ثقافة الإلغاء في السياسة الحديثة

 

عندما يخرج علينا رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب كل يوم بتغريدات عنيفة ضد خصومه السياسيين في الولايات المتحدة ويصفهم باليسار المتطرف وينعتهم بشتى صنوف الكلمات البذيئة فإنه يمارس ثقافة الإلغاء بحق جزء كبير من الشعب الأمريكي . وعندما يصرح رئيس الولايات السابق جورج بوش الابن قائلا:” An American must always come first” أي ” يجب وضع مصلحة الأمريكي قبل أي مصلحة أخرى ، فإنه يمارس ثقافة الإلغاء ضد كل شعوب الأرض قاطبة . وعندما يقول الرئيس أوباما :” إما معنا وإما علينا ” فإنه يمارس ثقافة الإلغاء بأبشع صورها ويتجاهل متعمدا نصف المجتمع لأنه يختلف معهم في الرأس والسياسة .
وإذا نظرا إلى ممارسة ثقافة الإلغاء بعيدا عن المصطلحات الفنية نجد أنها تمارس في البيت الواحد والعائلة الواحدة والمجتمع الواحد المتجانس فكيف يكون الأمر حين يكون مجتمعنا متعدد الأعراق والتوجهات السياسية والقطبية والاهتمامات .
ثقافة الإلغاء أخت ثقافة النكاية والتحييد أو النبذ ، ففي بعض المجتمعات يعتبر الصهر كسرٌ للظهر وبذلك فطريا يعتبر الصهر شخصا منبوذا في عائلة ما وموقعه غير قابل للإصلاح إلا بالتنازل بسبب سيادة ثقافة الإلغاء. والانتماء العائلي أو الطائفي قد يكون سببا في ارتقاء السلم الوظيفي بسبب سيادة ثقافة الإلغاء .
وعندما تسود ثقافة الإلغاء في مجتمع من المجتمعات تغيب ثقافة النقاش والرأي الأخر والشرح والتوضيح وتسود بدلا عنها ثقافة العبودية والسيطرة والنفعية والمصالح المتبادلة لتحل محل روح الابتكار والإبداع والتطوير .
بالنسبة لأولئك الذين ليسوا على دراية بثقافة الشرح والتوضيح فإنهم يتناسون دائما أن الشرح وسيلة لتوضيح الرأي والإقناع بالموجبات التي أدت إلى سلوك معين في الحياة أو أفعال تعتبر غير مقبولة من الناحية السياسية . وفي غالبية الأحيان يمارس الأخ الأكبر ( السلطة ) ثقافة الإلغاء بحق الأخ الصغر ويفرض عليه رأيه وقد يكون الأخ الأصغر على حق لكنه محرج من بيان خطأ الأخ الأكبر .
تمارس ثقافة الإلغاء بحق الشخصيات العامة والمشاهير والكتاب والصحفيين عبر مقاطعة خدماتهم ومنتجاتهم ولقاءاتهم الشعبية وحرمانهم من حقوقهم عن طريق استبعادهم من ممارسة أدوارهم في الحياة اليومية وقد تمارس ثقافة الإلغاء في الحياة الواقعية بصمت كأن لا يعنيك نجاح أحد أفراد الأسرة والاحتفال بمناسبة تافهة ليس حبا بها بل نكاية بمناسبة أكثر أهمية تم تهميشها قصدا وعمدا.
يحضرني هنا ما قاله مارون عبود الناقد المعروف حين كان يتعمد تشريح قصائد نزار قباني نقدا وقدحا وذما وعندما سئل عن السبب قال : يعجبني الفتى وقصائده وأنا أريد أن أقدم له الشهرة على طبق من ذهب . ولو أنني تجاهلته أنا والنقاد لما التفت إليه أحد.
يجب أن ندرك أن ثقافة الإلغاء هي نفس ثقافة التجاهل والتعمية على إنجازات الخصوم أو الشركاء في العمل ، وكلما مارسنا ثقافة الحوار والشرح والنقاش كان الأمر أكثر إيجابية في العمل وفي حياتنا اليومية .
الثقافة هي أسلوب أو طريقة الحياة التي يعيشها أي مجتمع بما تعنيه من تقاليد وعادات وأعراف وتاريخ وعقائد وقيم واهتمامات واتجاهات عقلية وعاطفية وتعاطف أو تنافر ومواقف من الماضي والحاضر و المستقبل . فإذا نظرنا إلى واقع بعض المجتمعات اليوم لوجدنا فيها انتشاراً لظاهرة الإلغاء لجهود الآخرين ونسف أعمالهم. وهذه الظاهرة تُعد من متلازمات الماضي والحاضر والمستقبل في العديد من المجتمعات المقدمة والمتخلفة والتي ما زالت حتى اليوم تتمثل في عديد من السلوكيات والممارسات الخاطئة التي نشاهدها ونلمسها في هذه المجتمعات. تمارس المجتمعات المتقدمة أو صاحبة القوة العسكرية ثقافة الإلغاء لأسباب موضوعية تستخدمها لتحقيق مصالحها وتمارس المجتمعات المتخلفة ذات النهج إزاء خصومها الذي تخشاهم وتخشى ظهورهم على المسرح السياسي والاجتماعي ، وأصبحت ثقافة الإلغاء مع الأسف تترسخ شيئاً فشيئاً داخل المجتمعات ، حيث يحاول البعض إلغاء ومسح دور الآخرين وجهودهم التي قاموا بها والانتقاص من أدوارهم وعدم الاعتراف بما قاموا به مهما كان نوع العمل المقدم ، بل يعمد البعض إلى تغيير عدد من الإجراءات والخطوات والأنظمة والمراسيم والقوانين عندما يتسلم منصباً وظيفياً متناسياً وناسفاً لجهد من سبقه من مسؤولين في نفس السياق. ويمارس عدم الاعتراف بأدوار الآخرين أو استكمالها، بل يتعمد البدء من جديد وبأساليب مختلفة وأنظمة جديدة، إلى غير ذلك من تبعات
السؤال المطروح هو :
لماذا نرى البعض يُمارس التسلط والتهميش لجهود الآخرين؟
لماذا نلجأ للاستهزاء بقدرات الآخرين؟
لماذا نُنكر دور الآخرين حتى ولو كان بسيطا؟
لماذا نُفعل الذات والأنا ونلغى من حولنا؟
لماذا لا نقدر آراء وأفكار الآخرين؟
هل أن محو الآخرين يعني أننا أفضل وأرقى منهم؟.
لماذا نقبل بالبديل الخاطئ فقط لإلغاء المناسب ؟
لماذا نفسر قوانيننا على هوانا بحيث تخدم مصالح ثقافة الإلغاء ؟
للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها علينا أن نتفحص الثقافة المؤسساتية وثقافة المسؤولية وثقافة الأنا الجمعي. ومما لا شك فيه أن من شأن الممارسات الخاطئة، أن تبلور فكراً خاطئا في التعاطي مع مؤسسات الدولة الخدمية ذات الصبغة العامة في خدمة شرائح واسعة من المجتمع لتتحول وكأنها مؤسسات خاصة يعبث فيها من يمارس ثقافة الإلغاء كما يشاء .
ولو نظرنا ثقافة الإلغاء من الناحية الاقتصادية لوجدنا أنها تكلف الدولة مبالغ إضافية لتغيير القوانين والإجراءات والموارد البشرية وغيرها من النفقات التشغيلية الأخرى، ناهيك عما يتكبده المراجعون من عناء وتشويش عند مراجعتهم هذه الجهات التي تتغير فيها القوانين والإجراءات بين عشية وضحاها لمجرد تغيير المسؤول وتبعاً لذلك تتغير كل المجريات والآليات بدءا من أثاث المكتب وانتهاء بالموظفين. إن دولة المؤسسات والقانون تقوم على بنيان راسخ ومستمر وتجد الأنظمة والقوانين والقرارات ثابتة لا تتغير لمجرد تغيير مسؤول بل يكمل مسيرة من كان قبله لوجود خطط إستراتيجية وأهداف مطلوب تنفيذها وإكمال ما بدأ منها، وإن كان بفكر مختلف إلا أن ذلك لا يعني إلغاء السابق إلى غير ذلك من ممارسات.
إن الثقافة طريقة تفكير وأنماط سلوك ونُظم ومؤسسات اجتماعية وسياسية وما يعيشه المجتمع من انفتاح أو انغلاق، وظاهرة ثقافة إلغاء الآخر ناتجة عن عدم وعي وإدراك لحدود المسؤولية، ونطاق الحركة التي يمكن أن يتحرك بها المسؤول، ووضوح الاختصاصات ومهام العمل وآلياته .
تدمر ثقافة الإلغاء الروح الليبرالية في المؤسسات ، ويكفي أن نتذكر كيف قام بروتوس وكاسيوس بإلغاء يوليوس قيصر . وكيف قامت الاغتيالات السياسية بإلغاء الخصوم متناسية أن الفكر لا يوقفه إلا الفكر.
وإذا عدنا إلى بداية المقال نجد أن الكاتبة المعروفة باري وايز في صحيفة نيويورك تايمز قد استقالت من عملها في الصحيفة وعزت سبب استقالتها إلى “ثقافة الإلغاء” السائدة في صفوف العاملين في الصحيفة، وهي ثقافة التمسك برأي سائد واحد بين أفراد المجموعة ورفض النقاش في آراء مغايرة ، بل وصل بهم الحد إلى اعتبار الآراء المغايرة عنصرية لا تستأهل حتى التعبير عنها أو مناقشتها، تحت طائلة حذفها من الصحيفة وتعيير من يعبّرون عنها بألفاظ نابية ، بل وشتمهم وقذفهم ومهم ، خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي والدعوة لمقاطعتهم أو دعوة من يوظفهم إلى طردهم من مناصبهم أو دعوة الشركات المعلنة إلى الامتناع عن الإعلان في مواقعهم أو برامجهم التلفزيونية.
وفي وقت سابق للسيدة وايز ، وقّع 150 من أشهر الكتّاب والمثقفين في العالم مثل سلمان رشدي ومؤلفة سلسلة هاري بوتر جاي كاي راولينغ على عريضة أثنت على إعادة فتح موضوع العدالة العرقية في الولايات المتحدة، ولكنها أعربت عن قلقها من أن النقاش العرقي أفضى إلى “خنق النقاش المفتوح”، وأدى لانتشار ثقافة العيب العام والإقصاء والإلغاء والتمسك بمواقف يصرّ أصحابها بشكل أعمى على أنها أخلاقية دون مناقشة .
تأتي ” ثقافة الإلغاء” في الولايات المتحدة والغرب عموما من صفوف المعروفين بأقصى اليسار، أي الجناح الذي يسمي نفسه “تقدميا” في الحياة السياسية . وعندما تقترب من المقدسات الحساسة الموجودة فيه فإنك تقترب من النار المحرقة التي تأتي على كل شيء . فإسرائيل خط أحمر والمحرقة الألمانية خط أحمر والمعاداة للسامية خط أخر وما أكثر الخطوط الحمر التي تقذف بك في محرقة الإلغاء في حال اقتربت منها .
تتضمن ثقافة الإلغاء العديد من الاستراتيجيات والخطوات المتبعة يمكن أن نلخصها بما يلي:
الهجوم على عمل شخص ما أو سمعته أو موقفه السياسي أو الاقتصادي من قبل مجموعة من الناس تعتبره غير مؤهل للقيام بعمل ما أو أن منتجة غير صالح للاستهلاك أو مشكوك بأنه مسرطن . يتم التعرض للسمعة الشخصية والمهنية بأساليب شتى وباستخدام كافة وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة .
ممارسة ثقافة الإلغاء بكافة الوسائل إذ لا يوجد مجتمع بشري يمكنك أن تعيش فيه حرا من دون مراعاة العادات والتقاليد المعروفة حفاظا على سمعتك الشخصية والمهنية وإذا أردنا أن نفهم معنى ثقافة الإلغاء في المجتمع علينا أن نعيد قراءة أدب شكسبير وأديث وارتن . تمارس ثقافة الإلغاء أسوأ عنصرية ممكنة عندما تلصق بك المعاداة للسامية أو المعاداة للنظام القائم وتعد ثقافة الإلغاء من الأسلحة الفتاكة في المجتمعات التي يحكمها النظام الأبوي .
لا تقتصر ثقافة الإلغاء على حرية التعبير بل تصل إلى حد إلغاء التنافس ويختلف تطبيق وقوة ثقافة الإلغاء من مجتمع إلى آخر وخاصة في المجتمعات الغربية التي يغيب فيها الحق الدستوري في العمل . يفترض أن تفسح الليبرالية مساحة أوسع للنقاش مقارنة بالأنظمة السياسية الأخرى ولكنها لا تفعل لا تفعل إذ نجد أن حريتها مقيدة بالأصول والقواعد والمصالح السياسية ونجد أن الولايات المتحدة على سبيل المثال تدعي بأنها بلد الحريات ولا يمكن أن تنتهك الدستور فيها ولكنها لا تستطيع إلغاء ثقافة الإلغاء التي تمارسها بعض الهيئات والمنظمات على مستوى البلد.
تمارس ثقافة الإلغاء على نطاق واسع في فضاء الانترنت ، فأنت وأنا عرضة للحظر والإلغاء بمجرد التعبير عن رأي يخالف رأي إدارة فضاءات الانترنت الالكترونية . لقد غير الانترنت طريقة الإلغاء ووسع مداه ومجالاته . يقول مارك توين في هذا السياق : لم يعد بالإمكان الهروب من الدكتاتورية المحلية لأنها صارت في كل مكان . وصار كل مكان هو نفس المكان ويتم حظرك وإلغاؤك حيثما كنت إذا خالفت رأي الفضاء الإلكتروني الذي تستخدمه . قديما كانت الصحف تكتب أشياء وينساها الناس بعد أسابيع أو أشهر وكان من الصعب استعادتها إلا من الأرشيف أما مع الانترنت فكل ما تقوله مسجل ويمكن أن تكون عرضة للإلغاء بسببه بمجرد تغير معايير الفضاء الإلكتروني الذي تستخدمه في نشر إنتاجك العلمي أو بسبب مزحة نشرتها أو صوره علقتها على جدارك الالكتروني .
من الصعب القول إذا كان الكلام أصبح أكثر حرية أو أقل حرية لأنه فضا مليء بالتناقضات والمواربات فقد ساهم الانترنت في تعزيز قدرة الناس على التعبير عما يجول في خاطرهم أكثر من أي مضى ولكنه في ذات الوقت يمارس ثقافة الإلغاء لكل من يخالف أصحابه الرأي .
ثقافة الإلغاء تستهدف المشاهير لكنها لا تستطيع أن تلغيهم وهذا ينطبق على الناشطين في المجالات السياسية والاقتصادية . قد يؤثر عليهم الإلغاء بعض الشيء ولكنه لا يستطيع أن يلغيهم فعليا .
تؤثر ثقافة الإلغاء على الناشئين أكثر من غيرهم وخاصة عندما يخالفون معايير الأغلبية . قد تؤثر ثقافة الإلغاء على نتائج حملة انتخابية لشخص ما ولكنها لا تؤثر كيرا على وضعه الاقتصادي .
تؤثر ثقافة الإلغاء على اليمين واليسار في وقت واحد وإذا أردنا أن نفهم السياق القائم حاليا في حملة المرشحين للرئاسة دونالد ترامب وجو بايدن نجد أن الفريقين يوجهان نفس اللكمات القوية لبعضهما في السباق المحموم للبيت الأبيض. ولا أحد منهما يخجل من تاريخه المشؤوم .
تعكس حرارة النقاش حول ثقافة الإلغاء أهميتها في حياة ممارسيها فأنت مسموح لك بالحديث عن الجنس كما تريد ولكن غير مسموح لك أن تتبنى قيم المقاومة أو العداء لأمريكا أو الصهيونية العالمية وقد تصنف في ثقافة الإلغاء على أنك عنصري ومعاد للسامية والحرية . يسمح لك أن تمجد المثلية الجنسية والسحاقية واللواطية ولكن لا يسمح لك بنشر صور لأحد القادة المصنفين من الولايات المتحدة على أنه إرهابي . هناك مسائل غير قابلة للنقاش على الانترنت وغير مسموح بها بأي حال من الأحوال.
لا بأس في أن يتباهى المرء بإرث ثقافي أو ديني، أو أن يشارك في مجموعات تحتفل بتراث ما، ولكن لا حاجة لتحويل الهويات العرقية والثقافية والدينية إلى أحزاب سياسية، وتحويل التنافس السياسي إلى سباق بين الهويات بدلا من التنافس حول المصالح، فالهويات العرقية والدينية ثابتة لا تتغير، وقد لا تناسب مصالح بعض أفرادها أو مصلحة وطنهم، فيما المصلحة عابرة للهويات العرقية والدينية، وتناسب الوطن. عندما نمارس ثقافة الإنسان فإننا نتخلى طواعية عن إنسانيتنا وقيمنا في بناء مجتمع يرعى حرية جميع أفراده بغض النظر عن اللون والعرق والانتماء الديني أو السياسي.
وفي بلادنا يعرف القاصي والداني من العرب والمسلمين أن ثقافة الإلغاء تشكل قضايا مقدسة تحيل النقاش إلى أبشع أنواع الكفر ولا سبيل لمخالفة ولي أو فقيه أو شيخ أو مرشد ولا سبيل إلى الخلاف مع السياسة الدينية القائمة وقد يفسر ذلك خضوع كبار المثقفين في عالمنا العربي لسطوة مشائخ لا يحملون أدنى ثقافة . إنه الخوف من ثقافة الإلغاء .
في “ثقافة الإلغاء”، سبق العرب والمسلمون أميركا والغرب بعقود، واليوم يبدو أن بعض الأميركيين يظنون أن “ثقافة الإلغاء” التي يمارسونها هي تحرر أو حرية ويحاولون اللحاق بتخلف يعتقدونه تقدما.

لا تعليقات

اترك رد