الرؤية والخطاب في اعمال الفنان محمود شبر

 

ذا كان لنا أن نقترب أكثر من حضارة بابل والحضارة الاشورية فننا نلتمسها في سنة 1965 ولد الغصن لأول من اغصان الشجرة الفنية فهو نجل الفنان نعمة شاكر ولأخ الكبير للفنان علي شاكر نعمة ولد في محافظة بابل ، ضمن عائلة فنية عريقة وكبيرة، عشق الرسم منذ صغره وتتلمذ على يد والده الفنان شاكر نعمة، ولكنه يرى ذلك الإنتماء سلاحاً ذو حدّين، من ثم ابتعد عن استخدام أسم العائلة واتخذ لقب ” شُبّر ” كي يستقل بخطابه وأطروحاته البصرية والفنّية.

وفضل الفنان محمود شبر صناعة واقعه بنفسه بدقه عالية ومحاولة التظاهر بان هذا العالم المرسوم اكثر صدقاً واكثر دقة من العالم الخارجي وكانما الفنان يظهر حالة الهروب من الواقع الصناعي المعقد الى واقع جديد وهذا بوصفه مظهرا من مظاهر الاغتراب . أما الغاية من ذلك فتنحصر في محاولة الفنان استرجاع شيء من الإحساس بنشوة الحياة الحقيقة المفتقدة ، المسالة ولو لساعات وتخليصنا من تبعات تأويلنا لحقائقها بعد إن فقدنا الإثارة في الواقع لأننا أضعنا تفاصيله في تهافتنا على ما تنتجه الآلة الصناعية فكان ذلك مسوغاً لان تفقد الإحساس بجماليته وتلقائيته وبساطته

أن مضمون الاعمال التي رسمها الفنان محمود شبر فيها يعبر عن العنف والضغوط والتناقضات والصراع والمعاناة ويعبر عن حالة الاغتراب التي تسود في نفوس المجتمع وما يتعرض له الانسان المعاصر من عمليات تهجير وتهميش واستلاب. كذلك اعماله تعبر في الوقت ذاته عن المقاومة والتحدي وحب الحياة أو الانتصار لها، وفيها أيضاً سخرية وتهكم وتكوينات من المصادفات الموضوعية وكلها من الإرث السوريالي الممتد عبر اعمال الفن التجميعي او التجهيزي.

shbrmhmodeمن اعمال الفنان محمود شبر

فهو فنان مُعاصر ينتمي للزمان والمكان وهو من الفنانين الذين يُصرحون ولا يخجلون بأن له “بصمة خاصة”، وهو من اغصان الشجرة البابلية يستمد ثقته من تاريخ حضارته في التشكيل رسماً ونحتاً ومعماراً أمدها آلاف السنين ولكنه لم يتعكز عليها ولم يرتض لنفسه أن يكون تشكيله على غرار تصميم بابلي سبق، فما أنتجه أجداده من خلق وابداع فني لهو كفيل بأن يمنحه القُدرة على الخلق والإبداع في التشكيل الفني رسماً يُكمننا من الحُكم على لوحته من دون تدوين اسمه عليها بأن عائديتها لمحمود شُبَر، لأنه فنان (رسالي) يُحاول بـ (بصمته الخاصة) في التشكيل اللوني أن يرسم الوطن بما فيه من خراب وما فيه من أمل يحمله هو ومن ماثله وشاركه الهم من (جماعة الأربعة) أن يُعيدوا انتاج الوطن وفق مُخيلتهم الإبداعية المؤسسة على قراءة لتاريخ وطنهم بكل ما يكتنزه من جمال ومعرفة.

shbrmhmoddمن اعمال الفنان محمود شبر

لا يتخذ محمود شُبر من الرسم أداة لإظهار مهاراته الإبداعية التي لا يُختلف عليها، وإن كان ذلك من مُعطيات التعبير عن إمكانيتاه، ولكنه (فنان) مُفكر، ومُفكر فنان، يجعل من فنه التشكيلي عتبة لتدوين تاريخ لمرحلة مهمة من تاريخ العراق، فهو يكشف عبر ريشته تاريخ “العُنف الدموي في العراق” والعمل على جعل الفنان بمصاف المُفكر، كلاهما يكتب وينتقد، فالمفكر يُدون تاريخ الشقاء والعُنف باستخدامه قلمه ورؤيته النقدية، وشُبَر من خلال ريشته ورؤيته التعبيرية داخل فضاء اللوحة يشارك مؤرخ الأفكار مهمته، فهو من الفنانين الذين يُمكن تصنيفهم على أنهم من دعاة “الفن للحياة” لا “الفن للفن” بمعنى أن الفن عنده تربية للذائقة الجمالية أولاً ونقداً صورياً عبر الرسم للواقع لا من أجل “تفسيره” إنما هو عمل دؤوب لـ “تغييره”، وكأنه يُراداف بين مهمة الفن ومهمة الفلسفة التي تحدث عنها (ماركس).

shbrmhmodcمن اعمال الفنان محمود شبر

في محاولة مُبتكرة ولا أظن أحداً قبل محمود شُبَر قدَ استخدمها في فضاء التشكيل نجد شُبَر يستخدم في أعماله التشكيلية (اللوحات المرورية) في العراق الدالة على المُدن والإشارة للتحويلات، ببلاغة تشكيلية مُبهرة، ففي لوحته (الموصل تُرحب بكم) تجد اللوحة متآكلة بعض حروفها، اللون الأسود يأكل بعض حروفها المكتوبة باللون الأبيض، وهذه ليست لوحة فقط رسمتها ريشة فنان مُحترف يترك العنان لروحه للتعبير عنها لونياً بواسطة الريشة، إنما هو فنان يكتنز من الوعي المعرفي والسياسي بما يؤكد وجهة نظرنا التي أشرنا لها، ألا وهي ربط الفن بالحياة، وربط الفن بالفكر، فهو لا يرى في الفن مُجرد تجليات صوفية رومانسية كما بدأ، إنما هو اليوم يعمل على أن يجعل من الفن رسالة ثقافية فكرية وتنويرية، بل وتغييرية وثورية.

shbrmhmodbمن اعمال الفنان محمود شبر

فالذات الحرة الراغبة في التحديث بدأت مع مسيرة الفن وأساليب الفنانين الفردية النابع من وعي الفنان ذاته بمجتمعه ورغبته التوفيقية فيما بين الذات والموضوع ، والتقاط اللحظات التي قد تبدو مرعبة أو مثيرة في عرضها للمشاهد الدرامية وتمثيل اغتراب الذات ، والكشف عن الواقع المأساوي الذي تخلفه الحروب والمطامع السياسية والاستبداد استقدم الفنان محمود شبر إشارات الطرق ودلالات الشوارع من بغداد قبل الغزو الأميركي، ثم عمد في محترفه إلى مضاعفة دلالاتها وتحميلها رموزا جديدة تختصر فاجعة بغداد وأثر الشروخات التي فككت أوصالها.

shbrmhmodaمن اعمال الفنان محمود شبر

حقق ذلك عبر سلسلة من التقنيات الفنية تراوحت ما بين رش الألوان أو محوها، وشقّ أسطحها المعدنية وتجريحها وافتعال الفجوات فيها والتقشرات التي تحيل المشاهد مباشرة إلى فصول المعارك الطاحنة التي دارت في شوارع المدينة، وربما في شوارع كل مدينة عربية من حولها.

ليس محمود شبّر أول من استخدم إشارات السير في الأعمال الفنية، ولكنه قد يكون من أهم من أغناها بطبقات دلالية. الطبقة الأولى تشير إلى فترة ما قبل الحرب حين كانت ألوانها ساطعة وكلماتها واضحة ودقيقة تشير تماما إلى الأمكنة التي تشير إليها. أما الطبقة الثانية فهي تعود إلى أثر الحرب، فالكلمات باتت غير واضحة ولا تشير إلى الأماكن الشهيرة والصروح الحضارية، بل إلى أضرحة ربما تنتظر قيامة مرجوة ما, ان العمل الذي يؤلف فيه الفنان رؤيته الى العالم تنطلق من لحظة انكشاف وجوده فيه, وهو لهذا يكشف موقفه تجاهه ويلمس افق التواصل معه , لكن التواصل لايعني الانسجام مع الواقع رغم انه لايستطيع الاستغناء عنه , بل ان كل الحوادث والادوات مجاورة لوجوده وتحيط بهذا الوجود لتستكمل حضوره العياني , يظهر الانسان مغترباً ومستلب من هويته وارضه ويتولد معها الإحساس العميق بالخوف والغربة والاستلاب من الغير ويصبح لزاما ” الحضور في العالم ” من خلال الصراع الوجودي بكل تفاصيله المترامية الأطراف , وهذا الصراع يحتكم الى الانا القار في الشعور , لكنه موجود في الخارج مع الغير وفي كل لحظة من لحظات حياتنا النفسية وفي هذا العمل نجد ان الفنان قد ايقض في اعماقنا كائن الخوف الذي يريد تدمير الذات ولكنه جعلنا نمر عبر اجوائه الحالكة لنواجه ذلك الشبح القابع في نفوسنا من اجل لحظة الصراع معه والوصول الى مرحلة الخيار الوجودي ازاء الموقف الذي نعيشه مع الخوف والموت والهجرة والحروب .

لا تعليقات

اترك رد