تحوك القصائد بالكلمات الدسمة، وتلون اللوحات بالألوان المختلفة التي تقصد بها الحياة والأنهار والوجوه، أيامها الحلوة محجوزة باسمها لذا فلن يصل إليها أحد غيرها، تحتاج لكل الفنون لتعبر إلى الضفة الآخرى والعودة منها. تعرف النيل والأشجار والأغنيات.. الشاعرة المصرية آلاء حسانين تبدأ الحوار شعراً.

*خير الكلام ما بدأ بشعر فبماذا ستبدأين بأي شيء من قصائدك؟
– قد أبدأ بنص من ” سيرة الأجنحة ” وهي مجموعة أعمل عليها حاليًا، والعنوان قد يكون مؤقتًا:
“وسألت عن الكلام، والبكاء والخيبة. فقال بأنه رحمني، حين خلقني يتيمًا ومزج تربتي مع الدمع، فأعطاني الشعر، يُدمر ويبني. وقال بأنه كتب عليّ الترحال فلا أستقر في أرض ولا ينبت قمح زرعته، وبأن أبنائي سيتفرقون في الأرض أو يموتون.
فقلت إئذن لي ألا أجيء بهم. وسألني عن وحدتي؟ فقلت: أتحملها.. وطلبت امرأة أستند إليها. فقال بجسدك تستند، غير أن روحك ستهيم ولا تستقر. فطلبته رفيقًا صادقًا يكون أخًا ويؤنسني، فقال تسندك النساء. فكن امرأة حتى تنال المحبة الأمومية الخالصة، تعوضك.
فقلتُ: وزوجي؟ قال: ستكون لك، وتكونين لها. ونظرت إلى جسدي الناعم النضر ووجهي الحنون، وانتبه لي الناس وأفسحوا المجالس والطرقات، وغرقت في حصار مُعذب، لكنّي قبلتُه، لأن أمومتي أحاطت بي. وانتبهت أخيرًا إلى طفل في داخلي، فهدهدته ورعيته وضممته وشممته، وأسميته العالم. وأحسست بأن في قلبي جمر وسألت إلهي، لكن قال أمومتك تدُلُّك. وعلمت بأني لم أخلق في الخلاء، لقد أحييت فيه. ونظرت إلى خصري ووجدت أثرًا لطعنات قديمة، وعرفت أسبابًا قد تكون واهية، لكنها أراحتني، وشعرت برغبة في أن أسأل الناس: هل يعدُّون؟ كم مرة قبلتَ وابتلعكَ جوف آخر؟ وسألتُ في قلبي، ثم مضيت وأنا أبتعد عن كل ما كان في يوم لي.”

*يخرج من اعماقه مرتجفًا ثم العهد الجديد كليًا هل ثم عملاً جديدًا قادم؟
– نعم هناك مجموعة قصصية جاهزة الآن للنشر، ورواية بدأت العمل بها أثناء فترة العزل، كما أعمل أيضا على مجموعتين شعريتين.

*كيف ترين علاقة الشاعر أو المثقف بالسلطة؟
– أحتقر الشاعر الذي هو ظل لغيره، ولا أعرف الشِّعر سوى إحدى صور التفرد.

*تخططين من اجل كتابة القصيدة أم أن الأمر يتم من غير تخطيط مسبق وهل تحتاجين ظروف خاصة للكتابة؟
– كلاهما، الحقيقة أن أمر يحدث بتخطيط وبدونه. فالتخطيط بالنسبة لي هو خلق القصيدة في داخلي وتتبع النغم الذي يشكلها قبل أن تتحول إلى كلمات. قبل أن أكتب لا أعرف الكلمات أو كيف سيكون شكل القصيدة، لكن أميز النغم وروح النص. ودون تخطيط لأني لا أعرف متى وكيف ستفاجئني القصيدة.

*هل تسعين إلى صناعة وحدتك الخاصة وبماذا تستغلينها؟
– الوحدة لا تصنع، برأيي.. إنها توهب. ولست ممن يتغزلون بالوحدة، فأنا أجد أن الإنسان يحتاج إلى التفاعل الدائم مع الناس، لكن في الآن ذاته عليه أن يحتفظ بذاته الداخلية بعيدًا عنهم. فالفنان كائنان، أحدهما مع الناس، وآخر يسرح بعيدًا عنهم. أما بالنسبة للفنون التي أقوم بها، فأنا لا أعرف كيف أتعامل مع العالم دون أن أحتمي بالفن. أحتاج للفن، ربما لأني لم أغادر طفولتي بعد. أو أني كل مرة ومن خلال الفن، أستعيد طفولتي وأشكلها كما أرغب، أستعيد حياتي كلها وأعيد تخطيطها، الشِّعر بالذات ساعدني فيما مضى كثيرًا.

*يقول عبد الأمير جرص “كثيرًا ما سبقني إليك الذباب أيتها الأيّام الحلوة” هل سبقك أحد إلى أشياءك الحلوة أم انك ما زلت في الطريق نحوها؟
– لا، لم يسبقني أحد إلى أيامي الحلوة، إن كانت موجودة. لأنها أيامي. كما أنني لم أسبق الآخرين إلى أيامهم. أؤمن أن حياة كل منَّا هي فيلم يخصه وحده.

*أين تجدين نفسك في الشعر أم في الرسم وأيهما الذي يأخذ من وقتك أكثر؟
– أجد نفسي في الشِّعر وفِي الرسم وفِي فنون أخرى مثل التمثيل والسينما، وكل فن له وقته الخاص. فأحيانًا أحس أن الذات التي تكتب الشِّعر غير موجودة بالمرة، ولا أستطيع الآن سوى أن أمسك بالفرشاة وأرسم، وأحيانًا أحس أني أرغب بتجسيد هذه العوالم الداخلية والمشاعر التي تجتاحني، لذلك أحتاج إلى كل الفنون بقدر تعدد عوالمي.

*ما الذي تحاولين ايصاله في مجموعة لوحاتك (وجوه عديدة للحزن) وهل هي عاملاً لتجاوز شيئًا ما حولك أو داخلك؟
– الرسم يساعدني على اكتشاف جوانب عديدة من نفسي ليس من طبيعتها أن تظهر من خلال الشِّعر، وبعد تجربة فنون أخرى مثل الرسم والتمثيل، أدركت أن النفس البشرية شاسعة ولا حدود لها، فكل فن يكشف عن أجزاء في روحي كانت مخدرة بطريقة تختلف عن الأخرى، وبالطبع يتميز الرسم بأنه فن بدائي، طفولي، يسبق اللغة. فبالرسم أقبض على المشاعر الموجودة قبل أن تتجسد في الكلام أو اللغة. وفِي هذه المجموعة بالذات قمت باستخدام مجموعة ألوان مختلفة لم أعتدها عادة، وحرصت أن أجسد بالألوان المفرحة والمبهجة أعمق صور الألم، فالألوان رغم بهجة ألوانها غير أنك لا تستطيع سوى أن تشعر بما تحويه من آلام وعذاب.

*أحكي لي عن بغداد
– من الصعب الحديث عن مدينة مثل بغداد، لكن قد يكون كل ما أستطيع قوله هو أن زيارة بغداد تمثل حلمًا طفوليًا، قديمًا ومتجددًا.

حاورها أيّوب الهزيم

لا تعليقات

اترك رد