المارد العربي قادم لتفعيل المشرق العربي الجديد

 

حظي رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بحفاوة رسمية غير مسبوقة في العاصمة الأردنية عمان في 25/8/2020 في قمة ثلاثية ( الأردنية – المصرية – العراقية ) وهي قمة ليست بمنأى عن السعودية بل هي بتنسيق مع السعودية خصوصا وأن العراق يسعى للعودة إلى محيطه العربي عبر السعودية.
هذه القمة أتت بعد زيارة الكاظمي للولايات المتحدة وصفت بالناجحة بما يتجاوز الكاظمي الأطر الضيقة التي كانت قد سارت عليها الحكومات السابقة التي كرست مفهوما للتعاون الثنائي مع إيران وتركيا بالدرجة الأولى وفي حين يبلغ الميزان التجاري مع تركيا بين 10 إلى 12 مليار دولار سنويا لكنه يقل مع إيران بين 8 و 10 مليارات دولار سنويا، بينما لا يتعدى الميزان التجاري بين العراق والسعودية أكثر من مليار دولار سنويا ولا يبتعد كثيرا مع مصر والأردن.
لكن هناك ملامح علاقة جديدة مع السعودية التي بدأت بخطوات عملية مع السعودية حين تم تأسيس المجلس التنسيقي العراقي – السعودي على عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وجرى تعزيزه في عهد عادل عبد المهدي قبل أن تواجه سلسلة من المشاكل، وتورطت المليشيات الموالية لإيران في إفساد هذه العلاقات، ومحاولة قطع صلة العراق بمحيطه العربي وبشكل خاص مع السعودية.
وقبل الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي إلى العراق في 27/8/2020 بيوم هدد أبو علي العسكري باستهداف رعايا أميركا وإسرائيل والسعودية في العراق من أجل أن يحرج الكاظمي وتوجيه رسالة له بأن العراق سيظل رهينة الأجندات الإيرانية رغم كل المساعي لإنقاذ العراق من الهيمنة الإيرانية.
تزامنا مع توجه عراقي – أردني – مصري لتفعيل المشرق الجديد وهو اسم أطلقه الكاظمي أثناء زيارته للولايات المتحدة لصحيفة واشنطن بوست طهران تسعى إلى حوار استراتيجي مع بغداد، وبدأت إيران التودد إلى العراق حيث صرح سعد خطيب زاده المتحدث باسم وزارة الخارجية من أن للعراق مكانة خاصة لدى إيران، خصوصا بعدما تنامى الحديث عن الربط الكهربائي بين العراق ودول الخليج في غضون عام على الأقل، مقابل أن إيران رغم أنها تعلن عن عقد اتفاقية استراتيجية مع العراق أعلنت لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي عن قيام إيران بقطع مياه نهري سيروان والزاب الأسفل اللذان ينبعان من إيران ويدخلان حدود العراق في محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق شمالي شرقي العراق، ففي منتصف أغسطس 2020 أعلنت حكومة كردستان أن إيران قطعت مياه النهرين للعام الثالث بشكل كامل، وبشكل جزئي في بقية الأنهار مما سيلحق ضررا كبيرا بالعراق وبالمزارعين، وإيران منزعجة من الكاظمي عندما قام بأول زيارة لإيران وطالبها من التعامل من خلال بوابة الحكومة العراقية فقط وليس من بوابات أخرى وأول رئيس عراقي يخاطب الإيرانيين بهذه اللغة التي يفهما الإيرانيون مستمدا قوته من الشعب العراقي المنتفض ضد مليشيات إيران في العراق التي تسببت في مقتل المتظاهرين والناشطين.
تدعم الولايات المتحدة مشروع المشرق الجديد أو الشام الجديد هي محاولة تنسيق عربي – أمريكي لسحب العراق من إيران التي حاولت إدخاله في تحالف يضمها إلى جانب روسيا والصين، وهذا المشروع وفق النسق الأوربي والذي من خلاله تكون تدفقات رأس المال والتكنولوجيا أكثر حرية، ما يعني أن العراق يلتقي مع رؤية المملكة 2030 التي من أهدافها أن تتحول المنطقة إلى أوربا الشرق الأوسط التي هي بوابة المستقبل وهي مشاريع تلتقي وتتكامل مع المشاريع الأخرى، وليست مشاريع تابعة لها أو ضمنها.
القمة الثلاثية أكدت على تكثيف الجهود للتوصل إلى حلول سياسية لأزمات المنطقة وخصوصا الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، ما يعني وقف التدخلات الإيرانية والتركية في هذه الدول وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة والمرجعيات المعتمدة، بما يحفظ وحدة هذه الدول واستقلالها ومقدرات شعوبها، ويحفظ الأمن القومي العربي، بل أكد القادة على الوقوف بجانب العراق في حماية سيادته وأمنه واستقراره وجهوده لتكريس الأمن والاستقرار، وطالب القادة بوقف التدخلات الخارجية بالشأن الداخلي العربي.
العراق بحاجة إلى العمق العربي مما يجعله قويا في مواجهة المشكلات الإقليمية التي تأتيه من إيران وتركيا، بينما الجوار العربي بمثابة عمق استراتيجي للعراق من أجل أن يعزز العراق رصيده العربي، بل إن هذه القمة الثلاثية ستكون نواة لعمل عربي واعد، وهي خطوة استباقية لاستعادة العراق دوره الريادي في المنطقة ما يفرض عليه إتباع انفتاح سياسي إقليمي دولي وفق مبدأ المصلحة الوطنية، خصوصا فيما يتعلق بقضايا الاقتصاد والطاقة والاستثمار، حيث باتت الحاجة إلى تفعيل المشاريع المشتركة التي تؤمن فرص العمل للمواطنين العراقيين.
هدفت القمة الثلاثية إلى تكوين محور عربي هو محور الاعتدال بعيدا عن محوري الممانعة والمقاومة والتيار الإخواني اللذين تقودانه إيران وتركيا ومليشياتهما في المنطقة العربية، ما يعني أنها مرحلة يتطلب تفكيكها.
بالطبع سيجد العراق فيتو من بعض القوى والأحزاب على هذا التوجه العربي أو على هذا الاتجاه نحو تشكيل تكتل عربي الذي يتعارض مع توجهاتها الأيديولوجية لا سيما أنها تمثل مصالح قوى إقليمية، لكن هذا التوجه يتعارض مع المزاج الشعبي الذي يطالب بالتوجه نحو عمق العراق العربي مع تأكيد الكاظمي أنه ينأى بالعراق عن المحاور وفي نفس الوقت يشدد على مخرجات قمة عمان.

لا تعليقات

اترك رد