سومر و بابل وآشور … بوابات الانسانية الى الديمقراطية وحكم مجالس التمثيل الشعبي ،،

 
سومر و بابل وآشور ... بوابات الانسانية الى الديمقراطية وحكم مجالس التمثيل الشعبي ،،

منذ القرن الثامن عشر تبنّت برامج التعليم الغربية مقولةً مفادها ان “اثينا ” اليونانية هي التي أهدت للعالم نموذج الحكم الديمقراطي ، ورغم تقادم هذه المعلومة وظهور حقائق تاريخية اخرى تثبت غير ذلك الا ان برامج التعليم المدرسية ظلت على حالها ؛ المثير للسخرية ان علماء في السياسة والتاريخ والاجتماع من اصحاب الوزن الثقيل يعرفون هذه الحقيقة الا ان أقلامهم لاتكتب حين يؤلفون وينشرون غير المعلومة الزائفة ، ولو قدر لاي كان ان يعارض رأيهم في حديث او منشور فانه سيلقى الازدراء والاتهام بالجهل اذ لايحلو لهم ان ينزلوا اثينا عن العرش الذي تبوأته . وهذا الامر ليس مستغربا على حضارة الغرب التي نسجت من مزيج اعظم منتجات العلم الحديث وأكثر الأساطير غرابةً وبعداً عن الحقيقة ؛ التفسير واضح ولن اطيل فيه اذ سطّر واحد من أفضل علماء تاريخ الحضارات القديمة وهو البروفيسور Martin Bernal كتابه الرائع ( Black Athena :The Afroasiatic Roots of Classical Civilization)الذي نشرت طبعته الاولى عام ١٩٨٧ واصبح موضع جدل واعتراض لا ينقطع وصلت حد اتهامه بالتعصب العنصري كونه يهوديا ؛ وتقوم نظرية بيرنال على فكرة خلاصتها ان الحضارة اليونانية ماهي الا ثمرة من ثمار الحضارات الشرقية التي نقلت معرفتها وتقاليد حياتها الى اليونان عبر المستوطنات الفينيقية والمصرية التي كانت منتشرة على الاراضي اليونانية وله في ذلك أسانيد من التاريخ والدراسات اللغوية ، وأكد بيرنال ان مقولة اليونان القديمة كمهد للحضارة الغربية فبركة تاريخية صنّعها علماء عنصريون غربيون منذ أواخر القرن الثامن عشر متزامنة مع الموجات الاستعمارية الكبرى للسيطرة على الشرق ، وقد اصبحت مقولاته من ثوابت الموضوع وانعكست في سلسلة طويلة من المؤلفات والبحوث التاريخية التي كتبها علماء ذوي مكانة والتي بدأت تأخذ طريقها للاستقرار كمدرسة في تاريخ الحضارات القديمة ، ورغم ذلك فقد بقيت مناهج الدراسة المدرسية الغربية اسيرة لأسطورة اليونان وكان التاريخ بدا من هناك تماما كا يغفل المؤرخون الغربيون حقيقة ان عصر التنوير الاوروبي بدأته جامعات الأندلس وعلماءها وان رموز هذا التنوير درسوا في الجامعات الاسلامية الأندلسية وان تقاليد لَبْس الثوب الجامعي هي استمرار للعباءة العربية التي كان يرتديها علماء الأندلس في صفوفهم الجامعية وصارت دليلا على المكانة الاجتماعية في المجتمعات الغربية آنذاك لما فيها من إشارة الى ان لابسها قد درس في جامعة معتبرة ، ولاعجب فالمسلمون ظلوا على ارض الأندلس حتى أواخر القرن الخامس عشر وعصر التنوير بدا قبل ذلك بوقت طويل .

في عام ١٩٤٣ نشر أستاذ لتاريخ الحضارات القديمة في جامعة شيكاغو الامريكية هو البروفيسور Thorkild Jacobsen مقالة في مجلة “دراسات الشرق الأدنى ” حول الديمقراطية البدائية في بلاد الرافدين القديمة ” وحدد ما يعنيه بالديمقراطية التي تُعنى بها دراسته على انها شكل الحكومة الذي تستقر فيه السيادة داخل المجتمع بين أيدي قطاع كبير من المحكومين وتحديدا جميع المواطنين الأحرار البالغين من الذكور بغض النظر عن طبقتهم الاجتماعية او الثروة . اي انهم مواطنون يشاركون في إدارة الشأن العام ، فهم يتخذون القرارات الكبرى مثل الحرب وهم يمثلون السلطة القضائية العليا وان الحكام يكتسبون شرعيتهم باختيارهم من قبلهم وفقا لما يصرح به البروفيسور جاكوبسون ؛وهذا يشكل بحد ذاته لطمة لزعم روّج له المستشرق الصهيوني المعروف برنارد لويس من ان مفهوم المواطنة بمعنى المشاركة في إدارة المدينة غير موجود في تراث الشرق ؛ وبرنارد لويس يعتبر حجة الحجج في شؤون الشرق الأوسط ووُضِع على راس حملة المثقفين الذين روجوا لاحتلال العراق ومن الذين استشارهم الرئيس بوش الابن حين قرر غزو العراق .

نشأت أولى أشكال الديمقراطية في أماكن شتى من بلاد النهرين وانتهت كلها لتصب في شكل اكثر تقدما وتعقيدا في بابل تاج حضارات بلاد النهرين تمثلت في سيادة حكم القانون ممثلا في الرمزية العظيمة التي جسدتها مدونة حمورابي القانونية المدونة على مسلته المشهورة .

نشأت أولى الحضارات في بلاد النهرين على شكل مدن صغيرة مكتفية ذاتية وتخضع لحاكم واحد وكان توجه هؤلاء الحكام هو توسيع نطاق سيطرتهم لتشمل مدناً اخرى بلغت ذروتها مع قيام مملكة اوروك ، مملكة كَلكَامش ، حوالى عام ٤٠٠٠ ق.م. ؛ مع التوسع وزيادة تعقيد الحياة بدات تنشأ سلطات متخصصة تتمتع بالاستقلال في اداء مهمتها ؛ أولى هذه السلطات هي السلطة القضائية التي نشأت أولى بوادرها منذ وقت مبكّر نسبيا خلال العصر السومري وتطورت بشكل ملحوظ وأكثر استقلالا ووضوحا خلال عهد ملك بابل العظيم حمورابي . بموجب القانون يحق لكل شخص ان يرفع شكوى الى الملك الذي ينظر فيها ثم يقوم بإحالتها الى محكمة مختصة وهذه المؤسسة القضائية تتشكل من عدد من الموظفين الذين يحملون لقب ” قضاة الملك ” يستمدون سلطتهم من الملك ويحكمون بقانونه ؛ الى جانب هذه المحاكم توجد هيئات اخرى لفض المنازعات تستمد سلطتها من سكان المدينة وتحكم بموجب معاييرها للخطأ والصواب ؛ يتولى عمدة المدينة والمسنين النظر في القضايا البسيطة ذات الطبيعة المحلية الصغيرة ، اما القضايا الأكثر تعقيدا او ذات الأهمية فإنها تُعرض على الجمعية العامة للمدينة لتفصل فيها والجمعية ذات عضوية مفتوحة لجميع المواطنين بغض النظر عن كونهم من أعضاء طبقة او مجموعة ذات حظوة .

سلطات الهيئة العامة للمدينة ذات طبيعة قضائية بشكل عام حيث تدرس الشكاوى كما قد تلزم الأطراف والشهود باداء اليمين ثم تصدر أحكامها وتشمل القضايا التي تنظر فيها ، المدنية منها او الجنائية ، وتصل سلطتها الى عقوبة الإعدام .

هذا النوع من التنظيم للقضاء يتضمن جوهرا ديمقراطيا واضحا لان السلطة المناطة بالهيئة القضائية مستمدة من الشعب .

هذه صورة مصغرة عما كان عليه الوضع السياسي العام في تلك الحضارات القديمة ، وقد ذهب المؤرخون المتخصصون في تاريخ حضارات الشرق القديم الى ان الأساطير القديمة تعكس واقع الأنظمة السياسية التي كانت سائدة في تلك الحقب السحيقة في القدم . لقد اعتمد نظام الجمعية العامة للمدينة لغرض مناقشة التحديات الكبرى التي كان يواجهها المجتمع مثل مشكلات أنظمة الري التي شكلت مصدر الثروة الأساس وارسال البعثات التجارية وإجراء مسوحات الاراضي اضافة الى الخروقات التي كان يقوم بها الأفراد ضد النظام العام للمدينة ؛ لقد كانت الجمعية العمومية تستدعى للانعقاد عندما كان يلوح في الأفق خطر عام يهدد سلامة المدينة وفي بعض المدن كان يتم انتخاب ملك بصلاحيات محددة لقيادة المجتمع لمواجهة الخطر ولفترة محددة .

لقد عكست ملحمة كَلكَامش والتي تعود الى حوالى ٢٨٠٠ قبل الميلاد وضع ملك اوروك العظيم حيث تظهره ملتزما في قضايا الحرب والسلام بارادة الجمعية العامة للمدينة حيث تعتبر هي الهيئة صاحبة السيادة ؛ تبدو اوروك ، وفقا للملحمة ، مهددة بجيوش ” كيش” وانه بدلا من اتخاذ قرار الحرب من قبله فانه يعود لاستشارة الجمعية العامة للمدينة المؤلفة من مجلسين ، الاول هو مجلس الشيوخ ذو النزعة المحافظة ويشغل عضويته رؤساء الأسر في المدينة ويتجه هذا المجلس المحافظ الى محاولة تجنب الحرب مع كيش المعتدية الامر الذي مارس كَلكَامش ضده حق الفيتو وأحال الامر الى الجمعية العامة الموسعة التي تضم جميع مواطني المدينة من القادرين على حمل السلاح وبعد مناقشة الموقف منحته الجمعية الصلاحية لقيادة الجيش ورد عدوان كيش .

في كيش ذاتها التي ، تقع بالقرب من بابل ، يجري عقد اجتماع عام في المدينة حوالى عام ٢٣٠٠ ق. م. لانتخاب ملك للمدينة وفي لكَش يسود في ذات الفترة تقريبا صراع مرير بين الملك والمعبد حول الصلاحيات وينحاز خلالها الشعب الى جانب المعبد ضد الملك وتوجد ادلة تاريخية على ان ثورة شعبية قد واجهت السلطة الجائرة وان كلمة ” حرية ” بمعنى التحرر من جور السلطة قد استخدمت خلال الصراع ، وهنا صفعة اخرى جديدة للترويج الكاذب للمستشرق الصهيوني برنارد لويس الذي يزعم في عديد من مؤلفاته ان مفهوم الحرية في حضارات الشرق لم يتجاوز المفهوم القانوني المتمثل في ان الانسان الحر هو الانسان الذي لايملكه سيد .

في أشور كان يحق للمواطنين الالتئام في اجتماع عام تحت قيادة اصحاب الإعمار الكبيرة الذين يتولون عادة اشغال مناصب الادارة العليا وكان الملك يحرص على ان لايدخل في خلاف معهم ؛ هؤلاء المعمرين كانوا قادرين على تعطيل قرارات الملك بل والثورة عليه في حالة عد اقتناعهم بسياساته كما يستطيعون عقد الجلسة العامة للمواطنين لمناقشة سياسات الملك ورفع العرائض اليه لتعديل سياساته ، كما امتدت سلطة جمعية المواطنين الى اتخاذ القرارات بشان الاراضي المشاعة في المدينة والنظر في الجرائم الكبرى مثل القتل والسرقة وإصدار الأحكام بشأنها ؛ كان الملك ملزما بأخذ موافقة مجلس المعمرين بخصوص من يخلفه على العرش .

هذه التقاليد في إدارة الحياة العامة في الشرق القديم انتقلت الى الفينيقيين الذين عاشوا في مراحل لاحقة على هذه الحضارات العظيمة ، وكانوا يديرون مستوطناتهم على البر اليوناني بموجبها ؛ ووفقا للبروفيسور بيرنال فان اليونانيين قد أخذوها عن هؤلاء المستوطنين وأصبحت الحياة في اثينا تدار بموجبها ولكن الثقافة العنصرية الأوروبية وخاصة في عصر الفتوحات الاستعمارية الكبرى إبان الثورة الصناعية وما تلاها دفعت المؤرخين الأوربيين الى ابتداع أسطورة “اثينا مهداً للديمقراطية ” مما يقدم المبررات الاخلاقية والفلسفية لحملاتهم سيئة الصيت والتي حملت عنوان تمدين الشعوب وتعليمها الديمقراطية … هذه ليست فرية بل حقيقة واقعة عشناها في القرن الحادي والعشرين على يد جورج بوش الابن الذي زعم انه حمل إلينا الديمقراطية بموجب أوامر الرب وهي لغة سمعناها ايضا على السنة الإرهابيين والدواعش الذين يتحدثون باسم الرب ايضا !! والاغرب ان ياتينا اليوم من يريد تغيير اسماء عناوين حضارتنا باسم الرب ايضا .

كم من الجرائم ترتكب بأسمك أيها الرب ؟!!!

لا تعليقات

اترك رد