الترمضينة أو سكيزوفرينية رمضان


 
الترمضينة أو سكيزوفرينية رمضان

منذ أزيد من 14 قرنا والمسلمون يرددون أن رمضان شهر العبادة، فيه نزل القرآن ، ويعتبرونه أعظم شهور السنة به ليلة خير من ألف شهر… ولو تتبعنا ما يقال عن أفضال هذا الشهر لعجزت الصفحات عن احتوائه… لكن ما يعرف الناس ولا يرغبون في سماعه هو أنه بقدر الإقبال على المساجد والتظاهر بمسوح الأتقياء يكون الإقبال على الغش والفساد والاحتيال على المستهلكين والرغبة في الاغتناء

وقبل إن نغوص في البعث عن مظاهر الغش في هذا الشهر الفضيل لابد من الإشارة إلى أن الغش في اللغة هو كل عمل أو سلوك يتنافى والقوانين المعمول بها ، وفي القانون الغش جريمة وجناية يعاقب عليها القانون وفي علم النفس الغش سلوك شاذ ومرض نفسي خاصية الشخصية غير السوية وغير المؤهلة للقيام بمسؤولياتها مستقبلا .تتعدد مظاهره وتتخذ أشكال متنوعة تخترق مختلف مظاهر الحياة البيوع والمعاملات والانتخابات….، والمفترض هو ابتعاد العربي والمسلم عن كل هذه الأفعال والصفات في حياته وخاصة خلال هذا الشهر “الفضيل”. لكن الواقع يصرخ بخلاف ذلك، مما يحتم طرح أسئلة مثل فلماذا يكثر الإقبال على الغش في شهر يفترض ألا يكون فيه غش حتى تتطابق أقوالنا مع أفعالنا مما ويحيل شهرَ التعبد و النسل والصيام … إلى فترة تكثر فيها كل مظاهر النفاق والغش والفساد والعنف .. وقد تفنن المغاربة في اشتقاق فعل وصفة خاصة بهذا الشهر وهي صفة (الترمْضينة) من فعل (ترمضن) ويقصون بها انفعال الفرد لأتفه الأسباب وجنوحه للعنف بدعوى أنه صائم …

من مظاهر الفساد في هذا الشهر وقبله تحطيم ترويج المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية كل الأرقام فخلال شهر مايو (قبيل رمضان) أعلن مكتب السلامة الصحية في المغرب أنه تم حجز وإتلاف 512 طن من المنتجات غير الصالحة للاستهلاك ، ليرتفع هذا الرقم في الأسبوع الأول من شهر رمضان فقط إلى حوالي 616 ألف كلغ: منها 45 ألف و 37 كلغ من التمور، و59 ألف و500 كلغ من الدقيق و6200كلغ من الفواكه الجافة و4945 كلم من المعجنات، 47 ألأف ليتر من العصائر .. هذه بعض الأرقام الرسمية التي تم حجزها أما ما خفي عن الأنظار فقد يكون أكثر وأضخم. أنها نوع السكزوفرينية الرمضانية و الانفصام في شخصية الإنسان العربي خلال هذا الشهر ففي الوقت الذي يتظاهر الناس فيه بالورع والتقوى ويرددون عبارات الاستغفار والاسترحام تعكس سلوكهم عدد من أنواع الفساد والعنف والعزلة فيتدهور مستوى الأداء الاجتماعي في العمل والأسرة وفي تعالق الفرد مع الآخرين ، وهي ظاهرة غدت تتسرب إلى النشء فقد صادفت الامتحانات هذه السنة دخول شهر رمضان في عدد من الدول العربية وكل التلاميذ والطلبة يحفظون، ولا ينفكون يرددون (من غشنا فليس منا) لكن سلوكهم يكاد يوحدهم على الغش، فقد تناقلت وسائل الإعلام المستوى الذي وصل إليه الغش في المدارس العربية، وخروج ألاف الشبان في الربيع العربي وبعد داعين لمحاربة الفساد انفصامنا ما زادها إلا تكريس حتى غدا حقا من حقوق التلاميذ والطلبة يوعد الأستاذ منذنبا في حقهم إذا حاول صدهم عن الغش ..وقد تدفع السكزوفرينية كثيرا من الطالبات إلى تغيير زيهن بالإقبال على الحجاب والدروشة وهن لا تبغين سوى إخفاء وسائل الغش وأدواته، و توهيم المراقبين بتدينهن ودروشتهن
إن إقبال الناس على التبضع في هذا الشهر( وقد سبق أن خصصنا أول مقال في هذه السلسة إلى جنون التسوق في رمضان) واختزال ساعات التسوق في لحظات ما قبل الإفطار أو الليل ، واكتظاظ الأسواق و الكثافة البشرية وتنوع البضائع المعروضة للبيع ، وكثرة الباعة العشوائيين الذي يزاولون البيع دون رخص أو اعتماد رأسمالهم عربة مدفوعة أو مجرورة كدست عليها أنواع السلع يجب بيعها قبل آذان المغرب أو بعده دون الالتزام بمكان قار مما يجنبه متابعة ضحاياه إن احتال عليهم أوكالهم وباعهم بضاعة مغشوشة أو فاسدة … كل هذا وغيره كثير يخلق فرصا ثمينة للغش في رمضان بإخفاء الأسعار او إخفاء السلع الجيدة او فرض أنواع معينة من المواد على المستهلك، أو تزوير تواريخ صلاحية الاستهلاك…

والزائر للأسواق المغربية يلاحظ قوة الحركة والرواج الذي تعرفه في رمضان وبقدر تنوع المعروضات تتنوع مظاهر الغش من بائع الفواكه الطازجة البسيط الذي يضع أحسن حبات الفاكهة على الواجهة موهما البائع أن كل محتوى الصندوق أو الكيس من نفس الحجم والجودة ،إلى التجار ((المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون )) إلى بائعي الحلويات الذي يوهمون زبناءهم بأن الحلويات محشوة باللوز أو الجوز وهي المحشوة بالفول السوداني أو مجرد خليط منسوم برائحة اللوز، دون نسيان خلط أصحاب الحليب واللبن لمنتوجهم بالماء أو مواد أخرى . ونفس الشيء يحدث عند الجزار وبائع السمك الذي لا بد أن يمرر للمشتري بعض القطع القديمة أو الفاسدة . دون نسيان أن شهر رمضان هو شهر الذبيحة السرية بامتياز ….
أن كثرة هكذا سلوكات في البيع والشراء في شهر رمضان تجعل العديد من الناس يعتقدون أن كل شيء مغشوش في هذه الأسواق التي تعج بمكبرات الصوت لتحتال من كل جانب على المستهلك الفريسة الذي لا يملك من وسيلة سوى اقتناء مواد يدرك جيدا أنها رديئة الجودة، عديمة السلامة الصحية. تفوح منها رائحة الفساد والغش ومع ذلك يقبل عليها : فمن أجبان وعصائر معروضة طيلة اليوم لأشعة الشمس اللافحة ، إلى مواد غذائية أخرى أنتهت مدة صلاحيتها وبضائع أخرى مقلدة بطريقة يستحيل على المتخصصين التمييز بين الأصلي والمزيف .

وإذا حدث وعرجت نحو المعسلات كالشباكية والمخرقة وبقلاوة والبريوات فاعلم أن لا علاقة لها بالعسل إلا الاسم فهي في الغالب مجرد معجنات و كميات من السكر المحروق سرعان ما يتكوم فوق أو تحت الحلويات مع الوقت ويعود إلى أصله بعد أن أفقدته الحرارة لونه الأبيض .

وإذا حدث ورغبت في إمتاع الذات بشريط سنيمائي ، غنائي أو مسرحي فاعلم أن لا طريق لك سوى التعامل مع أصحاب الشرائط المدمجة المقرصنة العائمة في الفساد والتىلا تعترف بشيء اسمه حقوق التأليف، فقد تختصر القرصنة مشوار فنان بكامله في شريط ( mp3) بثمن لا يتجاوز ثمن خبزتين ناهيك عن الشرائط التي تنشر الفساد من اقصى العري والبورنوغرافية إلى أقصى التطرف ةنشر الفتاوي تحرم التي كل شيء وتتوعد الناس بالعقاب الأليم وأهوال عذاب القبر…
وإذا اقتربت من الأدوات الإليكترونية في ورغب في اقتناء هاتف ذكي فتلك دنيا أخرى : ففي كل درب شبان أمامهم عربات بالزجاج مملوءة بالهواتف النقالة غيرت محتوياتها الداخلية تصبح عديمة الفائدة لأن بطارتها ميتة أو لأي سبب أخر بمجرد ابتعادك أمتارا عن بائعها ، دون نسيان أن معظم تلك الهواتف مسروقة وقد وصلت إلى تلك العربات عبر عدة وسائط .

في شهر رمضان (( شهر التقوى والإيمان )) تكاد –في الأسواق المغربية – لا ترى ولا تشم إلا رائحة الفساد رغم حملات التوعية حملات المراقبة التي تقوم بها الدولة وفي هذا الشهر تٌحطم حالات الغش والفساد المسجلة رسميا الأرقام القياسية مقارنة مع باقي الشهور .

وإذا أضيفت إلى كل هذه المظاهر براعة الصينيين ـ الذين غمرت سلعهم أسواقنا ـ في تقليد الماركات سيبدو مدى الحيرة التي يعيشها المتسوق المغربي في اختيار مشترياته مها كانت بسيطة …

هذه بعض ملامح الفساد في البيع والشراء والمعاملات بين الناس في هذا الشهر المعظم تفشِّــيها يستدعي فتح نقاش مسؤول وعميق حول أزمة القيم وضرورة تكريس القيم وإخراج البلاد من حالة اللا- معيارية والأنوميا التي غدونا نعيشها بحيث يكاد الشاذ والفاسد يشكل المعيار، وهو ما وسم شخصية العربي في هذا الشهر بسكزوفرينية رمضانية يتظاهر فيها الفرد بثوب الأتقياء ومسوح الرهبان، ولا يصدر عنه إلا المكر والرغبة في الاغتناء ، وحتى في ليالي رمضان الذي يحلو للبعض وصفها بليالي القيام والغفران ، المغاربة فيهها منقسمون بين التراويح والترويح ومهما بحثنا عن الأوصاف لوسم هذا الانفصام في السلوك خلال هذا الشهر فلن نجد أبلغ من تعبير المغاربة ( الترمضينة) الترمضينة وحدها تجعل الصائم ثورا هائجا لا يقبل نقاشا، عنيفا ، سريع الغضب، خاملا لا يعمل غير اجتماعي بالمرة لا يقبل نصيحة ، الترمضينة تتيح للبائع استعمال الغش ، وللعامل ترك عمله وترك الزبناء ينتظرون.. وهي دعوة لعلماء النفس من أجل إدخال هذا المفهوم لقواميسهم واعتباره من الأمراض الموسمية التي تصيب الكائن العربي شهرا في السنة ومن الصعب إيجاد علاج لها وما على الآخرين إلا قبول المترمضن على حاله كما هو والاستعانة بالصبر حتى يعود إليه توازنه بعد انصرام رمضان

لا تعليقات

اترك رد