أثقل من لقي من الناس ظلاً

 

لم يكن اسمه الحقيقي بعد فولتير، بل كان حتى إطلاق سراحه من الباستيل في 1718 يدعى فرانسوا ماري آرويه. وقد ولد بباريس في 1694، وأصبح خلاصتها المصفاة حتى 1778. أما الرجل الذي يفترض أنه أبوه، واسمه فرانسوا آرويه، فكان محمياً ميسور الحال، عرف الشاعر بوالو والغانية نينون دلانكلو، وكتب وصيتهما، وعرف المسرحي بيير كورني، ووصفه بأنه “أثقل من لقي من الناس ظلاً”. وأما أمه، ماري مارجريت دومار، فكان يجري في عروقها قدر طفيف من الدم النبيل، وكانت ابنة موظف في “البرلمان” وأخت المراقب العام للحرس الملكي، ومن طريقهما استطاعت الوصول إلى بلاط لويس الرابع عشر. وقد جعلت حيويتهما وذكاؤها المرح من بيتها صالوناً صغيراً. وذهب فولتير إلى أنها ملكت كل ما وهبت أسرته من ذكاء، كما ملك أبوه كل ما أوتيت من دراية مالية، وقد استوعب الابن الموهبتين جميعاً فيما ورثه. وماتت أمه في الأربعين وهو لم يجاوز السابعة.
وكان من بين أصدقاء الأسرة عدة ” آباء ” abbs ، وهو لقب كان يخلع على أي كنسي علماني، سواء كان قسيساً مرسوماً أو لم يكن. وقد أصبح كثير من هؤلاء الآباء رجال دنيا لا رجال دين، لمعوا في المجتمع رغم تمسكهم برداء الكهنوت ومنهم من ألفوا المشاركة المسافرة في مجالس خلت من الوقار، ومنهم من عاش كما يشتهي متستراً وإن حافظ على مظهر لقبه. مثال ذلك الأبيه دشاتو نوفآخر عشاق نينون دلانكلو وأول معلم لفولتير. وكان رجلاً واسع الثقافة، رحب الأفق وقد أشرب تلميذه وثنية نينون وارتيابة مونتيني. وفي رواية قديمة مشكوك فيها أنه قدم للصبي ملحمة هازلة تدعى “الملحمة الموسوية” كانت تتداول في مخطوطات سرية ومؤداها أن الدين إذا استثنينا الإيمان بكائن أعظم ليس إلا ذريعة يتذرع بها الحكام لإخضاع المحكومين وإرهابهم .
بدأ تعليم فولتير حين اصطحبه معلمه “الأبيه” في زيارة لنينون، وكانت الغانية الشهيرة يومها (1704) في الرابعة والثمانين. ووجدها فرانسوا “يابسة كالمومياء” ولكنها ما زالت فياضة برقة المرأة وعطفها. وقد تذكر في تاريخ لاحق صنيعها فقال “لقد طاب لها أن تذكرني في وصيتها، فتركت لي ألفي فرنك لأشترى بها كتباً “. وماتت بعد ذلك بقليل. ورغبة في موازنة هذا الغذاء ألحق الصبي وهو في العاشرة طالباً مقيماً بكلية لوي- لجران اليسوعية على شاطئ باريس الأيسر، التي اشتهرت بأنها أفضل مدرسة في فرنسا. وكانت تضم بين تلاميذها الألفين من أبناء الأشراف كل من أطاق أن يتعلم ، وفي السنوات السبع التي أنفقها فولتير في مدرسته صنع الكثير من الأصدقاء الأرستقراطيين الذين احتفظ طوال حياته بالألفة الطبيعية معهم. وقد تلقى تدريبات في الدراسات الكلاسيكية والأدب ولا سيما المسرحية ومثل في مسرحيات عرضت هناك وكتب هو نفسه تمثيلية وهو بعد في الثانية عشرة . وكان متقدماً في دراسته وظفر بجوائز كثيرة وأبهج معلميه وأفزعهم. كما أعرب عن عدم إيمانه بالجحيم وسمى السماء “عنبر نوم الدنيا الكبير” ، وتنبأ أحد معلميه في حزن بأن هذا الفكر الصغير سيحمل لواء الربوبية الفرنسية و الدين الذي يرفض كل لاهوت فيما عدا الأيمان بالله. على أنهم احتملوه بما عهد فيهم من صبر وأناة وبادلهم هذا الصنيع باحتفاظه طوال هرطقاته كلها باحترام وعرفان بالجميل دافئين لليسوعيين الذين راضوا عقله على الوضوح ودربوه على النظام كتب وهو في الثانية والخمسين يقول: “تلقيت العام سبع سنين على يد رجال بذلوا جهود مضنية لم ينالوا عليها جزاء ليربوا عقول الشباب وأخلاقهم وقد سقوني ميلاً إلى الأدب، وعواطف ستكون عزاء لي إلى نهاية عمري. وما من شيء يمحو من قلبي ذكرى الأب العزيز بوريه على كل من أخذوا عنه العلم وقد أسعدني الحظ بتلقي العلم على أكثر من أب يسوعي وفق أخلاق الأب بوريه ، فما الذي رأيته خلال السنين السبع التي قضيتها مع اليسوعيين؟ أكثر ضروب الحياة جداً وتنظيماً
وعين فولتير ملحقاً في السفارة الفرنسية في لاهاي (1713) بناءً على طلب والده . ويعرف العالم كله كيف وقع الفتى البالغ الحساسية في غرام أوليمب دنواييه وكيف لاحقها بأشعاره وقطع لها العهد بعبادتها إلى الأبد. كتب لها يقول:
لا يوجد حب يعدل حبي
لأنه لم يوجد إنسان أجدر بالحب منك
وأبلغ السفير آرويه الأب بأن فرانسوا لم يخلق للدبلوماسية. فاستدعى ولده إلى وطنه وحرمه من ميراثه وهدد بنفيه على مركب إلى جزر الهند الغربية. وكتب فرانسوا من باريس إلى “بامبيت” بأنه قاتل نفسه إن لم تبادر بالحضور إليه. وإذ كانت أعقل منه بسنتين فقد ردت عليه بأن من الخير له أن يصالح أباه ويصبح محامياً فالحاً. وصفح عنه أبوه شريطة أن يدخل مكتب محام ويقيم معه فوافق. أما بامبيت فتزوجت كونتا. ويبدو أنها كانت آخر مغامرات فولتير الغرامية. لقد كان إنساناً مرهف الشعور كأي شاعر كله أحاسيس ومشاعر ولكنه لم يكن عارم الشهوة، ثم يقع بعد ذلك في غرام مشهور، ولكنه لن يكون تجاذباً بين جسدين بقدر ما هو تآلف بين عقلين. لقد فاضت طاقته من خلال قلمه. كتب إلى المركيزة ديمور وهو لم يجاوز الخامسة والعشرين يقول:
“إن الصداقة أثمن ألف مرة من الحب. ويخيل إليَّ أنني لم أخلق قط للغرام. فأنني أجد في الحب شيئاً سخيفاً نوعاً ما، وقد قررت أن أطلقه إلى الأبد.”
وفي أول أيلول 1715 مات لويس الرابع عشر، فتنفست أوربا البروتستنتية وفرنسا الكاثوليكية الصعداء. لقد كان موته خاتمة مُلك ونهاية عصر: مُلك استمر نحو اثنتين وسبعين سنة، وعصر بدأ بأمجاد الانتصارات الحربية وبهاء الروائع الأدبية وفخامة فن الباروك وانتهى بانحلال الفنون والآداب وإرهاق الشعب وإفقاره بسبب الغلاء الفاحش وقلة الموارد وهزيمة فرنسا أمام الألمان وإذلالها. وتطلع الجميع في أمل إلى الحكومة التي ستخلف الملك المهيب الذي راح غير مأسوف عليه بسبب قسوته وفساده.
كان هناك ملك جديد، هو لويس الخامس عشر، ابن حفيد لويس الرابع عشر، ولكنه لم يكن قد جاوز الخامسة. مات جده، وأبوه، وأمه، وأخوته، وأخواته، وأخيراً جد أبيه. فمن يكون وصياً عليه؟ فحدث صراع على السلطة استمر 8 سنوات صار في نهايتها فيليب أورليان الذي يحب اللهو أكثر من السلطة، ولعله كان يؤثر أن يترك وشأنه. أما وقد راح أصحابه يحرضونه على الاستحواذ على السلطة فاشترى تأييد جنود القصر الملكي وكسب كبار السياسيين والعسكريين بوعدهم بالوظائف، واسترضى البرلمان بآمال رد امتيازاته السابقة. قال فيليب :
“لن يكون لي هدف غير التخفيف من آلام الشعب، وتوطيد النظام الحسن من جديد في مالية الدولة، والمحافظة على السلام في الوطن وفي الخارج، وإعادة الوحدة والهدوء إلى الكنيسة، وسيعينني على هذا اعتراضات هذا المحفل الجليل الحكيمة، وهأنذا ألتمسها سلفاً”.
كما رد للبرلمان “حق الاعتراض” (على المراسيم الملكية) الذي أنكره الملك السابق وأغفله. وتحقق النصر لهذه الحركة البارعة، وبايع البرلمان فيليب بالإجماع تقريباً وصياً على العرش وأعطاه الإشراف الكامل على مجلس الوصاية. وأصبح فيليب أورليان وصياً على عرش فرنسا ثمانية أعوام، وكان يومها في الثانية والأربعين من عمره .
في مذكرات سان- سيمون فقرة مميزة تصف شاباً محدثاً أثار ضجيجاً كبيرا متعدد الوجوه أيام الوصاية:
“نفى آرويه، وهو ابن موّثق كنا نعامله أنا وأبي حتى توفي إلى تل في ذلك الحين (1716) لنظمه أبياتاً من الشعر فيها هجا شديد ووقاحة بالغة. وما كنت لألهو بتدوين هذا الحدث التافه لولا أن آرويه هذا الذي أصبح شاعراً وأكاديمياً كبيراً باسم فولتير، قد أصبح شخصية في دولة الأب ، لا بل بلغ شيئاً من الأهمية بين بعض الناس. هذا الشاب المحدث، الذي بلغ الآن الحادية والعشرين، وصف نفسه بأنه “نحيل، طويل، لا لحم فيه ولا أرداف” و كان يجد الترحيب في الدوائر العليا بفضل شعره المتألق وذكائه الحاضر يتشرب الهرطقة وينشرها ويمثل دور زير النساء. وإذ لمع في قصر سو على الأخص، فإنه أثلج صدر دوقة مين بهجائه للوصي. وكان فليب قد اختزال إلى النصف خيوط المرابط الملكية، فعلق آرويه على هذا بأنه كان خيراً له أن يطرد نصف الحمير الذين يزحمون بلاط سموّه. وأسوأ من ذلك أنه فيما يبدو أذاع أبياتاً عن أخلاق دوقة بيري (ابنة الوصي) وأنكر فولتير أنه كاتبها، ولكن الأبيات نشر بعد ذلك في “أعماله” وقد واصل خطة الإنكار هذه إلى قرب ختام حياته، باعتبارها حماية مغتفرة من رقابة مسلطة على أصحاب الأقلام. أما الوصي فكان في وسعه أن يغتفر الهجائيات اللاذعة الموجهة لشخصه، لأنها كثيراً ما كانت كاذبة، ولكنه كان يجرح جرحاً عميقاً من السخريات الموجهة لابنته، لأنها كانت صادقة في أغلبها. وعليه ففي 5 أيار 1716 م أصدر أمراً “بإرسال السيد آرويه الابن إلى تل” وهي مدينة ثبعد ثلاثمائة ميل جنوب باريس، اشتهرت بمدابغها الكريهة الرائحة ولم تكن قد اشتهرت بعد بالنسيج الرقيق “التل” الذي نسب إليها في تاريخ لاحق. وأقنع الأب آرويه الوصي بأن يغير المنفى من تل إلى صلى-سير-لوار، على بعد مائة ميل من العاصمة. وذهب إليها آرويه، واستقبله هناك الدوق صاحب لقب صلى آنئذ، سليل الوزير الأكبر لهنري الرابع، ضيفاً في بيته.
وقد استمتع هناك بكل شيء إلا الحرية. وما لبث أن وجه رسالة شعريةً “رسالة للدوق أورليان” يؤكد فيه براءته ويلتمس إطلاق سراحه. واستجاب الوصي وأعاده باريس وراح يتنقل في أرجائها تنقل الطائر وينظم الشعر في بذاءة حيناً وفي سطحية في كثير من الأحيان وفي ذكاء دائماً حتى نسب إليه كل هجاء بارع يسري على موائد المقاهي دون معرفة كاتبه. وفي مطلع عام 1717 ظهر هجاء لاذع جداً، بدأت كل جملة فيه بكلمة “رأيت Jai vu” مثال ذلك:
“رأيت الباستيل وألف سجن آخر مملوء بمواطنين شجعان ورعايا أوفياء. رأيت الناس أشقياء يرسفون في عبودية قاسية. رأيت الجند يهلكون جوعاً، وعطشاً وسخطاً. رأيت شيطاناً في ري امرأة يحكم المملكة رأيت البور- رويال وقد هدم. رأيت – وهذا يختصر كل ما رأيت- يسوعياً يُعبد. رأيت كل هذه الشرور، وأنا لم أجاوز العشرين بعد. واضح أن هذه الأبيات كانت تخص لويس الرابع عشر ومدام دمانتنون، ولا بد أن كاتبها عدو لليسوعيين لا يزال يحتفظ ببعض الحب في قلبه لهم . أما الكاتب الحقيقي فهو أ. ل. لبورن، الذي التمس بعد ذلك الصفح من فولتير لأنه تركه يتحمل تبعة كتاباتها . ولكن ألسن المتقولين امتدحت آرويه على القصيدة، وألحت عليه الجماعات الأدبية في إلقائها ولم يصدق أحد إنكاره تأليفها إلا صاحبها . واتهمته الشائعات التي نقلت إلى الوصي بكتابة عبارة لاتينية فضلاً عن قصيدة “رأيت” المذكورة، ومطلعها Puero regnante يقول كاتبها ما ترجمته:
صبي )ويقصد لويس الخامس عشر) يملك،
ورجل مشهور بتسميم خصومه
وغشيان المحارم يحكم
وثقة الشعب تنتهك (إفلاس مصرف لو)
والبلاد يضحي بها طمعاً في تاج،
وميراث-يعجل ميقاته بخسه،
وفرنسا على شفا الدمار.
وفي 16 أيار 1717 أمر خطاب ملكي مختوم بأن “يقبض على السيد آرويه ويودع الباستيل”. وفوجئ الشاعر في مسكنه، ولم يسمح له بأن يأخذ غير الثياب التي يرتديها.
لقد كان يسكن فولتير هذا شيطان، ولكن كان يسكنه أيضاً أرق قلب في الوجود. ولم يجد الباستيل سجناً لا يطاق. فقد سمح له بأن يرسل في طلب الكتب والأثاث والثياب الداخلية وطاقية النوم والعطر وأن يدفع ثمن هذا كله وكثيراً ما كان يتناول طعامه مع مأمور السجن ويلعب البليارد والبولنج مع السجناء والحراس وقد كتب فيه ملحمة “الهنريادة”. لقد كانت الإلياذة من الكتب التي أرسل في طلبها، وسأل نفسه ذات يوم : لم لا ينافس هومر؟ ولم تقصر الملاحم على الأساطير؟ إن في التاريخ الحي رجلاً هو هنري الرابع، إنسان مرح، جسور، بطل ، فاسق، متسامح، كريم، فلم لا تصلح تلك الحياة المغامرة الفاجعة لشعر الملاحم؟ ولم يكن مسموحاً للسجين بورق الكتابة لأنه قد يستحيل في يده سلاحاً فتاكاً، لذلك كتب النصف الأول من ملحمته بين سطور الكتب المطبوعة. وأفرج عنه في 11 نيسان 1718، ولكنه منع من البقاء في باريس ومن شاتينه القريبة كتب إلى الوصي رسائل يلتمس فيها الصفح، ولانت قناة الوصي ثانية، وفي 12 تشرين 1718 م أصدر الوصي إذناً “للسيد آرويه د فولتير بالمجيء إلى باريس حين يشاء.
متى وكيف جاءه هذا الاسم الجديد؟
الظاهر أن هذا كان الاسم أتاه خلال فترة سجنه في الباستيل، فنحن نلقاه أول مرة في المرسوم الذي ذكرناه آنفاً. وظن بعضهم أنه جناس لغوي anagram أي تغيير في ترتيب أحرف كلمة Arovet L(e) J(eune) باعتبار الـ U هي حرف V والـ I هي حرف J-أما المركيزة دكريكي فردته إلى كلمة “فولتير”، وهي مزرعة صغيرة قرب باريس ورثها فولتير عن أحد أبناء عمومته، ولم يرث معها أي حقوق سيادية، ولكن آرويه، مثل بلزاك، اتخذ الإضافة التي يلحقها السادة بأسمائهم “de” بحق العبقرية، وصار الاسم “آرويه د فولتير” ولكنه لن يحتاج لغير اسم واحد للدلالة على نفسه في أي بلد في أوربا . وكانت تمثيلية – أوديب – حدثاً في تاريخ فرنسا الأدبي. لقد كانت وقاحة صارخة من فتى في الرابعة والعشرين ألا يكتفي بتحدي كورنيي، الذي أخرج تمثيلية “أوديب” في 1659، بل يتحدى سوفوكليس أيضاً، الذي ظهرت مسرحيته “أوديب ملكاً” في 330 ق. م. أضف إلى ذلك أن قصة فولتير كانت قصة سفاح للمحارم، يمكن أن تحمل على محمل التعريض بالعلاقات بين الوصي وابنته- وهي بالضبط التهمة التي سجن بسببها آرويه. وقد فسرتها هذا التفسير دوقة مين واغتبطت بها، وكان الشاعر قد فكر في تمثيليته أثناء وجوده في قصرها. وطلب فولتير بجرأته المألوفة إلى الوصي أن يأذن له بإهدائه التمثيلية، وتردد الوصي، ولكنه أذن بإهدائها لأمه. وأعلن أن حفلة الافتتاح ستكون في 18 تشرين الثاني 1718م. وتكون حزبان من رواد مسارح باريس- أنصار الوصي، وأنصار دوقة مين، وتوقع الناس أن مباراة الفريقين في صيحات الاستهجان وهتاف الاستحسان ستجعل من التمثيل مهزلة صاخبة. ولكن المؤلف الذكي كان قد ضمن مسرحيته أبياتاً تسر أحد الفريقين، وأخرى تسر الفريق الآخر. فأرضت الفريق المناصر للوصي فقرة تصف كيف طرد الملك لايوس حرس القصر الغالي النفقة (كما فعل فليب)، وأرضى اليسوعيين أن يروا كيف أحسن تلميذهم الإفادة من المسرحيات التي كانوا يخرجونها في كلية لوي-لجران ؛ أما أحرار الفكر فقد صفقوا بحماسة لبيتين من الشعر ورداً في المشهد الأول من الفصل الرابع ، بيتين سيصبحان الأنشودة التي تتردد في حياة فولتير. “ليس كهنتنا ما يحسبه جمهور غافل ، فسذاجتنا هي التي تصنع علمهم كله” وصفق كل فريق بدوره، وفي النهايات ظفرت المسرحية باستحسان الجميع. وتقول رواية قديمة أن والد فولتير ذهب وهو على وشك الموت ليشهد التمثيلية في أولى ليالي عرضها، وكان لا يزال يتميز سخطاً على ولده الحقير السيئ السمعة، ولكنه بكى اعتزازاً بروعة الشعر وانتصار التمثيلية. وحققت أوديب فترة عرض لم يسبق لها مثيل، بلغت خمسة وأربعين يوماً. وأطراها حتى فونتنيل المكتهل ، ابن أخت كورنيي، وأن أبدى لفولتير أن بعض أبياتها “بالغة الشدة تضطرم ناراً”. وأجاب الفتى المندفع بتورية فظة: “لكي أهذب نفسي سأقرأ رعوياتك ” وأصرت باريس على أن ترى في أوديب (المذنب بغشيان المحارم) شخص الوصي، وفي جوكاستا شخص ابنته. وتصدت دوقة بري ( ابنة الوصي) للشائعات بشجاعة، فحضرت التمثيلية عدة ليال. أما الوصي فأمر بإخراجها في مسرح قصره ، ورحب بالمؤلف في بلاطه.
استمتع فولتير حيناً بالشهرة والمال دون أن يكدرهما مكدر. فقد اعترف به الناس كأعظم شاعر حي في فرنسا، واستقبل في بلاط لويس الخامس عشر، وبكت الملكة من تمثيلياته، ومنحته ألف وخمسمائة جنيه من جيبها الخاص ، وكتب أكثر من عشرة خطابات يشكو حياته عضواً في الحاشية ويفاخر بهذه الحياة. وراح يتحدث في ألفة طبيعية من النبلاء، سواء منهم الشريف والخسيس. و أسرف في هذا الحديث. وحدث ذات ليلة وهو في الأوبرا أن الشفالييه دروهان- شابو سمعه يسترسل في الحديث في بهو الانتظار فسأله في خيلاء شديدة “مسيو فولتير، مسيو آرويه- ما اسمك؟” ولا علم لنا بم أجاب الشاعر. وبعد يومين التقيا في الكوميدي- فرانسيز، وأعاد روهان سؤاله. ويختلف الرواة في الجواب الذي أجابه به فولتير، قالت رواية أنه أجاب “إنسان لا يتجرجر وراء اسم عظيم ، بل يعرف أن يشرف الاسم الذي يحمله “، وتقول رواية أخرى أنه أجابه “إن اسمي يبدأ بي، واسمك ينتهي بك “. ورفع السيد النبيل عصاه ليضربه ، وأتى الشاعر بحركته ليستهل سيفه. وكانت آدريين لكوفرير تشهد المعركة، وكان لها حضور البديهة ما جعلها تقع مغشية عليها ، وتهادن الخصمان. وفي 4 شباط كان فولتير يتغدى في بيت الدوق صلي، وإذا رسالة تنبئه أن في باب القصر من يريد أن يراه، فذهب، وإذا ستة فتاك ينقضون عليه ويضربونه في شيء من الترفق. وحذرهم روهان الذي كان يدير العملية من مركبته قائلاً “لا تضربوا رأسه، فعسى أن يخرج منه شيء صالح”. واندفع فولتير عائداً إلى البيت، وطلب إلى صلي أن يعينه على اتخاذ إجراء قانوني ضد روهان. ولكن صلي أبى. فاعتكف الشاعر في ضاحية أخذ يتدرب فيها على المثاقفة. ثم ظهر في فرساي، مصمماً على المطالبة بـ “ترضية” من الشفالييه. وكان القانون يعد المبارزة جريمة كبرى. وصدر أمر ملكي للشرطة بأن تراقبه ، ورفض روهان لقاءه. في تلك الليلة قبضت الشرطة على الشاعر، مما أراح كل من له صلة بالأمر، ووجد فولتير نفسه نزيل الباستيل مرة ثانية. وقال القائد العام لشرطة باريس في تقريره “إن أسرة السجين أثنت بالإجماع على حكمة القرار بمنع الشاب من ارتكاب حماقة جديدة ” وكتب فولتير للسلطات يدافع عن مسلكه، وعرض أن ينفي نفسه في إنجلترا مختاراً إذا أفرج عنه. وقد عومل كما عومل من قبل في الباستيل. فقد وفرت له كل أسباب الراحة والرعاية.
لقد استطاع الشاعر الغريب الأطوار بعبقريته الفطرية وذكائه الشديد أن يصبغ العصر بصبغته الخاصة وصار العصر في تاريخ الحضارة يسمع عصر فولتير الذي تميز بالحرب الشعواء بين الدين والفلسفة ، وانتعاش الأدب والمسرح ، والتصوير والموسيقى ، وإعادة النظر في الأخلاق والتعليم ونشاط الذهن وعبادة الجمال وبدء الاهتمام بالتقدم العلمي والطب وانتشار الإلحاد وانتصار الفلسفة .

لا تعليقات

اترك رد