” تراثنا مَنَحني ميزانا جمالیا یكفیني. والحَجَر علمني أسرار الحیاة”.

ديباجة
في الثاني والعشرين من شهر مايو 2020 توفي الفنان المصري آدم حنين، أحد أهم النحاتين في العالم العربي، عن عمر يناهز إحدى وتسعين عامًا. يعد آدم حنين من رواد النحت المصريين، إلى جانب محمود مختار (1891ـ1934) وجمال السجيني (1917ـ1977). الثلاثي اللامع الذي نفث الروح من جديد في النحت المصري، بعدما غرق هذا الجنس الفني العتيق في سبات عميق، طمَرالزمن معالمَه، مع اندثار الحضارة الفرعونية. لقد كان آدم حنين فنانًا ليس فقط منخرطًا في عمله ولكن أيضًا في تطوير المشهد الثقافي/الجمالي في مصر. فمنذ انطلاق مسيرته الفنية الطويلة، مثل مصر في واحد من أكثر المعارض الفنية المشهورة في العالم، بينالي البندقية، وأمضى ما يقرب من عقد من الزمان في ترميم تمثال أبو الهول، ويعد من مؤسسي السمبوزيوم الدولي لفن النحت، الذي سَنَّت مدينة أسوان احتضانه كل سنة، منذ أكثر من عشرين عاما، وأنشأ متحفًا ضم أكثر من أربعة آلاف قطعة أنتجتها يده.
آدم حنين، فنان كان له دور ريادي في إرساء قواعد حركة النحت الحديث في مصر، متجاوزا بعض الذين سبقوه. فتجربته تبقى في رأينا، تتجاوز تجربة النحات محمد مختار (1891ـ1934)، الذي يتقاسم وإياه بعض أطراف الممارسة الفنية، إلا أنه تجاوزه من ناحية الارتباط بالجذور المصرية القديمة (الفن الفرعوني)، وتنوع المقاربات الأسلوبية، وتطويع الخامات المتنوعة. فقد نجد مثلا أن محمود مختار ساهم في إنشاء مدرسة الفنون الجمیلة العلیا وشارك في إیفاد البعثات الفنية للخارج، وفي المقابل نجد آدم حنين يساهم بدوره في ترسيخ مدرسة نحتية بتأسيسه السمبوزيوم الدولي، الذي أضحى من التظاهرات التنافسية العالمية في مجال النحت المعاصر.
بين الرجلين قواسم مشتركة لكن يختلفان في الرؤية الجمالية والنظر إلى العالم من حولهما. فمحمود مختار في رأي آدم حنين، رغم كونه عمل أشیاء عظیمة، أهمها تحديث وإيقاظ النحت المصري من سباته العميق الذي دام لقرون عديدة، و بلو أفكار مھمة في الفن والنحت، وفتح أعين الشباب من الفنانين على الروح المصریة، إلا أنه بقي ملتزما بمبادئ الفن الأوروبي الكلاسيكي. يقول آدم حنين: “الراجل ده قيمته الحقيقية أنه فتح لنا سكة الفن المصري القديم وفنون مصر الخاصة، هو صاحب فكرة تمصير الفن الحديث وأنا كملت، على العكس من بعض الفنانين اللي بَدَلْ ما يمشوا ورا الفن المصري نفسه، قلدوا مختار، فما طلْعوشْ فن أرقى”.
ويعلق آدم حنين على فن محمود مختار بقوله: “أنا منذ حداثة سني الفنية، كانت عندي اعتراضات كثیرة على شغل مختار، كانت میولي وأنا طالب في كلیة الفنون الجمیلة یساریة، وحینذاك كان الشعب المصري وقضاياه، ومعاناته، في التحرر من ربقة الاحتلال الأجنبي، وفساد الحكم، في ھذا الجو لم أكن أستطيع مثلا أن أتفرج على تمثال الفلاحة لمختار. ھو تمثال لذيذ وحلو، ومعمول بحرفیة عالیة، والست “لابسة حرير في حرير” لكن لیست ھذه ھي الفلاحة المصریة المكدودة والمھضومة، التي تعاني في الحقل والبیت، وتنز العرق، وتلھث وراء لقمة العیش”. يقصد آدم حنين بكلامه الفلاحة الموجودة بتمثال “نهضة مصر”، الواقفة بجانب أبو الهول. أشرت إلى هذا التوضيح تفاديا للبس والإحالة على تمثال آخر “الفلاحة المصرية” للنحات فتحي محمود (1918 – 1982)، الذي تعرض للتشويه.
أدم حنين من النحاتين العرب المعاصرين الذين عاشوا وعايشوا مرحلة التركيب التي عرفتها الحداثة الفنية في أوروبا والتي تلت المرحلة الأولى مباشرة، مرحلة التكوين الممتدة من بداية القرن العشرين إلى حوالي نهاية العقد الثالث منه، والتي تميزت بالتأسيسات الجمالية الكبرى، على مستوى الكتلة والشكل، وغياب المسافة التماثلية بين المنحوتة وتشخيص المرئي. للتذكير أن مرحلة التركيب تشاكلت خلالها تجارب نحتية فردانية، في استقلالية تامة عن التيارات والمدارس الفنية التي تسيدت خلال المرحلة الطليعية. ويُتمثل لهذه المرحلة بأسماء بارزة، (برانكوسي وجياكوميتي وهنري مور وبربارا هيبوورث وخوان ميرو…)، جعلت من الذات الإنسانية في علاقتها بالطبيعة والوجود بؤرة اشتغالها.
تجاوز آدم حنين دهشة الطفل الذي وقف مشدوها يوما ما، خلال رحلة مدرسية، أمام تمثال إخناتون، وكانت الدهشة درسا ساعده على استكناه بعض خفايا الفن الفرعوني وخباياه. اختار آدم حنين فن النحت ليعزف من خلاله على أوتار الجمال والروعة وكأنه يصنع بأعماله امتداداً لأجداده الفراعنة. تخطّت شهرة النحات المصري آدم حنين الحدود العربية ووضع نفسه في مصاف كبار فناني العالم حتى أطلق عليه أصدقاؤه وتلامذته لقب «كاهن النحت المصري».

mehrabm

المولد والنشأة
ولد آدام حنين يوم 31 مارس 1929 في عائلة مسيحية قبطية تعود جذورها إلى أسيوط (جنوبي مصر). اسمه الأصلي صموئيل هنري. اعتنق الإسلام وتسمى آدم حنين. تقاسم تعليمه الابتدائي بين المدرسة القرآنية وزيارات الكنيسة أيام الأحد. منذ صباه، وبعد زيارة مدرسية للمتحف المصري للآثار، عرف يقين مصيره كنحات، وتمكن ذهنُهُ، مسترجعا صورَها، أن يطور قيمه الجمالية التي أصبحت محور الرحى لديه. فكما عبر عن ذلك هو بنفسه، أن مقياس الجمال والفن عنده ورث مجده عن الفراعنة. اعتبرت هذه الزيارة نقطة تحول في حياته، إذ إثرَها، ستتفتق قريحته على عوالم الجمال والإبداع الفني. يقول آدم حنين: “بدايتي مع الفن كانت في زيارة لمتحف الآثار المصرية بالقاهرة عام 1938، بصحبة مدرس التاريخ. وعندما رأيت التماثيل الضخمة والحوائط المرسومة والصناديق الملونة والأواني المختلفة، تركت الفصل والمدرس، ووجدتني أجول في كل مكان مأخوذاً بكل ما تقع عليه عيناي من أعمال، وغمرني شعور فياض لم أعرفه من قبل. وكان هذا يوما رائعا وفاصلاً في حياتي كلها، وأصبحت حريصا على أن أجد هذا الشعور يتكرر في حياتي”.

الدراسة والتكوين
ينتمي النحات آدم حنين إلى فوج 1953 بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة. تلقى تدريبه الأول في مرسم الفنون الجميلة بالأقصر الذي أسسه الفنان محمد ناجي (1888ـ1956) عام 1941، حيث قضى سنة تكوينية كاملة من 1954 إلى 1955، توجت بجائزة الأقصر التي حصل عليها مرتين، عامي 1954 و1956. ومثل العديد من الفنانين العرب من جيله جذبته رياح الديار الأوروبية ليلتحق بأكاديمية الفنون الجميلة بميونيخ عام 1957، وهناك قدم أول معرض فردي أوروبي في عام 1959. ثم عاد ليعيش بين الأقصر وأسوان، بحثًا عن هويته المصرية.
بعد حصوله على منحة دراسية، سيلتحق آدم حنين بعاصمة الأنوار باريس، يستنير بوهجها، حيث سيقضي، بدءا من العام 1971 ثلاثة عقود من حياته كفنان محترف. سافر آدم حنين أصلا، إلى باريس للمشاركة في معرض للفن المصري المعاصر في متحف جاليرا. خلقت الإقامة الباريسية لديه صراعا نفسيا أجبره على إعادة تقييم عمله وربطه بجذوره الأصلية، يسائل نفسه عن حقيقة هويته، و حقيقة تواجد ذاته الفنية العربية بين كل ما يصفع بصره يوميا من ألوان وأشكال وأحجام وفضاءات، هي ليست له وهو ليس منها: “من أنا؟ أين أنا من هذه الفنون والمدارس الفنية؟ ما مصير ما تخطه يداي من ألوان وأشكال، و ما ينقشه إزميلي من كتل وأحجام”؟
مع بداية سطوع نجمه في سماء الفن العالمي، سيجد آدم حنين أجوبة عن تساؤلاته تلك. فباريس منحته “حرية الانطلاق في عوالم رحبة لا يقيدها شيء”، عكس الكثير من النحاتين الذين بقوا، في نظره متشبثين إلى درجة الغلو، بمصريتهم ومحليتهم. ” يتمحور الفن التشكيلي، لدى الكثير، من الفنانين المصريين حول نفسه، حيث أقولها صراحة إننا نغالي كثيراً بمصريتنا ومحليتنا، وهذا يقيد من حالة الإبداع التي تتطلب الاحتكاك والتمازج الدائم مع الآخر؛ لا لاعتبارات التأثير فقط بل للتأثر أيضاً”.

لا تعليقات

اترك رد