عدنا .. و العود أحمد ..؟؟

 
عدنا .. و العود أحمد ..؟؟ للكاتب غسان العسافي #السعودية #نقطة_ضوء

و هنا القول عن المملكة العربية السعودية و علاقاتها الشائكة المتشابكة مع أميركا و الغرب، هل عادت السعودية إلى أحضان أميركا بعد زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي الأخيرة إلى أميركا، و لقائه أوباما و عدد من كبار المسؤولين و ممثلي و رؤوساء كبريات الشركات هناك، و هل هذا العود هو أحمد ..؟؟

برأي الجواب كلا، على الأقل حاليا، و لغاية معرفة تفاصيل أكثر و أكبر عن الزيارة و التطورات الأخرى الملحقة بها ..

تعرضت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة إلى ضغوط كبيرة في علاقاتها مع أميركا و الغرب ، و حتى علاقاتها من الأشقاء و الأصدقاء في العالم العربي و الإسلامي، و كانت مجمل هذه العلاقات بين مد و جزر لفترات طويلة، و الأسباب عديدة و مختلفة ..

ربما يمكننا القول أن التوترات و الأزمات المتعددة و المتوالية في علاقات المملكة، خاصة تلك القريبة منها، تعود إلى علاقاتها الخاصة غير المتوازنة مع الغرب و بالذات مع أميركا، و التي أجبرتها على القيام و ممارسة أدوار معينة مختلفة غير مريحة و غير متزنة ، ربما ما كانت تقوم بها لولا تلك الإتفاقيات و العلاقات الخاصة، و يمكن أن يشمل كلامنا هذا الوضع في أفغانستان منذ الإحتلال السوفياتي، و ظهور القاعدة و طالبان، و إحتلال أفغانستان لاحقا، و الحرب العراقية الإيرانية، و من ثم إحتلال الكويت وصولا إلى إحتلال العراق، و أخيرا الوضع السوري، و الحرب في اليمن و الحرب على ما يسمونه بداعش، و هذا كله يتداخل ضمنيا مع العلاقات الشائكة و المتفجرة مع الشريك الكبير الثاني في المنطقة، و هو إيران بالطبع ..

قدمت المملكة، ضمن دورها المرسوم هذا الكثير من الأموال و الخدمات و الجهود لمساعدة الغرب في تحقيق أهدافه العديدة في المنطقة، على أمل أن تحافظ على دور ريادي قيادي في المنطقة، خاصة بعد إحتلال العراقي و إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين رحمه الله، لكن كما يبدو فأن المياه لم تجر كما تشتهي السفن، و نرى بوضوح أن الدور القيادي و الريادي بدأ يتوضح خلال الأشهر الأخيرة لصالح الجارة اللدودة إيران، على حساب كل الدول الأخرى تقريبا التي لها رأي آخر في الموضوع، و لا ندري ماذا سيكون عليه مستقبل هذه العلاقات، و المنطقة ككل في ظل الدعم الدولي المتزايد الذي تكسبه إيران في مجالات و جبهات مختلفة، على الأقل في المديين القصير و المنظور، و لا نستطيع حقيقة التكهن بما تحمله هذه العلاقات و الأزمات على المدى الطويل و البعيد ..

لقد كانت العلاقات السعودية الأمريكية تسير على وتيرة هادئة ثابتة تقريبا خلال أيام الملك فهد، و ربما كانت بنفس الوتيرة أيام الملك عبد الله، لكن هذا لا يمنع حدوث بعض التوترات و الأزمات، كما نتذكر أيام أحداث سبتمبر مثلا، و غيرها ..

الوضع تغير بعض الشئ بعد تسلم الملك سلمان زمام الحكم قبل أكثر من عام، و التغير كان داخليا أساسا، حيث تغيرت بعض المعادلات التي كانت تسود نظام الحكم هناك، كما أن ضغوط الأوضاع المتأزمة و المتفجرة حول السعودية، في العراق، في سوريا، في البحرين، في اليمن، و غيرها، كانت دافعا ربما لإتخاذ عدد من القرارات الحاسمة و الحازمة، و ربما المتسرعة، و كما يبدو أن السعودية إعتمدت في كثير من هذه القرارات على ولاءات و علاقات تاريخية مع العديد من الدول العربية و الإسلامية، التي كما يبدو سرعان ماخذلت المملكة في مجالات عدة، و أظهرت أن توازنات العلاقات هذه الأيام تختلف كثيرا عن الأيام و السنوات الأخيرة، و هنا نذكر تركيا، مصر و الإمارات كنماذج لهذا الإرباك و الإحباط في العلاقات و التحالفات الجديدة للمملكة ..

نعود لزيارة الأمير محمد الأخيرة لأميركا و لقاءاته العديدة و المهمة هناك، و هذه الزيارة خصص لها الإعلام السعودي حيزا كبيرا للترويج لها و للنتائج المتوقعة عنها، ربما للإيحاء بعودة نبض الحياة إلى شرايين العلاقات بين البلدين، و ربما للتعويض عن بعض خيبات الأمل و الإحباطات في العلاقات و النشاطات السياسية و الدبلوماسية و العسكرية الأخيرة للمملكة، و ربما للإيحاء بعودة قوية للمملكة إلى أرض الواقع الملتهب في المنطقة، بقوة و عزم و حسم، كما يتمناه الكثيرون ، لكن ..؟؟

و هنا ، نضع هذه ال ” لكن “، لعدة أسباب، البعض يدعي أن الأمير الشاب لا زال طري العود قليل الخبرة، و ذهابه بهذه الشاكلة كان للتسويق و الترويج ربما لملك المستقبل، و ربما لتحويل الإهتمام الأمريكي و نقاط الإتصالات لتكون معه بدلا من الشخصية السابقة، التي و لو إنها تحتل منصبا أعلى الآن في سلم نظام الحكم السعودي، إلا إنها في الواقع باتت أقل أهمية من الأمير محمد بن سلمان، و نقصد هنا بالطبع ولي العهد محمد بن نايف و الذي يتسلم ملف الداخلية إضافة لمنصب ولاية العهد، و ربما أيضا لبذر بذور علاقات و تحالفات و إتفاقيات جديدة تصاغ هناك أو لاحقا في ضوء تفاهمات معينة، و هذا فيه مخاطر و مغامرات كبيرة على المديين القصير و الطويل ..

رأينا أن الأمير الشاب لن يكون هناك لوحده بالتأكيد، و نتوقع أن يكون هناك جيش من المستشارين معه للنصيحة و الإرشاد، و لو أن القرار الأخير سيكون له على الأغلب، كذلك فقد رشحت عدد من التقارير أن عدد من شركات العلاقات العامة و مكاتب الأبحاث و الدراسات السياسية و الستراتيجية و الإقتصادية الدولية بدأت ترسخ علاقاتها مع الأمير الشاب و المجموعة المحيطة به، و هذا ما نخشاه بشده، فمثل هذه الشركات و المكاتب و مراكز البحث و الدراسة معروف نتائج أعمالها و إستشاراتها في العديد من المناطق الساخنة حول العالم ..

نقطة مهمة أخرى، أن نظام الحكم الأمريكي، يتسم بأن الرئيس الأمريكي يكون كالضيف خلال سنة حكمه الأخيرة، سنة الإنتخابات، و عادة لا يتخذ أي قرارات مؤثرة أو إستراتيجية، بل فقط لتمشية و تسيير الأمور الإعتيادية، هذا إضافة إلى أن الرئيس أوباما في سنته الأخيرة من الدورة الثانية و الاخيرة لحكمه، و بالتالي هناك رئيس جديد منتظر في بداية العام القادم، و الأمور بدأت تتبلور لتنافس بين ترامب و كلينتون لإشغال منصب الرئاسة هذا، و كليهما يختلفان بشكل كبير عن أوباما، و بالتأكيد سيكون لكل منهما في حالة الفوز مجموعته الخاصة من الوزراء و كبار الموظفين و السياسيين و صانعي القرار، مما يجعل الأمر صعب جدا في تخمين و توقع أي توجهات و تغييرات مستقبلية، و هنا ربما تكون زيارة الأمير الشاب متضمنة التعرف على بعض الوجوه الجديدة، و مناقشة بعض السياسيات و التوجهات الجديدة أو المتوقعة خلال الفترة القادمة ..

ما ترشح من تقارير أيضا، هو لقاء الأمير مع عدد من كبار الشخصيات في عدد من كبريات الشركات المؤثرة في الواقع السياسي الأمريكي، و هنا نتوقع أن الأمير سيمنح العديد من هذه الشركات الكثير من العقود و الإتفاقيات و الحقوق و الإمتيازات، على أمل بناء شبكة علاقات مستقبلية مؤثرة، و فعلا سمعنا أن إحدى كبريات الشركات الكيمياوية الزراعية الأمريكية، و هي دو كيميكال، قد وقعت العديد من الإتفاقيات لإحتكار عدد من الأنشطة و الفعاليت في المملكة، و هذا ما نخشاه كثيرا، فهذه الشركة بالذات يشار إلى دورها في العراق في مجال تغيير و إحتكار نشاط و فعاليات صناعة البذور في القطاع الزراعي العراقي، و حسب ما يقال أن ذلك مرتبط بقرارات سلطات الإحتلال الأمريكي أيام بريمر من أجل السيطرة على أهم جوانب سلة الغذاء العراقية ..

ما نخشاه كثيرا أن تنسحب المملكة، و هي تحاول الخروج من ضغوط العلاقات المتوترة و الإحباطات و الخلافات، و القلق الذي يسببه تعاظم الدور الإيراني الشرير في المنطقة، أن تنسحب إلى مزيد من الترابط و الولاء الأعمى للشريك الأمريكي، و بشكل غير متوازن و لا يتناسب مع مصالح المملكة و دورها في العالمين العربي و الإسلامي ..

كما أشرنا في مقالاتنا السابقة، كنا نأمل كثيرا، و لا زلنا أن تتمكن السعودية بوضعها الحالي، كونها تعتبر من الناحية الجغرافية و البشرية و الإقتصادية و التاريخية و الدينية، من أكبر و أهم دول المنطقة، و من أكبر الدول العربية و الإسلامية بشكل عام، أن تتمكن من بناء درجة عالية من الإستقلالية و الإعتمادية الذاتية في علاقاتها و قراراتها، و أن تبني علاقات متوازنة مع العالمين العربي و الإسلامي، فهذه هي البيئة الأساسية للمملكة، منها يمكن أن تنطلق نحو العالمية، بدون هذه الإستقلالية و الإعتمادية الذاتية، ستبقى متأثرة سلبيا بقرارات و مشاكل و توازنات دولية لن تكون قادرة على مواجاهتها و الإيفاء بإلتزاماتها ..

بالمقابل، و مما يثر القلق أن الأوضاع في المملكة لا تشير إلى إستقرار كبير، فبين ملك مريض طاعن في السن، و ولي عهد إعتاد العمل الدؤوب و علاقات داخلية و دولية كبيرة، و له باع طويل في مجالات الأمن و الداخلية و مكافحة الإرهاب، و بين ولي ولي العهد أمير شاب طري العود قليل الخبرة مندفع، لوالده فيه أمل كبير و يدفعه نحو الأمام بقوة، و له شخصيا طموحات كبيرة، بات يستحوذ على ملفات مهمة و جوهرية عديدة في المملكة، إقتصادية و عسكرية و دفاعية و خارجية و دبلوماسية و غيرها، للأسف لم تظهر اي نتائج إيجابية عنها خلال الفترة القصيرة الماضية، كل هذا يستدعي الحذر و الحيطة و القلق لتغيرات مستقبلية، ربما لن تكون بعيدة، و ربما تكون مفاجئة، بموت الملك مثلا، و الباب مفتوح لكل التوقعات و الإحتمالات، و الله من وراء القصد ..

المقال السابقالمواطن …منتوف الريش …..!!!!؟
المقال التالىالثورة الثقافية العربية القادمة – ج١
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد