رئيس دائم، ولا تقمع الحريات، ولا يكون الدستور كتاب طبخ، ولا تكون المرأة مجرد كائن جنسي، ولا يختفي أي انسان لمجرد أنه يعارض الحاكم، ولا يقتل أي انسان لمجرد انه ارتد عن الاسلام. ايضا يقول المتطرف، كتحسين صورة الانظمة القمعية، بأن بعض دول الخليج هي دول علمانية، مثل الامارات المتحدة والكويت وحاليا السعودية ولكن لا تزال الانظمة فيها وراثية قبلية مشيخية، وللرد على هذا الأمر، نوضح بأن التوجه العلماني والقرارات العلمانية لا تعني أن الدولة والنظام علماني. بل كما أسلفنا تستخدم بعض الأنظمة هذه التوجهات الانفتاحية لتقليص الغضب الشعبي وادعاء الاصلاحات السياسية ومحاباة الدول الغربية، فكلنا نعلم أن العلمانية لا تتواجد ضمن أنظمة قبلية وهويات دينية ودساتير صورية تحكم بالدين والاسلام. فالعلمانية مجال عام للمجتمع، حيث يحمل جميع المواطنون فيه قيمة واحدة أمام القانون بغض النظر عن التصنيفات الفرعية. بينما يكون الاسلام وغيره من الديانات أمرا شخصيا خاصا للفرد بحماية الدولة والقوانين العلمانية الخاصة حول حرية الاعتقاد، كما تحمي العلمانية تماما حرية عدم الاعتقاد، وتلك الحرية معدومة تماما وساقطة سياسيا واجتماعيا في غالبية دولنا العربية والاسلامية.
وأيضا يقدم المتطرف الاسلامي، وللأسف بعض المثقفين، بأن العلمانية ليست واحدة أو لا تحمل تفسيرا واحدا، فهناك علمانية كاملة، وعلمانية شاملة، وعلمانية مستبدة كما في تونس أيام بورقيبة وأتاتورك ايام نشأة تركيا الحديثة. ولتفنيد أو توضيح هذه التهمة، نقول بأن العلمانية فكرة واحدة وتعريف واحد توصل اليه غالبية الفلاسفة والمفكرين في عصر الانوار والنهضة الاوروبية. بينما ممارستها على أرض الواقع تختلف من حاكم الي آخر ومن شعب الي آخر ومن وعي الي آخر. هنا لا نقول ولا ندعي بأن العلمانية مثالية ولن يصل اليها أحد مع هكذا وصف وتقديم، ولكن نقول بشكل واضح بأن العلمانية أثناء ممارستها تصحح الاخطاء وتقوم العثرات وتراقب وتحاسب الحكام والمسؤولين ومجالس النواب من خلال تواجد قضاء عادل مستقل وسلطة تنفيذية وحريات فردية ومجتمع مدني مستقل. فالعلمانية ليست مثالية ولا نهائية ولا مقدسة، كما يقدم المتطرف الاسلامي تراثه في محاولة منه لمنع النقد والاصلاح. بل العلمانية والليبرالية والديمقراطية هي آخر ما توصل اليه الفكر الحديث في قيادة الدول والمجتمعات والأفراد، كما قال المفكر الامريكي فوكوياما في نظريته “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” باعتبار الليبرالية والرأسمالية هما النصر الحاسم والنهائي على كل ما عداهم من افكار ونظريات للحكم والقيادة.
وأيضا يتهم المتطرف الاسلامي العلمانية والعلماني بالانحلال والدعوة الي الفسق والفجور والشذوذ وغيرها من التهم الأخلاقية في محاولة لوصم دعاة العلمانية بهذه الصفات ووصم العلمانية نفسها بأنها الداعية الي مثل تلك الأخلاقيات. ويتناسي المتطرف الاسلامي نفسه وتاريخه الاسلامي القديم الحافل بمثل تلك الأمور، ينسى بيوت الخلفاء والصحابة وغيرهم الممتلئة بالجواري والإماء وسبايا الغزو والحروب، يتناسى دور البغاء وأسواق النخاسة وشذوذ بعض الخلفاء في العصور الاسلامية. يتناسى هذا المتطرف الاسلامي بأن الرغبات الجنسية أمر طبيعي وغريزي يحتاجه الانسان مثل الطعام والشراب والنوم، ولكن الفرق بين ما يدعيه عن العلمانية، بأن العلمانية واضحة في تلبية مثل تلك الرغبات وفق شروط صحية ومراقبات طبية وتصاريح أمنية وأوقات عمل وأعمار مسموح وغير مسموح بها، بينما في عالمه الخيالي المتطرف يمارس الإنسان ما يريد ويمتلئ منزل المتطرف في التاريخ الاسلامي بعشرات الجواري والإماء والسبايا، بالإضافة الي الزوجات والغلمان وكل ما يرغب به. ومن جانب آخر، لا يكون هدف العلمانية النهائي مثل هذه الأمور الداخلة ضمن الحريات الفردية، بل العلمانية كما يخفي حقيقتها المتطرف الاسلامي، بانها العلمانية التي خلقت المعجزات العلمية والطبية والاقتصادية والتعليمية والحضارية، العلمانية التي وصلت الي الفضاء وغزت الكواكب واكتشفت علاج الأمراض، العلمانية التي شرعت حماية الانسان ومساواة المرأة مع الرجل وتعزيز المواطنة والعدالة الاجتماعية، العلمانية التي وضعت مواثيق حقوق الانسان والدفاع عن الأسرى وحماية الأطفال، العلمانية التي أتاحت للعقل البشري أن يبدع ويخلق ويصنع في جو من التنافس والحريات والعدالة والأخلاق، العلمانية التي لولاها لعاش ذلك المتطرف في ظل دولته الاسلامية وهو خائفا متوجسا مرتعبا من زوار الفجر ومن حوض الأسيد الذي سيذوب فيه لو عارض الحاكم أو ارتد عن الاسلام أو كتب رأيا لا يعجب الغوغاء والحكام ورجال الدين.
وحتى لا أطيل في تفنيد اتهامات المتطرف الاسلامي، وأعتقد أن ما ذكرته قد يكون كافيا حتى الآن. نقول لهؤلاء وكل من يتهم العلمانية بالتطرف، بأن العلمانية ليست دينا حتى يتم تقديسه أو منع انتقاده كما تفعلون مع أديانكم ومذاهبكم، بل هي المجال الذي يعمل ضمن الاختلاف، ويعيش مع وقع التعددية والتنوع، وينمو حين يتم نقده ومكاشفته وإصلاح عطبه. العلمانية لن تكون في يوم من الأيام داعية للشر أو محرضة على القتل أو تفتي لدعاتها والمؤمنين بها بأهمية وضرورة قتل غير العلماني كما يفعل ويدعو المتطرف الاسلامي. فغاية العلمانية ورجا العلماني في التغيير، أن يقرأ الانسان كتاب أو مقال أو يستمع لمحاضرة حتى يغير رأيه وحتى يزيد وعيه، بينما غاية المتطرف الاسلامي في التغيير هو في فرض الشريعة الاسلامية في الحكم، في اعادة احياء كتب التراث وتدريسها في المناهج، في تحريم وتكفير الفلسفة والنقد والحريات والعلمانية، في تحجيب النساء وفرض الوصاية والرقابة عليهن، في عودة الغزوات الاسلامية وقتل الآخر المختلف وفرض الجزية، في حكم الدين كحل واحد، تختفي معه كل حلول أخرى وكل أفكار أخرى وكل نفس بشري يعارض أو ينتقد أو يرفض.

لا تعليقات

اترك رد