الثورة الثقافية العربية القادمة – ج١

 
الثورة الثقافية العربية القادمة - ج١

باعتقادي: ” إن لم تنتج الفوضى العارمة حاليا، نهضة ثقافية مجتمعية حقة فإنها ستخلف دمارا شاملا ومجتمعا معاقا فكريا”

لا احد ينكر الإخفاقات المتتالية في البلاد العربية على كل المستويات، فالأنظمة المتعاقبة لم تفلح في بلورة نظام مجتمعي يسمح للبلاد بالرقي فكريا واجتماعيا وتجاوز مرحلة الإنحطاط الذي يخيم منذ عقود.

أدت هته الأزمات المتتالية إلى عدم قدرة الدولة على حل الصراعات والتناقضات داخل المجتمع المدني ولم تستطع صياغة صورة سليمة لحياة سياسية نزيهة بالغة التأثير في الحياة العامة. فالسلطة كانت دوما تعكس سلبا تناقضات المجتمع وغير قادرة على أداء وظيفتها الوطنية التي تتجاوز الإنقسامات والخلافات القائمة بين الأفراد والجماعات.

البلاد العربية تعيش أيضا أزمة نظام اجتماعي فهو عاجز عن تحقيق انصهار ذاتي بموجبه يتم بناء تسوية مدنية وسياسية بين مكونات مجتمعه. هته الأزمة أدت إلى إخفاق الدولة الحديثة في الوطن العربي، أي إخفاق المشروع السياسي في بناء دولة حقيقية، فاعلة وفعلية. كما أن صعود التيارات العلمانية والدينية في الكثير من البلدان قلصت من فرص النهوض والرقي والتقدم. وأراد كل طرف فرض إيديولوجيته الخاصة ووجهة نظره للحكم.

فالمجتمعات العربية تدفع ثمن خيانة المثقف والسياسي لقول الحقيقة والدفاع عنها والتضحية من أجل إبرازها للوجود والعمل على تحقيقها. تحالف الثقافي والسياسي شكل ألية قوة تدميرية ممنهجة للمجتمع منذ عقود.

وحين ينتهي المطاف بالنظام القائم إلى الإنسداد والإنغلاق، يتهافت المثقف والسياسي إلى تحميل المسؤولية إلى الإيديولوجية المعارضة واتهامها بزرع الفتنة وجعلها سببا في الإنهيار المتسارع للبنى الإجتماعية.

يلجأ مثقف كل معسكر (علماني أو ديني) إلى رفض أفكار الأخر شكلا ومضمونا، هذا الصراع العقيم أزم الوضع السياسي و أغلق كل منافذ الحوار وبالتالي بروز أفكار متطرفة وعنيفة أحيانا. فالمثقف هنا لا يقوم بأكثر من ممارسة فعل الولاء للنظام الذي ينتمي إليه ويعترض على كل جدال أو حوار.

كما أن العصر الحديث لم يشهد وجود دولة دينية، مهما اتخدت السلطة السياسية طابعا دينيا. هذا الأخير يجب البحث عنه في الإطار العام لممارسة السلطة وظروف ممارستها أيضا. فالدولة تقوم وتشتغل بالسياسة لا بالدين، والميل إلى توظيف الدين في السياسة تمليه أحيانا الأزمة في أليات اشتغالها وهو تعبير أيضا عن عجز في استمرار أداء وظيفتها، ونتيجة أيضا لعلاقات الصراع الإجتماعي. أي حين يتم بروز الفكر الأخر في الساحة السياسية والفكرية السائدة الذي يخلق الوهم بتدين الدولة ويضفي عليها طابعا دينيا.

هذا الإنطباع نتيجة أيضا فشل التيار العلماني الذي ساد لفترات وأدى إلى تفكك بنيات المجتمع وظهور أفكار مضادة متعصبة على الساحة السياسية والفكرية. ورغم ذلك استمرت المطالبة بالعلمنة رغم تقصيرها وضألة نتائجها لأنها لم تكشف يوما عن بديل أو محتوى فكري ثوري يتيح للمجتمع الخروج من نفق الجهل والتخلف.

فالدولة كما أقول وأكرر يجب أن تقوم على هوية ذاتية وتعريف قومي عروبي (العروبة الحضارية كبديل) يتجاوز الخلافات الدينية والعرقية والمذهبية والإيديولوجية لترسم دعائم حياة سياسية مدنية عادلة تركز على المصلحة العامة قبل كل شيء.

في هذه المرحلة بالذات، يجب التركيزعلى جوهرالأهداف التي ترمي إلى تحقيق أمن الفرد وسلامته كشرط ضروري لوجوده، تحرير المرأة العربية من النزعة الذكورية ومن الموروث الخاطئ الذي يلاحقها، هامش واسع من الحرية الفكرية والإبداعية، محاربة الفقر والجهل وسبل العيش الكريم وإرساء نظام سياسي حر وعادل بعيدا عن الإستبداد والسلطوية. … يتبع الجزء الثاني

لا تعليقات

اترك رد